الاحد 18 صفر 1424 هـ الموافق 20 ابريل 2003 اذا كانت الحرب قد بدأت سياسية - دبلوماسية من خلال دهاليز السياسة العربية - الأميركية والسياسة العربية - الأوروبية، أو الأوروبية - الأميركية، فان الحرب بشأن العراق تحولت بعد ذلك إلى عمليات عسكرية. ومهما اختلفنا حول مبرراتها ودوافعها وكذلك تداعياتها وانعكاساتها، الا ان هذه الحرب بعد سقوط نظام صدام لم تنته بعد حيث سوف تبدأ الحرب الاقتصادية الاستراتيجية، ذلك ان الكعكة العراقية مختلفة كليا عن الكعكة الافغانية، (فالعراقية) غنية جدا بالفيتامينات الاقتصادية التي تعتبر اهم دوافع الغزو الأميركي البريطاني للعراق، واهم اسباب الخلاف والاختلاف بين معسكرات النفوذ الاقتصادي في العالم سواء في أوروبا أو الولايات المتحدة، أو آسيا! ان هذا يستوجب من دول مجلس التعاون ان يكون لها معسكرها الاقتصادي ويجب ان تكون لها قراءاتها الاقتصادية الخاصة لا من حيث العمل على تأمين الاستقرار الاقتصادي، والحد من تأثيرات وانعكاسات الحرب الخليجية الثالثة والتي كادت ان تكون حربا عالمية ثالثة فحسب، وانما بدراسة مشروعية حق هذه الدول في الحصول على نصيب من الكعكة «العراقية»، ومن غلة الحرب التي بدأت مع بداية عقد الثمانينيات أي مع بداية الحرب العراقية - الايرانية، وتعزى احقية دول المجلس بهذا «النصيب» في انها كانت - أي دول المجلس - دوما الطرف المتضرر من كل الازمات التي تعرضت لها منطقة الخليج، ودفعت ثمنا كبيرا وغاليا من استقرارها الامني والاقتصادي والتنموي ودفعت فواتير ضخمة نتيجة تلك الازمات ولندلل على ذلك: أولاً: ان دول مجلس التعاون تعاني ومنذ عقد الثمانينيات من عجوزات في موازناتها المالية وتعرضت شعوب وحكومات هذه الدول لازمات اقتصادية ومالية صعبة دفعت بحكومات هذه الدول إلى الاقتراض الداخلي لتمويل عجزها المالي مما اثر على تكلفة رأس المال والقطاع الخاص وحجم السيولة في اسواقها، فيما لجأت دولة اخرى إلى السحب من رصيدها من موجوداتها أو اصولها الخارجية معرضة عملتها الوطنية للضعف، وثروات الاجيال المستقبلية للتآكل والتراجع في حجمها، أما الدولة التي لجأت إلى الاقتراض من خارج السوق لتمويل ميزانيتها الحكومية التي تعاني من العجز المتزايد فقد اضطرت لذلك وهذا يعني دخول هذه الدول في نفق المديونية الخارجية الامر الذي يعرضها لرهن ممتلكاتها ومواردها الطبيعية ولاسيما النفط للدول والمنظمات والمصارف الدولية، ثم تعريض مستقبل اقتصادها الوطني للهزات والازمات، وربما يؤدي هذا الامر إلى رهن سيادتها وسلطة القرار فيها لتلك الدول والمنظمات والمصارف، وما كان لهذه الدول ان يصل بها الوضع إلى هذه الحال إلا لكونها قد دفعت ثمنا باهظا بسبب حروب وازمات لم تكن قط سببا فيها أو مشجعة لها سواء الحرب العراقية الايرانية والتي استمرت لأكثر من ثماني سنوات، ثم غزو القوات العراقية للكويت في اغسطس 1990، ثم تحرير الكويت في عام 1991، وتلك الازمات والحروب لم يكن حصاد دول مجلس التعاون