الاحد 18 صفر 1424 هـ الموافق 20 ابريل 2003 نحن جميعا نريد أن نضع ثقتنا باقتصادات النصر، والقائلة بأن النصر العسكري سوف يطلق شرارة الانتعاش الاقتصادي وقد تبدو هذه النظرية معقولة ظاهريا بالفعل، إن الحرب ألحقت الأذى بالاقتصاد، ولذلك فمع انحسار مد القتال، سوف تعود الثقة، وتتراجع الشكوك. أسعار النفط تنخفض والمستهلكون يعودون إلى مجمعات التسوق. الشركات تستأنف خطط التوظيف والاستثمار. قد يحدث هذا. لكن، للأسف ان فرص حدوثه ضئيلة. فالعلاقة بين النصر العسكري والنجاح الاقتصادي، هي علاقة قوية عاطفيا، لكنها ضعيفة عقلانيا. الأسبوع الماضي أصدر صندوق النقد الدولي تنبؤا اقتصاديا جديدا، لا يبشر بخير. فقد تكهن صندوق النقد بأن الاقتصاد الأميركي سوف ينمو بنسبة 2،2% في عام 2003، أي أقل بقليل مما كان عليه في عام 2002، وسيقود إلى معدلات بطالة أعلى (2،6%). أداء الاتحاد الأوروبي واليابان أسوأ من أدائنا، حيث يتوقع للأول أن يحقق نموا اقتصاديا بنسبة 3،1% والثاني 8،0%. غير انه من غير المعروف عن صندوق النقد الدولي اتباع أسلوب الموعظة بالتشاؤم، ولذلك، فقد يظهر فيما بعد ان هذه التكهنات كانت مفرطة في التفاؤل. الخطأ في نظرية «النصر يجلب الخلاص» هو انها تقلل جدا من شأن مشاكل الاقتصاد ما قبل الحرب. وفيما يلي قائمة فرعية بتلك المشاكل: تلاشي فقاعة سوق الأسهم (ليس فقط في أميركيا ـ فبحلول 11 ابريل، كانت سوق بورصة لندن قد انخفضت بنسبة 45% عن ذروتها، وسوق فرانكفورت انخفضت بنسبة 66% وسوق طوكيو بنسبة 80%)، وجود طاقة انتاجية فائضة في العديد من الصناعات، وتراكم أعباء ديون ثقيلة على الشركات والمستهلكين. وثمة علاقات تقوي تأثير هذه المشاكل. فالعوائل والشركات المثقلة بالديون تبتعد عن الانفاق قدر الامكان. ونقطة التقاطع بين حذرهم والطاقة الانتاجية الفائضة في مجال الصناعة، تضعف الارباح واسعار الاسهم والتجارة العالمية. وهذا كله (على افتراض حدوثه) يضعف الثقة، وهكذا يخبو توهج النصر. والخلل الكبير الآخر الذي يعتري النظرية يكمن في انها تتجاهل التاريخ. فالحروب تجلب عادة مظاهر الاحباط في أعقابها. ويقول المؤرخ جون مكوسكر من جامعة ترينيتي في سان انطونيو بولاية تكساس ان الفتور الاقتصادي الذي تبع الثورة الاميركية كان من أسوأ فترات الركود التي شهدها البلد. ففي ذلك الحين كانت التجارة مع بريطانيا قد ذبلت، وعانت أميركا من عجز في العملة الصعبة (أي القطع النقدية الفضية والذهبية) ولم يكن باستطاعة الحكومة التي كانت تعمل بموجب بنود الاتحاد الفيدرالي معالجة مشاكل البلد التجارية. وكانت احدى عواقب ذلك الوضع عقد المؤتمر الدستوري. ويقول مكوسكر «ان الحرب تركت البلد في وضع لم يستطع الناس التعامل معه، ولم يكونوا قد خططوا له». ولم يكن ذلك من قبيل الحظ السيئ، فالحروب تفعل ذلك في أحيان كثيرة. لقد تبع الحرب الأهلية الاميركية انكماش اقتصادي تدريجي، كما ان الحرب العالمية الأولى عززت التضخم الاقتصادي الذي أفضى إلى فترة ركود عويصة (19201921). وحرب فيتنام أيضا ساهمت في