الاحد 25 صفر 1424 هـ الموافق 27 ابريل 2003 لقد بدأت القوى الاستعمارية في أعقاب النهضة الصناعية وفي أواخر القرن التاسع عشر تحديدا تتنافس على مناطق المواد الخام وعلى الأسواق والمناطق الاستراتيجية في العالم ولما بدأت المحاولات الأولى للاكتشافات النفطية في منطقة الخليج بإيران في مارس 1872، ثم في العراق 1914 ثم في البحرين في عام 1932، ثم في الامارات (أبوظبي يونيو 1962) و(دبي سبتمبر 1969) بدأ الصراع يحتدم بين الشركات الانجليزية التي سجلت السبق في التواجد والشركات الأميركية التي سعت جاهدة للحصول على موطئ قدم لها مع بداية فترة العشرينيات من القرن العشرين. ولقد ارتبط التواجد الأجنبي ولا سيما الانجليزي، ثم الأميركي بمنطقة الخليج بوجود النفط وعمليات التنقيب عنه بهذه المنطقة، وإذا كانت شعوب هذه المنطقة قد اعتمدت وإلى حد كبير على الحرف والمهن التقليدية ولا سيما صناعة الغوص، والتجارة مع بعض دول افريقيا وآسيا فإن الفترة التي شهدت الاكتشافات النفطية قد صاحبتها تغييرات جذرية في التركيبة الاقتصادية حيث أصبح هناك اعتماد كلي على النفط سواء في الصادرات، أو الايرادات والانفاق الحكومي، أو موازنة حكومات تلك الدول والامارات، ولكن عقد العشرينيات قد شهد أيضا صراعا محتدما بين الشركات الأميركية ومنافستها على هذا الكنز الذي سبقت دول العالم إليه فقد كبلت المنطقة بمجموعة من الاتفاقيات الاحتكارية وحصلت بموجبها على امتيازات ضخمة. كما شملت جميع الحدود البرية منها أو البحرية فضلا عن مدتها التي تصل إلى أكثر من سبعين سنة!! وعلى الرغم من ذلك فإن الشركات الأميركية لم تيأس في الحصول على فرصتها ونجحت أخيرا في الحصول على الامتيازات الكاملة لها في البحرين عام 1928 وتمكنت من العثور على النفط في عام 1932. لقد كانت تلك الاتفاقيات لا تراعي بل تتجاهل حقوق حكومات وشعوب المنطقة ولم تكن تتناسب مع روح العصر ومعظم تلك الاتفاقيات ولا سيما التي وقعتها بريطانيا مع حكومات المنطقة يتم توقيعها تحت ضغط عسكري وسياسي، بل انها توقعها مع حكام المنطقة تحت ضغط البوارج الحربية البريطانية لتضمن هيمنتها وفرضها للأمر الواقع على شعوب المنطقة!! وكانت هذه الاتفاقيات ولا سيما تلك التي أبرمها حكام الامارات عام 1922 ظالمة ولم تترك مجالا للامارات بالدخول كشريك في رأسمال الشركات صاحبة الامتياز وبذلك تم استبعادها من المشاركة الفعلية في ممارسة دورها في عمليات التنقيب واكتشاف أو انتاج وتصدير وتسويق نفطها وثروتها الطبيعية تلك!! بل ان الشركات البريطانية لم تكن تدفع لحكومات الامارات آنذاك سوى 75 سنتا أميركيا للطن أي حوالي عشرة سنتات للبرميل!! ولم يتغير الأمر إلا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وانضمام الامارات إلى منظمة الأقطار المصدرة للبترول (أوبك) حيث تمت مراجعة تلك الاتفاقيات وأصبحت بموجب الاتفاقيات الجديدة تدفع شركات البترول الأجنبية ايجارا سنويا قبل اكتشاف النفط يقدر بنحو (100 ألف دولار) وان تدفع بعد انتاج البترول ريعا يصل إلى 20% وضريبة دخل