الاحد 25 صفر 1424 هـ الموافق 27 ابريل 2003 ظهرت ظاهرة الخصخصة كنتيجة للوضع الاقتصادي في عدد كبير من البلاد النامية بعد أن ركبت الموجة أولا الدول المتقدمة، حيث تميزت اقتصادات هذه الدول بسيطرة القطاع العام على نسبة عالية من الأنشطة الاقتصادية ورغم تفاوت ذلك من بلد إلى آخر ولكن الصفة العامة المشتركة بينها جميعا هي تغلغل القطاع العام في كل نواحي الحياة ولهذا جاءت الخصخصة كعملية تحجيم لدور الحكومة في النشاط الاقتصادي. إن تدني الأداء في القطاع العام أرغم الحكومات سواء في البلاد المتقدمة أو النامية على إعادة النظر في دور الدولة في الحياة الاقتصادية. وفي هذا الإطار هناك إتفاق عام على أن الدولة يجب أن تلعب دورا هاما في الحياة الاقتصادية للبلدان النامية لعدد من الأسباب المقبولة ومنها ضيق السوق المحلية من حيث الطاقة الإستيعابية وإنعدام أو تدني مستوى المرافق العامة المتعلقة بالخدمات الرئيسية المقدمة للمجتمع إضافة إلى تدني مستويات تمويل المشروعات الرئيسية الكبيرة. وهناك في الحقيقة عوامل تعود إلى المجتمع نفسه بسبب الأجور الرمزية التي تتقاضاها الدولة مقابل تلك السلع والخدمات. ومن هذا المنطلق فهناك تجارب عديدة تثبت بأن القطاع العام قد تجاوز هذه الدائرة وأصبح يحكم ويدير عدداً كبيراً من القطاعات مما أصبح يشكل عبئا على كاهل الدولة. إن ذلك لا يمنع من أن تقوم الدولة بتقديم وإدارة الخدمات الأساسية في مجال التعليم أو الصحة أو الإدارة العامة وغيرها من الخدمات الأساسية والتي لا تكون أساسا ضمن مفهوم قطاع الأعمال العام الذي يقوم أصلا بإنتاج وبيع السلع والخدمات وبهذا تكون الحكومة هي المنتج وهي القائمة بالمتاجرة وتحصيل الإيرادات. إن ذلك لا يمنع من أن تكون الدولة وفقا لأيدلوجيات ومفاهيم سياسية معينة هي المهيمنة على بعض النشاطات ومنها ما يتعلق على سبيل المثال بالموارد الطبيعية التي ترتكز عليها موارد الدولة المالية مثل النفط والغاز وتشكل مجالا تتحدد فيه سياسة الدولة الخارجية وعلاقاتها مع دول العالم الأخرى إضافة إلى بعض المرافق ذات التأثير المباشر على سياسة وأمن الدولة مثل الموانيء والمطارات من جهة والتي لها علاقة بالمواطنين من جهة أخرى مثل الكهرباء والماء والتي تؤدي في أغلب الأحيان إلى إحتكار واستغلال المستهلكين لأن الدولة لا تملك القدرة الكاملة للسيطرة على مثل هذه المنشآت. وهناك في هذا المجال المرافق أو الجوانب التي تتطلب إستثمارات كبيرة وتكنولوجيا متقدمة جدا لا يقدر على توفيرها القطاع الخاص وفي حالة توفيرها فإنها ستكون مكونة من مجموعات كبيرة من الشركات ذات الإتجاهات والميول المتعددة إضافة إلى تبعيتها السياسية المختلفة مما يؤدي إلى التأثير على سياسة هذه المرافق باتجاهات معينة. وأيا كانت الأسباب الكامنة وراء سيطرة القطاع العام فقد كان المفروض أن يسهم ذلك إسهاما إيجابيا في عملية التجديد والتنمية غير أن تجربة النصف الأخير من القرن الماضي تشير إلى تراجع مستوى أداء القطاع العام وكان إجماعا على ذلك من خلال دراسات متعددة لمؤشرات إقتصادية مثل قياس درجة الكفاءة، الأرباح والخسائر وتحميل الميزانية العامة أعباء مالية أدت إلى ظهور عجز كبير إضافة إلى ذلك قياس نسبة العائد على رأس المال المستثمر وتأثير ذلك على ميزان المدفوعات والقدرة التنافسية في الأسواق العالمية مما أدى إلى الإستنتاج بأن القطاع العام في الغالب لا يمكن التعويل عليه بسبب إتكاله على الميزانية الحكومية ويفرض عبئا على ميزان المدفوعات وتعتبر قراراته المختلفة المالية والإنتاجية تتعارض مع إعتبارات الكفاءة الإنتاجية. إن مراحل التنمية الأولى في الحقيقة لدول الخليج العربية والموارد المالية الكبيرة كانت هي الدافع الرئيسي لتسارع