منها سوى خسائر جمة ولاسيما الاقتصادية والمالية حيث حولتها من دول ذات فائض مالي إلى دول تعاني من العجز والمديونية الداخلية والخارجية! ثانياً: ان الحصار الاقتصادي الذي فرضته الولايات المتحدة باسم الامم المتحدة على العراق والذي استمر لأكثر من ثلاثة عشر عاما قد كان له انعكاسات اقتصادية ومالية سلبية كبيرة على الاوضاع الاقتصادية لدول التعاون ولم يقتصر اثار هذا الحصار على العراق وشعبه وانما على دول التعاون وشعوبها، فقد انعكس هذا الحصار على تزايد العجز في ميزان المدفوعات والميزان التجاري، بسبب تراجع صادراتها النفطية وارتفاع تكاليف الصادرات، ثم ارتفاع الاسعار في الاسواق الخليجية بسبب ارتفاع تكاليف الواردات، ثم وبسبب تراجع الاستقرار في المنطقة فان الاسواق المالية في هذه الدول قد شهدت تدفقات نقدية وسيولة ضخمة إلى اسواق عالمية الامر الذي شكل نزيفا حقيقيا للسيولة المحلية، انعكس وبشكل كبير على مشاريع هذه الدول نحو الخصخصة، ثم تعطيل مشاريع التنمية فيها، وبسبب هذا الحصار المفروض والطويل فقد شهد الميزان التجاري بين دول المجلس والعراق تراجعا حاداً. ثالثاً: ان الازمات العسكرية التي حدثت في المنطقة قد ألقت بظلال قاتمة على الواقع الاقتصادي بدول المجلس فبالاضافة إلى كونها سببا مباشرا لتعطل مشاريع التنمية ومشاريع الخصخصة ثم تفاقم المشاكل المالية وتراجع الايرادات العامة وبالتالي الانفاق العام، فان المجتمع الاقتصادي في هذه الدول قد شهد ظواهر اقتصادية واجتماعية ومعيشية كالبطالة بين شرائح المجتمع الواحد، ثم تراجع مستويات دخول الافراد وتآكل مدخراتهم الخاصة وتراجع الاستثمار الخاص، وسجلت الاسعار في الاسواق المحلية بهذه الدول ارتفاعا امتص معه المدخرات وفاقم من الاوضاع المعيشية للافراد، ثم تزايدت معدلات الجريمة الاقتصادية من سرقة ورشوة وشيكات مرتجعة ونصب واحتيال. رابعاً: لقد كان من آثار تلك الازمات والحروب العسكرية اهتزاز الاستقرار الاقتصادي والامني في دول المجلس الامر الذي ادى إلى هروب رؤوس اموال واستثمارات وطنية من دول المجلس تقدر بنحو 1.7 تريليون دولار ثم احجام رؤوس الاموال والاستثمارات الاجنبية عن الاستثمار في اقتصادات المنطقة على الرغم من التشريعات والقوانين التي اصدرتها بعض دول المجلس لاستقطاب وتحفيز تلك الاستثمارات. وعلى الرغم من كل الاغراءات والاعفاءات والمزايا التي اعطيت للاستثمار الاجنبي الا ان ظروف الواقع ومعطياته لم تشجع وتحفز الاستثمار الاجنبي وكان هناك احساس سلبي لدى المستثمرين الاجانب. خامسا: لقد كان من تداعيات الازمات العسكرية والتطورات المستجدة بالمنطقة وتراجع الاستقرار الاقتصادي والامني في المنطقة مما انعكس وبشكل واضح على تدهور الاسواق المالية والتجارية حيث شهدت الاسواق المالية تراجعا حادا في اسعار الاسهم فيما تأثرت الشركات الاستثمارية والتجارية بالاوضاع غير المستقرة والتي ادت إلى وجود ركود اقتصادي ولاسيما في قطاع العقار، ثم ادت تلك الاوضاع