فضائح أجور الرؤساء التنفيذيين للشركات الأميركية

الاحد 3 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 4 مايو 2003 لا تكمن الفضيحة المرتبطة بأجور الرؤساء التنفيذيين للشركات الاميركية الكبرى فحسب في ارتقائها إلى مستويات كارثية أو في بقائها مرتفعة إلى درجة غير معقولة، برغم فرض بعض الضوابط، كلا، فالفضيحة الحقيقية هي ان بعض المديرين التنفيذيين رفعوا اصواتهم علنا في الانتقاد والتوبيخ، فهم قادرون على ادانة العديد من ممارسات الشركات «مثل معايير المحاسبة واجراءات التدقيق المالي» التي تبدو الان موضع شبهات، لكنهم يلتزمون الصمت حيال الجدل المتعلق بارتفاع اجورهم، واذا كانوا عاجزين عن الدفاع عما يفعلونه، فهذا يعني اذن ان اعمالهم ربما يتعذر تبريرها. وكما يعلم الجميع، فان مديري الشركات التنفيذيين ومعهم بعض كبار المسئولين التنفيذيين - يعيشون منذ فترة نعيما ماليا منقطع النظير، فمنذ 1992 حتى 2001، كسب اكبر خمسة مديرين تنفيذيين لاكبر 1500 شركة اميركية 67 مليار دولار على شكل حصص في ارباح الاسهم، بحسب التقرير الذي اعده جوزيف بالسي ودوغلاس كروس، وآرون بيرنستاين، مؤلفو كتاب «بصحبة المالكين: حقيقة خيارات الاسهم» ومع ان هذه المكاسب كانت موجهة نحو مجموعة صغيرة، فان تعويضات المديرين بصورة عامة حلقت إلى عنان السماء، فمن عام 1993 حتى 2002، ارتفع متوسط الاجر النقدي «المرتب السنوي + الحافز الاضافي)، للمديرين التنفيذيين في 350 شركة بنسبة 53% ليصل إلى 1.8 مليون دولار، بحسب شركة ميرسر لاستشارات الموارد البشرية، اما متوسط اجر المدير التنفيذي الاجمالي متضمنا «الحوافز» طويلة الامد «خيارات ومكافآت الاسهم» فقد ارتفع إلى ثلاثة اضعاف من مليوني دولار في عام 1993 إلى 6 ملايين دولار في عام 2002، وخلال الفترة ذاتها ارتفعت تعويضات العمال بمقدار الثلث فقط. ان ضخ هذ الكم الهائل من المال على هذا العدد القليل من الناس خلف نوعا من «الاحقية» فاقطاب الصفوف العليا في الشركات الاميركية اصبحوا يؤمنون بانهم لا ينبغي ان يكونوا ميسوري الحال وحسب، بل يستحقون ان يكونوا اثرياء وربما فاحشي الثراء ايضا، والان يتعين على النظام الرأسمالي المزدهر ان يغدق الثروات على الاشخاص الذين يخلقون مشاريع تجارية ضخمة أو يبثون الحياة من جديد في المشاريع القديمة الواهنة، لكن الثروات العظيمة لا ينبغي ان تذهب بشكل روتيني لاشخاص كل ما يفعلونه هو ادارة الشركات الموجودة اصلا بنجاح. ويتصور الرؤساء التنفيذيين طبقا لاهوائهم ان كل مسئول قريب من قمة هرم الشركة يجب ان يصبح مليونيرا ويضاعف ملايينه مرة تلو الاخرى. وينتج عن هذا جملة من القواعد والممارسات القائمة على اساس تبرير الذات والتي تعززها الحساسية المتنامية للمظاهر، والاسبوع الماضي، انضمت الخطوط الجوية الاميركية إلى قائمة الشركات التي تعاني من هذه العقلية، وقد بلغت الامور بالشركة حد التفكير جاعلان افلاسها افتضاح ان كبار مديريها التنفيذيين كانوا قد حصلوا على حصانات تعويضات خاصة، في الوقت الذي وافق فيه حتى الطيارون والميكانيكيون والمضيفون على القبول بخفض اجورهم وحوافزهم