التنمية بمعدلات عالية بهدف رفع المستوى المعاشي ودرجة الرفاهية للمواطنين ولكن وفقا للمراحل التالية من التذبذب في أسعار النفط والركود الاقتصادي العالمي وحرب الخليج إضافة إلى الإعتبارات أعلاه، كانت الدافع الرئيسي وراء الإهتمام بالخصخصة ونقل ملكية وإدارة المنشآت العامة إلى القطاع الخاص بل وزاد الإهتمام بذلك على أثر التدهور الكبير في البيئة الاقتصادية العالمية مما دعا إلى التفكير مرة أخرى في دور الدولة في الحياة الاقتصادية حيث دخلت الخصخصة في مجال السياسات التصحيحية التي تساعد على إزالة الإختلال وإعادة التوازن والوصول إلى معدلات مقبولة للنمو الاقتصادي. و في الواقع فإن الخصخصة ليست موضوعا سهلا إذ يمكن أن تصطدم بمشكلات اقتصادية وسياسية عديدة لذلك يدور الجدل حول ما إذا كان بالإمكان إصلاح القطاع العام دون الخوض في عملية الخصخصة وذلك عن طريق فصل ملكية المنشآت العامة عن إداراتها حيث أن الملكية ليست بالضرورة عاملا أو سببا مؤثرا في الكفاءة وإنما المهم أن تعمل إدارة هذه المنشآت على أسس مالية وتجارية بحتة ويمكن تحقيق ذلك بتطبيق مبدأ اللامركزية في إدارة منشآت القطاع العام أي فصل إدارة هذه المنشآت عن ملكيتها. إن التجارب أثبتت خلال العقود الماضية وفي مراحل تبني سياسات اقتصادية تتسم بالتخطيط المركزي، بأن القطاع العام في أوضاعه الحالية يشكل عقبة كبيرة في طريق التنمية لما ينطوي عليه من تكلفة اقتصادية باهظة ولذلك فلابد من إعادة النظر في الدائرة أو المجال الذي يتمثل فيه القطاع العام في النظام الاقتصادي وهذا صحيح بالنسبة لعدد كبير من البلدان النامية ومنها البلدان العربية. وقد أثبتت التجارب في عدد من البلدان العربية بأن مشكلة القطاع العام لا يمكن علاجها بالفصل بين الملكية والإدارة في الوحدات الإنتاجية أو تشجيع القطاع العام بالإستثمار في كافة المجالات الاقتصادية دون المساس بالمنشآت العامة القائمة فعلا. إن تطبيق سياسة الخصخصة في الحقيقة أصبحت عملية صعبة أمام عدد كبير من البلدان العربية وعلى الأخص بعد سيطرة طويلة الأمد للقطاع العام على الجوانب الاقتصادية في البلاد من جهة والضغط الداخلي من جهة أخرى. وهذه السياسة أصبحت تحتاج إلى معالجة عدد كبير من المشاكل الواقعية وهي: ـ عدم تجانس وحدات القطاع العام من حيث معايير الأهمية وقابليتها للمقاومة والبقاء من الناحية الأخرى. وتتحدد الأهمية تبعا لمؤشرات حجم العمالة، الإستثمارات وقيمة الإنتاج. أما القابلية للبقاء فتحدد تبعا لمعايير الربح والخسارة. ـ مشكلة اختيار الأسلوب الملائم للخصخصة فإما أن يكون بنقل الملكية كليا أو جزئيا إلى القطاع الخاص أو نقل إدارة المنشآت إلى القطاع الخاص مع بقاء ملكيتها للدولة أو الإجراءات المتعلقة بإزالة القيود عن حرية القطاع الخاص وبالتالي تحريره. ـ التصرف بالمنشآت العامة باتباع سياسة الخصخصة يتطلب تقييم هذه المنشآت وبالتالي تحديد قيمتها. ـ انخفاض متوسط الدخل في العديد من البلدان النامية يؤدي إلى ضعف حجم المدخرات وبالتالي عدم كفاية المدخرات الوطنية لشراء هذه المنشآت وفي هذه الحالة يمكن التدرج باتباع سياسة الخصخصة وعلى مراحل بحيث تتاح الفرصة الكاملة أمام المواطنين لشراء أسهم هذه المنشآت إضافة إلى ذلك ضعف أو عدم وجود سوق لرأس المال يعمل على تحريك المدخرات ويوجهها إلى الاستثمار الناجح. ـ تشكل مشكلة العمالة المتكدسة في منشآت القطاع العام من أعقد المشكلات التي تواجه هذه المنشآت وذلك انطلاقا من سياسة الدولة في إيجاد العمل المناسب لكافة المواطنين مما أدى إلى نشوء مشكلة العمالة الفائضة أو البطالة المقنعة ومما لا شك فيه فإن الخصخصة ستؤدي إلى بطالة نسبة كبيرة من هذه العمالة في إطار التصحيح الاقتصادي والإداري وبالتالي