تصل إلى 85% (د. مانع سعيد العتيبة ـ البترول واقتصادات الامارات العربية 1977). وإذا كانت تلك الحقبة الزمنية قد شهدت كل تلك الصراعات والاحتكارات والاستخفاف بحقوق الشعوب وممتلكاتهم وثرواتهم فإن وقتنا الحالي لا يختلف عما حدث في تلك الحقبة، وكأن التاريخ يعيد نفسه، فالدول الخليجية وان حصلت على استقلالها الظاهري فإن أوضاعها الاقتصادية ظلت متخلفة، ومشاريع التنمية فيها ظلت معطلة والشركات الاجنبية استمرت في ممارسة هيمنتها على قطاعات مهمة من اقتصادات هذه الدول، واذا كانت الشركات البريطانية هي المهيمنة والمسيطرة على القطاع النفطي خلال الحقبة التي سبقت استقلال هذه الدول، ولم تكن تجد منافسة إلا من قبل الشركات الأميركية، فإن هذه الفترة والمستقبل القريب سوف تشهد هذه الدول سيطرة واضحة وحقيقية للشركات البترولية الأميركية على هذا القطاع الحيوي سواء في عمليات التنقيب والاكتشاف أو الانتاج والتصدير والتسويق ويبدو ان معطيات الحاضر تؤكد على ان العقود والاتفاقيات الاحتكارية والظالمة التي أبرمتها بريطانيا مع حكومات هذه المنطقة في فترة ما قبل الاستقلال سوف تتكرر ولكن مع الشركات الأميركية والتي يبدو انها لن تجد منافسة لها ولا سيما في العراق الحديث إلا من قبل الشركات البريطانية. وهكذا تصبح آليات السيطرة والهيمنة الأميركية على اقتصادات المنطقة قوية الأمر الذي يمكن الشركات الأميركية من فرض سيطرتها الفعلية على قطاعات مهمة في المنطقة وأهمها قطاع النفط والبتروكيماويات، وتصبح الولايات المتحدة الأقوى نفوذا وحضورا ليس في منطقة الخليج فحسب وإنما في العالم وذلك من خلال فرض نفوذها الاقتصادي على هذه المنطقة ذات الحساسية الاقتصادية العالمية، وها هي تعمل على اتخاذ قواعد أساسية لها في العراق الذي يملك ثروات واحتياطيات نفطية ضخمة تشكل شريان الحياة الاقتصادية في العالم. هكذا أصبحت الشركات الأجنبية عامة والشركات النفطية خاصة تبسط نفوذها على المنطقة سواء بإرادة حكوماتها أو بدون، وإذا كانت حكومات الخليج تحت ضغط الظروف الاقتصادية والعجوزات في مالياتها من ناحية وتحت تأثير الضغوط الخارجية بفتح أسواقها وخصخصة مؤسساتها وشركاتها من ناحية أخرى. قد شرعت في وضع قوانين وتشريعات تجيز الملكية الخاصة حتى في القطاع النفطي، فإنه وفي ضوء تلك الضغوط سوف تجد الشركات الأجنبية ولا سيما الأميركية في تلك التشريعات فرصة سانحة لتحقيق أهدافها والتمكن من تحقيق سيطرتها الأكيدة على النفط الخليجي في كل مراحله وذلك في اطار اعادة ترسيم الخريطة الاقتصادية والاستراتيجية في العالم وامتلاك النفوذ وسلطة القرار الاقتصادي ـ الاستراتيجي في العالم. وفي ظل المعطيات المستجدة والمتوقعة خلال الألفية الثالثة فإن حكومات وشعوب منطقة الخليج سوف تصبح فاقدة للملكية السيادية على أهم ثرواتها الطبيعية حيث يصبح القرار ملكية خاصة للشركات الأجنبية ولا سيما الأميركية في قطاع النفط، وتصبح حكومات الخليج وشعوبها تعيش على الاتاوات التي تقدمها تلك الشركات نظير وجود ملكياتها في هذه المنطقة