بنسبة 230%، كان هذا التباين صارخا جدا لدرجة اثارت سخط وتمرد العديد من الموظفين، وسارع المضيفون إلى تعليق تنازلاتهم، واجبر الرئيس التنفيذي دونالد كارتي على الاستقالة. وبالطبع علينا ان ننصف الرؤساء التنفيذيين الذين ربما يكون بعضهم كبش فداء، عندما يتم القاء اللوم عليهم جميعا بجريرة خطايا بعض منهم، وحتى كارتي نفسه، فقد اقترح خفض مرتبه الاساسي بنسبة 33% ليصبح 543 الف دولار، لكن الرؤساء التنفيذيين ومسئولي النخبة في الشركات الكبرى هم إلى حد ما الذين جلبوا هذا على انفسهم، من خلال عدم مجابهة الزيادات المفرطة في تعويضات المسئولين التنفيذيين، ربما يصعب على الناس العاديين فهم السمات التقنية للشذوذات المحاسبية، لكن الجميع يفهم مواضيع الاجور والمرتبات. قد يقول البعض انه يتم الان كبح جماح اجور الرؤساء التنفيذيين، هذا صحيح، فالاستطلاعات السنوية التي تجريها صحافة المال والاعمال تظهر بعض التغيرات المتواضعة، وقد وجد مسح اجرته مؤسسة «ميرسر» ان 50 مديرا تنفيذيا من اصل 350 لم يتلقوا حوافز نقدية من الارباح في عام 2002، وهو امر طبيعي في ضوء تراجع الارباح واسعار الاسهم، لكن هذه التغيرات هي اجراءات تجميلية في الغالب، ولا تسائل أو تهدد الطبيعة الضمنية لنظام احقية الرؤساء التنفيذيين. ويبرر الرؤساء التنفيذيون للشركات تعويضاتهم الضخمة بالقول بانهم يحصلون على ما يمليه «السوق» شأنهم في ذلك شأن أى شخص اخر، هذا هراء، فسوقهم هي سوق مصطنعة إلى حد بعيد، فالرؤساء التنفيذيون يقارنون اجورهم باجور الرؤساء التنفيذيين الاخرين، كما اظهرت الاستطلاعات الاخيرة، لكن المقارنة ليست ملائمة، لعدم وجود وظائف مماثلة مفتوحة، اي ان الرئيس التنفيذي الذي يفقد عمله اليوم لا يستطيع ان يجد بسهولة عملا بنفس المستوى في الغد، فتعويضات الرؤساء التنفيذيين يحددها رؤساء مجالس ادارة الشركات الذين يكونون عادة مسئولين تنفيذيين رفيعي المستوى أو رؤساء تنفيذيين متقاعدين، والنتيجة هي نظام رفاه مصطنع مصمم لضمان حصول حتى الرؤساء التنفيذيين العاديين على اجور مرتفعة جدا، وحصول جميع الرؤساء التنفيذيين الاخرين على فرص متكررة لجمع الثروة. يجب دفع اجور جيدة للرؤساء التنفيذيين للشركات الكبرى، لكن «الحوافز» الخاطئة تكون مدمرة في احيان كثيرة، فاذا لم يكن للرؤساء التنفيذيين استثمار ذو شأن في اسهم الشركة، فانهم ربما لا يكترثون كثيرا لتحسين فعالية وربحية الشركة، لكن اذا كان لهم استثمار مفرط في الاسهم فانهم قد يتبعون اهواءهم في تجاوز قواعد المحاسبة لتضخيم الارباح واسعار الاسهم، واليوم تتسبب تعويضات الرؤساء التنفيذيين الخيالية في اعاقة - كما هو حال الخطوط الجوية الاميركية - الادارة اليومية للعمل من خلال مساهمتها في اضعاف معنويات العمال. ما هي الاجور والتعويضات الصائبة؟ هذا ليس بالسؤال السهل، لكن يجب على الرؤساء التنفيذيين معالجته بدون تحفظ، وإلى ان يحدث ذلك، سنلاحظ ان الاجور تتبع معيارين رديئين: جشع الرؤساء التنفيذيين والاجحاف الشعبي، إلى أن يؤدي الغضب الجماهيري إلى سن قوانين جديدة. بقلم: روبرت صامويلسون

طباعة Email
تعليقات

تعليقات