إلى ضغوط نفسية انعكست وبشكل واضح على سلوكيات المستهلك بدول المنطقة، تراجعت على اثرها معدلات الادخار الشخصي وبالتالي الاستثمار الخاص. سادساً: ان منطقة الخليج واقتصاداتها بسبب تلك الازمات واثر الحرب الثالثة معرضة لازمات اقتصادية وتنموية اخرى قد لا تحتمل حدوثها خاصة في ظل هشاشة قاعدتها الانتاجية وتخلف هياكلها الانتاجية، وقد اكد على ذلك تقرير حديث للبنك الدولي حول «تمويل التنمية العالمية 2003» حينما اشار إلى ان الحرب ضد العراق تشكل صدمة جديدة تواجه اقتصادات المنطقة «الشرق الاوسط وشمال افريقيا». في ضوء تلك المعطيات فان اقتصادات مجلس التعاون تعرضت للعديد من الازمات الاقتصادية بفعل التطورات العسكرية والحروب وتأثرت اقتصاداتها وشعوبها وحكوماتها وبالتالي ومن منطلق هذا فان من حق هذه الدول ان يكون لها نصيب من غنائم حرب الخليج الثالثة «غزو العراق» بأن تقوم شركات وطنية من هذه الدول بالتقدم للحصول على عقود صيانة ومشاريع الاعمار في العراق واتاحة الفرصة امام الشركات الاستثمارية الوطنية للاستثمار في مشاريع البنية التحتية والحيوية والاستهلاكية في العراق، ثم تفعيل موانيء دول المجلس لتصدير سلع وبضائع ولاسيما المواد الغذائية والانشائية إلى اسواق العراق مع اعطاء الافضلية للشركات الخليجية وللسلع والمواد ذات المنشأ الخليجي لاسيما وان تكلفة نقل تلك المواد سوف تكون اقل ثم ان معظم المواد الاولية الداخلة في اعمار العراق متوفرة في دول المجلس، وان شركاتنا الوطنية قادرة على الدخول في مناقصات ومشاريع لتأهيل واعمار العراق. من ناحية اخرى فان موانيء دول المجلس قادرة على استيعاب السفن الكبيرة لنقل متطلبات اعمار العراق، وهنا يجب ان تطالب دول التعاون بالدخول في المنافسة للحصول على حصتها من المشاريع لتعويض خسائرها الكبيرة التي تكبدتها خلال العقدين الماضيين، واذا كان العراق سوف يضطر لزيادة حصته الانتاجية من النفط لدفع تكاليف اعادة اعماره، وربما يتجاوز حجم الانتاج الثلاثة ملايين برميل يوميا فان دول مجلس التعاون سوف تضطر لتخفيض حجم انتاجها ولاسيما السعودية، وربما يؤدي هذا الخلاف في حصص الانتاج بين دول الاوبك والعراق إلى خروج العراق من المنظمة، واذا ما استمرت دول المجلس في انتاج نفس حصصها، واذا ما تجاوز العراق حجم الانتاج المقرر له، فان السوق النفطية سوف تشهد اغراقا يترتب عليه انخفاض في السعر ليصل إلى 18 دولارا للبرميل الامر الذي يعني اضرارا جسيمة لاقتصادات دول المجلس وبالتالي تزايد تفاقم العجز في موازنات هذه الدول، ولعل في هذه الظروف ان تعمل دول المجلس على الاستفادة من هذا الدرس بتنويع القاعدة الانتاجية لاقتصاداتها وعدم الاعتماد على النفط، لتستطيع هذه الدول تجاوز آثار الصدمات السابقة وتملك قدرة على امتصاص اية صدمات اقتصادية في المستقبل، في ظل احتدام الصراعات وتفاقم الازمات الاقتصادية في الساحة العالمية، وفي ظل اعادة ترسيم الخريطة الاقتصادية والاستراتيجية في العالم.