التسبب بالتضخم المتنامي في أواخر التسينيات والسبعينيات. ولم يخرج الاقتصاد من لعنة الحرب إلا بعد الحرب العالمية الثانية. في بعض النواحي، لا يمكن مقارنة الحرب العراقية بتلك الحروب الاخرى. فلقد دامت أسابيع لا سنوات. ومجموع عدد القتلى في ساحات الوغى بلغ مئات لا آلاف. (قتل حوالي 600 ألف في الحرب الأهلية و400 ألف في الحرب العالمية الأولى). كما ان التكلفة المباشرة للحرب، وان كانت تقدر بعشرات المليارات، فهي لا تشكل سوى جزء صغير من الدخل القومي (حوالي 11 تريليون دولار) أو الميزانية الفيدرالية (2،2 تريليون دولار). وهذه التكلفة تبدو هامشية إذا ما قورنت بتكلفة الحرب الأهلية التي بلغت ـ مع الاضرار التي لحقت بالممتلكات ـ 115% من الدخل القومي في عام 1860. لكن من الصحيح أيضا ان الخاصية المميزة للحروب هي على الأغلب انها تفصل المستقبل عن الماضي. والحروب، بشهيتها الهائلة للأسلحة والجنود وتأثيرها الكبير على التجارة، تسبب تغيرات دائمة. فالحرب الأهلية أفضت إلى نظام مصرفي جديد، والحرب العالمية الأولى أدت إلى اخفاق قاعدة الذهب في أنظمة النقد. وعلى هذا الصعيد، ربما لا تختلف الحرب العراقية كثيرا عن الحروب السابقة. فهذه الحرب ترمز إلى انهيار الثقة بنظام عالمي مزدهر ومنسجم مع ذاته. بالطبع هناك أسباب أخرى أيضا ـ 11 سبتمبر ـ تساهم في خفض أسواق الأسهم. لكن الحرب كثفت الشكوك حول دوافع اميركا وقوتها. هي أضعفت المؤسسات المتعددة الأطراف (الأمم المتحدة والناتو) التي كان يقوم عليها النظام العالمي القديم إلى درجة معينة. وكل ذلك يتناقض تماما مع الثقة الحماسية بـ «عولمة» التسعينيات. كانت البلدان آخذة بالاندماج تجاريا. وكان من شأن السلام أن يرافق الازدهار. وبدا المستقبل مضمونا. لكن الآن أصبحت الرؤية مشوشة، واضمحلت القناعات حول مستقبل العالم. وبالمقارنة مع السيناريوهات التي كانت محتملة ـ حرب طويلة، حقول نفط مدمرة ـ فإن النصر العسكري السريع يساعد الاقتصاد الأميركي والاقتصادات العالمية الأخرى. لكن بالمقارنة مع السيناريو الذي كان موجودا بالفعل في يوم من الأيام ـ إيمان صادق، وان كان ساذجا، بالعولمة ـ فإن العالم أصبح الآن مكانا أكثر خطورة وخصاما. التجارة والاستثمار الآن يزدادان عالمية. لكن التجارة والاستثمار يحتاجان إلى الثقة. والنصر لم يرمم الثقة الآخذة بالتآكل. والنتيجة ان الشركات تزداد خوفا وجبنا، لانها تدرك حجم المخاطر الجديدة. وهكذا ينحرف المستقبل عن خط الماضي. لكن هذا السيناريو برمته قائم على الاستيحاء ولا يمكن اعتباره حاسما. وهو لا ينفي احتمال حدوث انتعاش اقتصادي قوي. وربما يساعد النجاح في اعادة بناء العراق في تعزيز تأييد القيادة الأميركية، وفي الحد الأدنى، ينبغي للنصر العسكري أن يجلب وثبة اقتصادية، وهو ما لمسناه في التحسن الطفيف في ثقة المستهلكين، حسب آخر الاستطلاعات لكن هناك مؤشرات قوية على ان النصر وحده ليس دواء عاما لجميع الأمراض، وان هناك حاجة لشيء آخر. ومن المثير للقلق ألا أحد يعرف على وجه الدقة ما هو ذلك الشيء.