وتأتي تلك الاتاوات على هيئة نسب ضئيلة ومحدودة من صافي الأرباح! وإذا كان هذا يحدث تحت مظلة خصخصة اقتصادات المنطقة وضغوط أجنبية فإن الخصخصة هذه لا تعني بيع أو تمليك الشركات الأجنبية لجزء أو كل القطاع النفطي ولا تعني تمليك تلك الشركات سلطة القرار السياسي لهذه الدول لا سيما وان هذه الشركات تنتمي إلى دول عظمى لم تضع قط أي اعتبار أو اهتمام لشعوب هذه المنطقة وإنما أقامت علاقاتها مع دول المنطقة من منطلق الابتزاز والسيطرة، كما ان هذه الثروة النفطية القابلة للنضوب هي ثروة أجيال قادمة لا يجب التفريط فيها واستنزافها من قبل الشركات الأجنبية، كما ان هناك دولا وشعوبا عربية وإسلامية وأجنبية غير أميريكية وبريطانية لها حقوق في هذه الثروة واستقرار تلك الدول وتنمية تلك الشعوب ترتبط بهذه الثروة النفطية، سواء في المساعدات التي تقدمها دول الخليج أو لتحويلات العاملين فيها أو مشتريات دول الخليج من تلك الدول والشعوب. وإذا كانت الدول المستهلكة للنفط الخليجي عبر السنوات الماضية قد قلبت موازين قانون العرض والطلب وأصبحت تملك قرار حجم الاستهلاك وحجم الانتاج ومستوى الاسعار وأصبحت بذلك صاحبة القرار في الساحة النفطية فإن هذا لا يعني التفريط في تحويل ملكية هذه الثروة الناضبة أو المهددة بالنضوب لشركات أجنبية لا تحتوي أجندتها سوى مصالحها فيما لا ذكر لمصالح وحقوق شعوب المنطقة وبقية شعوب الأرض، ولا يجب أن تصبح ملكية النفط ملكية أجنبية في سجلات التجارة بدول الخليج! كما لا يجوز قطعيا التنازل عن حقوق أجيال المستقبل باسم خصخصة الاقتصاد أو تحت بند قوانين الاستثمار الأجنبي! ذلك إن مفهوم الخصخصة هنا يحتوي على جوانب سلبية قاهرة لشعوب المنطقة حينما تصبح هذه (الخصخصة) نافذة للسيطرة الأجنبية على مقدرات الشعوب وفرض الهيمنة والسيطرة على هذه المنطقة خاصة إذا علمنا بأن هذه الشركات سوف تتسابق في استنزاف منابع النفط حتى تجف وسوف تتسابق لتصدير عوائد النفط ورؤس الأموال من هذه المنطقة الى مصارفها واسواقها لتصبح تحت يدها وسيطرتها. ويمكنها مصادرتها أو تجميدها تحت طائلة الأعذار الواهية. من ناحية أخرى فإن تحديد حجم الاحتياطيات النفطية في هذه الدول لا تعرف حقيقة سوى تلك الشركات ولا تعلم العمر الحقيقي للنفط سوى تلك الشركات وسوف تكون صدمة عنيفة لحكومات وشعوب المنطقة حينما تشرق الشمس على حقيقة نضوب النفط وسرقة أموال الشعب باسم الخصخصة وتحت طائلة قانون الاستثمار الأجنبي وباسم الحرية الاقتصادية وتحقيق الانفتاح الاقتصادي! وإذا كانت أحداث العراق الأخيرة تشير إلى نزعة أكيدة لدى الشركات الأميركية في السيطرة على نفط العراق فإن الفترة المقبلة سوف تشهد سيطرة أكبر للشركات الأجنبية ولا سيما الأميركية على نفط الخليج تحت مبررات سبق الاشارة إليها وحينها سوف تصبح سيادة دول المنطقة ناقصة، وحينها تكون الدول العظمى وعلى رأسها الولايات المتحدة قد حققت أهدافها الحقيقية من غزو العراق كمرحلة أولية يعقبها مراحل أخرى ولكنها أكثر سهولة وأقل تكلفة! بقلم: نجيب عبدالله الشامسي