الاحد 11 صفر 1424 هـ الموافق 13 ابريل 2003 يعيش المجتمع الدولي في مطلع القرن الحالي منعطفا تاريخيا وذلك بتواجد مجموعة كبيرة من التغيرات التي تراكمت فعالياتها وتأثيراتها على المستوى الدولي والقطري لتحدث تحولا في المسار التاريخي للنظام العالمي حيث يمكننا الحديث عن صفحة جديدة تتسم بتركيبة جديدة للعلاقات الدولية وتتميز بنزعة نحو العالمية والشمولية بعد أن أصبحت استمرارية الحياة البشرية مهددة ومن ثم أصبح موضوع البيئة محل اهتمام كبير. وبدون الدخول في تفاصيل كثيرة ومتعددة معروفة للغالبية من الناس والمهتمين، فمن المعروف بأن التشخيص العلمي للتدهور البيئي قد أدى إلى جدل فكري حول الأسباب الجوهرية الكامنة وراء هذا التدهور الخطير والذي يربط بين الانتهاكات البيئية ونمط مسيرة التنمية العالمية حيث ان أي نمط معين من الاستغلال للموارد الطبيعية يتسبب في الرفاهية أو بالمقابل بالفقر أو بالحالتين معا تؤدي إلى تدهور الوضع البيئي. فمن المعلوم ان الرفاهية والرخاء يؤديان إلى التبذير والإسراف في الاستغلال المتواصل للموارد الطبيعية من ناحية، وبالمقابل فإن حالة الفقر مع تلازمها مع المعدلات العالية في النمو السكاني أيضا ستؤدي إلى استغلال متواصل ومفرط للموارد الطبيعية والتي أصلا تكون محدودة وفي أحيان كثيرة غير قابلة للتجديد. ما تقدم أعلاه يجعلنا نخوض في اتجاه جديد في مجال التنمية وفي الحقيقة له تأثير مباشر على تخطيط وإدارة التنمية، و قد نتساءل بماذا يتمثل مثل هذا الاتجاه؟ للبحث عن هذه الإجابة يجب أن نعرف أولا بأن أي نظام اقتصادي ينتمي إلى نظام بيئي هو النظام الكلي في هذا الكون وأن العلاقة فيما بينهما تتمثل في أن العمل الاقتصادي يهدف دوما إلى التقليص من عدم مواءمة البيئة مع حاجيات الإنسان حيث انه يتمثل في عمل اقتصادي تحويلي لعناصر البيئة المتمثلة بالموارد الطبيعية إلى إشباع الحاجات الإنسانية وإن إجمالي هذه العملية يتمثل في استنزاف الموارد الطبيعية على حساب المخزون الطبيعي وإعادة البقايا أو المخلفات إلى البيئة نفسها والتي تؤدي إلى التلوث العام للحياة. فالبيئة أو النظام البيئي في الحقيقة يمثل مصدر الموارد الطبيعية وهو في نفس الوقت المخزن أو الوعاء الذي يستوعب هذه المخلفات والنفايات. ولكن النظام البيئي يخضع إلى شروط وآليات لا تتفق بالضرورة مع النظام الاقتصادي ولا يبرز التناقض الحاد إذا بقي الفارق مقبولا، ولكن في الغالب يبقى هذا التنافر والتناقض حادا حيث أصبح لعملية الاستنزاف والارتداد أثر سلبي تراكمي يهدد الاستقرار واستمرارية النظام البيئي وبالتالي للنظام الاقتصادي. إن الجانب الأساسي في الفارق بين النظامين البيئي والاقتصادي يتمثل في البعد الزمني حيث ان البعد الزمني للتغيير البيئي طويل جدا مقارنة بمشكلة الخصم بين الحاضر والمستقبل، حيث ان عملية الخصم تنقص من قيمة المستقبل أو تغير المستقبل بشكل نهائي لأنها لا تنحصر بقيم نقدية بل في إمكانية الاستمرارية والتجديد بالنسبة لتواجد النشاط الاقتصادي ومن هنا بدأت الدول المختلفة تنادي بالتنمية المستديمة. إن