الاحد 25 صفر 1424 هـ الموافق 27 ابريل 2003 لكي نتحدث عن دور الغرف التجارية الخليجية والمهام المنوطة بها خلال المرحلة المقبلة لا بد لنا اولا ان نحدد طبيعة التحديات التي تواجه هذا الدور في الوقت الحاضر والمسقبل. ولا يخفى على احد ان مجتمع رجال الاعمال والتجار في دول المنطقة يواجه اليوم اخطر تحد يعرفه منذ سنوات طويلة ونعني لذلك التغيرات والتطورات المرتبطة بالعولمة وتحرير الاسواق على ضوء اتفاقيات منظمة التجارة العالمية. ولقد ظهرت فكرة الغرف التجارية و الصناعية الى حيز الوجود بمبادرة من رجال الأعمال للدفاع عن مصالحهم و حمايتها اضافة الى رغبة الحكومات نفسها فى اشراك رجال الأعمال معها فى اتخاذ القرارات التى تساهم فى تنمية المشروعات الاقتصادية. و لقد بدأ انشاء الغرف التجارية فى دول العالم المختلفة بمفهومها الحالى قبل أكثر من ثمانية قرون. ولكن هذا لا يعنى أن مفهوم الغرف لم يكن معروفا لدى أهل الحضارات القديمة، حيث توضح الدراسات التاريخية أن منتجى السلع المختلفة من سكان الصين وقدماء المصريين والرومان واليونانيين بل والعرب أنفسهم قبل الاسلام وبعده كانوا يشكلون قيما بينهم منظمات لأصحاب الحرف والمهن ومنها التجارة والصناعة، حيث أصبحت هذه المنظمات الأساس فيما بعد فى ظهور منظمات الحرف فى أوروبا ابتداء من القرن الثانى عشر و التى اليها يمكن ارجاع جذور الغرف التجارية. ولقد كان الهدف من انشاء هذه المنظمات فى ذلك الوقت هو تحسين المستوى الفنى للحرفة وزيادة قدرتها على المنافسة و أيضا تحسين عملية المساومات الجماعية وحماية أصحاب الحرفة الواحدة والدفاع عن مصالحهم. ويمكن القول بأن نظام الغرف التجارية والصناعية يعكس المبادئ العامة للنظام الاقتصادى والاجتماعى والسياسى السائد فى المجتمع. وبالتالى فان دور الغرفة وفلسفتها يختلف من نظام اقتصادى لآخر بل من دولة لأخرى. فوفقا للمفهوم الانجلوسكسونى لنظام الغرف، على سبيل المثال الذى تأخذ به حاليا بريطانيا والولايات المتحدة وكندا واستراليا والدول الاسكندنافية و سويسرا وبلجيكا وبعض الدول التى خضعت للحكم البريطانى ، ينظر الى الغرفة على أنها نقابة لأصحاب الأعمال، أو تجمع خاص بهم لحماية مصالحهم والدفاع عنها. والغرف بهذا المفهوم عبارة عن مؤسسات خاصة ذات نفع عام، تقوم على مجهودات أعضائها وتعبر عن آرائهم وتتمتع بالاستقلالية فى ممارسة أعمالها، وان كان هذا المفهوم قد تطور فى السنوات الأخيرة ليتضمن قيام الغرف بالاضافة الى ما تقدم، بممارسة الأنشطة التى تعود بالنفع على المجتمع ككل. أما الغرف فى دول العالم الثانى ومنها الدول الاشتراكية فينظر اليها على أنها مؤسسات عامة ذات دور رئيسى فى تنمية التجارة الخارجية والداخلية للدولة. أما المفهوم الأوروبى اللاتينى للغرف فينظر الى الغرف على أنها منظمات شبه حكومية حيث تمثل الغرف وفقا لهذا المفهوم رجال الأعمال فى كافة اللجان الحكومية. ولذلك يكون باستطاعتها أن تبدى وجهة نظرها بصورة مباشرة فى كافة الشئون التجارية والصناعية. ويتبع هذا النظام الأوروبى اللاتينى، الغرف التجارية فى فرنسا وألمانيا و ايطاليا وبعض دول أميركا الوسطى والجنوبية ومعظم الدول التى خضعت للحكم الفرنسى. وتأخذ هذه الغرف بمبدأ الانتساب الالزامى لرجال الأعمال والتجار فى عضوية الغرف، أما الغرف التى تخضع للنظام الأنجلوسكسونى فيكون الانتساب اليها اختياريا أى أنها لا تضم كافة رجال الأعمال وتعتمد فى داخلها على القيام بتقديم خدمات لقاء رسوم معينة والغرف التى يكون الانتساب اليها الزاميا تكتسب صفة عامة وتخضع فى تأسيسها الى قانون عام - فى الوقت الذى تكتسب الغرف التى يكون الانتساب اليها اختياريا صفة خاصة ويكون تأسيسها فى الغالب بموجب قانون خاص. وفى كلتا الحالتين «فالغرف مؤسسات معترف بها من السلطات الرسمية فى الدولة، لا تهدف الى الربح وتعمل للصالح