فإن ذلك سيلقي على عاتق الدولة عبء إيجاد فرص عمل بديلة لهذه الأعداد من العمالة الفائضة أو اتباع سياسات اجتماعية معينة وهذا يتطلب استثمارات ضخمة هي في الأصل مشكلة كبيرة أخرى لعدد كبير من الدول العربية. إن هذه المشاكل يمكن أن تبرز في الواجهة وهي مشكلات ذات أبعاد سياسية واجتماعية ومالية ولها أبعادها الفنية البحتة أيضا. لذلك فإن نجاح أي برنامج للخصخصة يتوقف إلى حد كبير على وجود قيادة سياسية مؤمنة به من أجل أن يسير الاقتصاد القومي قدما في طريق التنمية وأن الحاجة تبقى ملحة لإعادة تنظيم النشاط الاقتصادي على أساس تحقيق الكفاءة الإنتاجية مع الأخذ بنظر الاعتبار العدالة الإجتماعية. إن الخصخصة بهذا المعنى تمثل إحدى السمات البارزة لسياسات الإصلاح الاقتصادي في معظم الدول سواء المتقدمة أو النامية خلال العقدين الماضيين وذلك بعد عقود من رواج فكري واسع للسياسات التدخلية وتوسيع القطاع العام ودوره في الحياة الاقتصادية. إن موجة السياسات التصحيحية التي روج لها صندوق النقد الدولي وساندها ودعمها بشدة البنك الدولي سادت العديد من الدول النامية خلال العقدين الماضيين ومن الطبيعي أن تكون دول الخليج العربية هي من الدول التي أخذت بهذه الوصفات وخصوصا بعد تغير النظام العالمي والاتجاه السريع نحو العولمة مما تطلب إعطاء دور واضح وأكبر للقطاع الخاص في مجال التنمية. ولكن كانت هذه السياسات التصحيحية متباينة بين دول الخليج العربي من ناحية التطبيق حيث يلاحظ بأن دولة الإمارات العربية المتحدة كانت ولا تزال أقل اندفاعا مما عليه في البلدان الأخرى بسبب الوضع المالي الجيد وعدم بروز المشاكل المالية الكبيرة في منشآت القطاع العام. وكان الدافع الوحيد أمام الدولة وعلى الأخص في إمارتي أبوظبي ودبي هي الرغبة في توسيع فرص الاستثمار أمام المواطنين في وقت تزايدت فيه الإمكانيات المالية بمعدلات عالية لدى المواطنين إضافة إلى تشجيع الإستثمارات الأجنبية ولذلك كانت الدولة تقف وراء تشجيع قيام الشركات المساهمة الجديدة وخصوصا بعد قيام وتفعيل سوقي الأوراق المالية في أبو ظبي ودبي. وفي نفس الوقت لا توجد أية دلائل تشير إلى أن الدولة مستعدة لفتح قطاعات ذات أهمية كبيرة في الاقتصاد الوطني مثل النفط والغاز أمام القطاع الخاص، إضافة إلى أن الدولة ليست لديها النية في تحويل ملكية بعض الشركات إلى القطاع الخاص وخصوصا أن هذه الشركات تحقق أرباحا عالية وتشكل مصدرا مهما للإيرادات الحكومية. لهذه الأسباب نعتقد بأن دول الخليج ومنها دولة الإمارات العربية المتحدة لا يمكن أن تلجأ إلى سياسة تصفية منشآت القطاع العام ونقل ملكيتها إلى القطاع الخاص لعدم حاجتها إلى مصادر جديدة للتمويل ويمكن أن تلجأ إلى تشجيع قيام شركات مساهمة في مجالات الإنتاج التي يعمل فيها القطاع العام وربما قيام شراكة جديدة مع القطاع العام. وفي ظل النظام الاقتصادي الجديد والتطور الفني الكبيرفي أساليب الإنتاج فإن قيام شركات للقطاع الخاص في أنشطة ذات علاقة بأنشطة النفط والغاز هي من الأمور غير المستبعدة بدءا من مجالات التصنيع والتوزيع والخدمات أو أن يكون بمشاركة محلية وأجنبية لإنتاج سلع قابلة للمنافسة في الأسواق المحلية والخارجية. إن عملية الخصخصة يجب أن تكون ضمن سياسة اقتصادية واضحة ومتناسقة لتفعيل قوى السوق وهذا في الحقيقة ظاهر إلى حد كبير في دولة الإمارات العربية المتحدة وحتى في دول الخليج العربية الأخرى لأنها تتبع أصلا نظاما اقتصاديا يقوم على الحرية الاقتصادية وتشجيع القطاع الخاص وحرية الأسواق إضافة إلى عوامل مشجعة أخرى مثل القوانين والتشريعات المتعلقة بالضرائب ورسوم الاستيراد والتصدير وغيرها من الأنظمة التي تكون أحيانا مقيدة لقوى السوق. بقلم: د. وسام جميل الامارة