العام فى مجال الاقتصاد الوطنى و ترعى مصالح أعضائها». وهكذا نخلص مما سبق أن الأهداف الأساسية من انشاء الغرف هى خدمة و رعاية مصالح رجال الأعمال المنتسبين اليها وتنسيق ارتباطاتها مع الأجهزة الرسمية ذات العلاقة فى الدولة بما يخدم فى النهاية قضية التنمية الاقتصادية. ان الغرف التجارية بدول مجلس التعاون الخليجي تدرك دون شك ضخامة المسئوليات الملقاة على عاتقها في الفترة الراهنة التي تفرض فيها تيارات العولمة تحديات يجب الإستعداد لها بالكفاءة اللازمة بشكل يخدم مصالحنا الإقتصادية في المرحلة المقبلة. فالدور الذي تقوم به الغرف في هذا المجال يعتبر مكملا للدور الذي تقوم به الحكومات ويشكل نقطة إلتقاء وتعاون بينهما. وبالتالي لابد من العمل على تعزيز التنسيق والتعاون في مرحلة العمل المقبلة للنهوض بالقطاعات التجارية وإعطاء دور أكبر للقطاع الخاص في التنمية. وباعتقادنا فإن المحاور الإقتصادية التالية سوف تمثل تحديات أساسية أمام الغرف الخليجية خلال السنوات المقبلة. فأولا، أن الجميع يدرك أن تنشيط الإقتصادات الوطنية هو جهد مشترك بين القطاع الخاص والحكومة. ولا شك ان توطين الإستثمار هو أهم عوامل تنشيط الإقتصاد فاذا ما وجدت التشريعات من جهة والتسهيلات من طرف آخر فهي كفيلة بتنشيط الإقتصاد وهذا يأتي من تعاون جميع المعنيين. إن العولمة سوف يكون لها تأثيرات كبيرة على التاجر الخليجي إلا أنه وبالتنسيق سواء على مستوى التجار أو مستوى دول المجلس نفسها يتم الحد من تأثيرات العولمة خصوصا إن التكتل الخليجي أصبح مطلبا ليس من قبل أبناء وقادة الدول بل إنما أصبح مطلبا من إدارة الإقتصاد العالمي فهناك الكثير من التكتلات الإقتصادية. لذلك لابد من الضروري أن يوجد نهج إستراتيجي معين يتمثل في التكتل حتى يمكن الوصول بالتاجر إلى الأمان إضافة إلى توفر الإمكانيات التي سيعمل عليها هذا التاجر من أجل الإستمرار في ظل الظروف الحالية والمتطلبات الجديدة. وثانياً، ولضمان الإستمرارية في العمل التجاري، فانه من الأولى لجميع المؤسسات الفردية والشركات العائلية أن تبدأ في تطوير نفسها والتحول إلى شركات مساهمة لأن هذا الأمر يعطيها نوعا من الإستمرارية وفي نفس الوقت يعطي دفعة لاقتصاد البلد. وما حصل في الغرب والدول المتطورة أقرب مثال لاستمرارية هذه الشركات واتساعها، وأن النجاح الكبير الذي حصل لتلك الشركات يبرهن على ذلك. لذلك فمن المؤمل أن تتخذ الشركات العائلية خلال الفترة المقبلة نفس الخطوات. وثالثا، من المهم أيضا الإسراع في عملية الخصخصة لما لها من تأثير إيجابي في تنشيط في العمل التجاري والإقتصاد الوطني. إن عملية الخصخصة تمثل مدخلا إستراتيجيا لتوسيع دور القطاع الخاص في التنمية الإقتصادية، وبالتالي إعطاء ممثل الغرفة التجارية دوراً فاعلاً ومؤثراً في رسم وتخطيط واقتراح سياسات التنمية الإقتصادية. ورابعاً، بالنسبة لقطاع الصناعة فإن المستجدات الإقتصادية الجارية في فلك العولمة تلقى الكثير من التبعات على القطاع الصناعي وتجعله أمام تحديات يجب علينا جميعا أن نكون على وعي وإدراك بكل أبعادها. ولا شك أن الغرف الخليجية لعبت دورا بارزا في التعريف بالعديد من الظواهر التي كان يعاني منها القطاع الصناعي والتي تستدعي المراجعة والتقييم والتطوير. ومن هذه الظواهر ظاهرة الإزدواجية في إقامة المشروعات الصناعية حيث إنه إذا كانت هناك بعض المبررات في إقامة مثل هذه المشاريع اما لحاجة السوق المحلي أو الخليجي أو لحاجة التصدير فإننا اليوم أمام إتجاهات وتوجهات جديدة محورها المنافسة المحلية والخارجية. كما أن تحرير الأسواق سوف يلقي بظلاله على واقع الصناعات الوطنية وإذا كان هناك ما يجب التركيز عليه في هذه الفترة فهو التركيز على تطوير الصناعة المحلية من خلال الجودة وتعزيز قدراتها التنافسية لتدعيم وضع صادراتنا في الأسواق العالمية. بقلم: حسن العالي