أول اعتبار في مفهوم التنمية المستديمة في الحقيقة يرتكز في محاولة الموازنة بين كل من النظام البيئي والنظام الاقتصادي بحيث تكون التنمية المستديمة هي في أقل قدر من استنزاف للموارد الطبيعية حتى نتحاشى الإتلاف وكذلك بالحد الأدنى من تأثير الاسترداد من التلوث الناتج عن المخلفات والفضلات بكافة أنواعها. أما الاعتبار الثاني فيرتكز على عنصر الزمن أي إطالة الأفق الزمني في دائرة العمل الاقتصادي، لأنه كما هو معروف فإن الدورات البيئية طويلة جدا بالمقارنة مع العمل الاقتصادي وبالتالي فإن مفهوم التنمية المستديمة يقتضي مراعاة الأمد البيئي وترشيد العمل الاقتصادي بحيث تتحقق شروط الاستمرار أو الاستدامة بالنسبة للنظام البيئي وبالتالي للنظام الاقتصادي ودون الإخلال بالتوازن من أجل مصلحة الأجيال القادمة. لذلك يجب أن نفهم بأن التنمية المستديمة هي التي تحقق بشكل عادل الاحتياجات الاقتصادية والبيئية للأجيال الحالية والمقبلة، أي هي التي تلبي متطلبات الأجيال الحالية بدون أن يكون ذلك على حساب الأجيال القادمة. وبهذا المفهوم وبغض النظر عن الاختلاف في التيارات الفكرية، فإن التنمية المستديمة هي التي تمكن من المحافظة على المخزون من رأس المال الاصطناعي والطبيعي لتحقيق رفاهية متنامية ويشترط في هذا المفهوم المحافظة والصيانة والحماية للموارد البيئية بما فيها العناصر ذات الوظائف الحياتية الأساسية والموارد المتجددة وغير المتجددة. وعلى هذا الأساس وبشكل عام فإن مفهوم التنمية المستديمة يدور في محورين مترادفين في نفس الوقت وهما: ـ الملاءمة بيئيا مع مقتضيات التوازنات الاقتصادية والبيئية. ـ التواصل الذي يؤمن ديمومة هذه التوازنات. إن هذا المفهوم للتنمية المستديمة لم يعد مجرد مفهوم وفلسفة نظرية وإنما أصبح يمثل مفهوما أخذ يتردد في العديد من المؤتمرات الإقليمية والدولية حيث تنبهت العديد من الدول في العالم سواء النامية أو المتقدمة إلى الأخطار الناتجة عن عملية التنمية في التأثير على البيئة. إضافة إلى أن النظام الدولي هو الذي ساهم أكثر من غيره في بلورة هذا المفهوم عمليا وإدماجه ضمن الاعتبارات والمشاكل الرسمية في البلدان النامية حيث ان هذا المفهوم أصبح يحظى باهتمام واضح على الأقل في الخطاب الرسمي. وبشكل عام يمكن القول بأن المناخ السياسي الدولي أصبح ملزما بالنسبة للتوجهات المستقبلية في مجال التنمية حيث تلتقي هذه التوجهات حول اعتبارات رئيسية من أهمها: ـ في الأساس تبني مفهوم التنمية المستديمة. ـ التركيز على المنهج الذي يجسد تنمية بيئية اقتصادية بحيث يتم دمج الاعتبارات البيئية في عملية التخطيط. ـ ضرورة تقييم الأثر البيئي وإدماج تكاليف المردودات البيئية في تقييم عناصر تكلفة الإنتاج ودراسات الجدوى في المشروعات الاقتصادية. والسؤال العام الذي يستوجب طرحه هنا إلى أي مدى يمكن للاقتصاد الذي يعتمد أساسا على آليات السوق من التكيف مع الضغوطات البيئية حتى يأخذ بالاعتبار القيمة البيئية وهي قيمة نوعية ليس لها في العديد من الحالات مقابل نقدي ؟ إن ذلك يفتح المجال لجدل واسع في حالة الإقرار بأن من الأسباب المهمة لتدهور البيئة هو الخلل الوظيفي لآليات السوق المتمثل بالمؤشرات النقدية التي لا تأخذ بنظر الإعتبار جزءا أو كلا من القيمة البيئية. إن إزالة هذا الخلل الوظيفي قد يؤدي إلى التوصل إلى مؤشرات نقدية تساعد في اختيارات اقتصادية تراعي القيمة البيئية وبالتالي إلى خطة تنموية بيئية مندمجة تجسد مفهوم التنمية المستديمة.إن عملية استنزاف الموارد الطبيعية في الحقيقة تؤدي إلى تدهور مخزون رأس المال الطبيعي حيث يجب الأخذ بنظر الإعتبار ما يلي: ـ التكلفة الاقتصادية لهذا النقص في المخزون الطبيعي. ـ في حالة وقوع خلل كبير في الوظائف البيئية يجعل النظام البيئي عديم القدرة على تحقيق شروط الاستمرارية. فبالنسبة للإعتبار الأول فإن المنطق وآليات الحساب الاقتصادي تمكن من تغطية التكلفة على أساس أن من يتحمل التكلفة هو من يكون مسئولا عن تدهور الموارد وبالتالي النقص في المخزون الطبيعي. أما بالنسبة للإعتبار الثاني فلابد من وجود نظام محاسبي بيئي اقتصادي خاص. من هنا جاءت فكرة نظام يحدد علاقات الترابط بين البيئة الطبيعية والاقتصاد لما للعوامل البيئية من تأثير واضح وملموس على السلوك والأداء الاقتصادي والذي استوجب تطوير مفاهيم وأساليب للمحاسبة البيئية والاقتصادية المتكاملة. وعلى هذا الأساس جاء نظام الحسابات الاقتصادية القومية الصادر عن الأمم المتحدة سنة 1993 فرصة للربط بين أسس للمحاسبة البيئية والمحاسبة الاقتصادية القومية في صورة نظام متكامل. إن اعتبار نظام الحسابات الاقتصادية القومية نقطة إنطلاق لنظام المحاسبة البيئية والاقتصادية المتكاملة يفتح المجال أمام إدراج عناصر أيكولوجية في التفكير الاقتصادي وفي صنع القرارات ومن ثم فإن هدف النظام يتحدد بإنشاء قاعدة بيانات لسياسات التنمية المستدامة التي تدمج قضايا البيئة في سياسات تخطيط وإدارة التنمية وتكامل القرار الاقتصادي البيئي واستخدام أسلوب الحسابات في المجال البيئي. إن ذلك يتطلب وجود حلقات وصل بين نظام المحاسبة البيئية والاقتصادية المتكاملة ونظام الحسابات الاقتصادية القومية التقليدية وعلى قدر كبير من المرونة لتوضيح الترابط بين البيئة والاقتصاد ومن ثم تحليل أثر الإستخدام الاقتصادي المباشر وغير المباشر للبيئة على الأنشطة الاقتصادية. وبشكل عام ومن أجل ضمان تنمية مستديمة فإن على الأجهزة المسئولة عن تخطيط وإدارة التنمية أن تضمن أداء فعالا للبيئة حتى تحقق وظائفها الأساسية ومنها الوظيفة الحياتية، تزويد المجتمع الاقتصادي بالموارد الطبيعية ومصادر الطاقة ووظيفة استيعابها للمخلفات ونفايات الأنشطة الاقتصادية والإجتماعية وذلك من خلال الوسائل التي يمكن بها إدماج العامل البيئي في التخطيط وهي: ـ أن يتم التخطيط للتنمية دون الإضرار برأس المال الطبيعي. ـ أن تتضمن خطط التنمية قيما للمنافع والتكاليف البيئية كمرشد ودليل لصانعي القرارات بحيث تتضمن الخطة بعض المؤشرات الضرورية حول ما يمكن أن تقدمه الخطة على المستوى البيئي من منافع مثل تخفيف الضغط على الموارد الطبيعية. ـ توطين التكاليف البيئية للمشاريع المخططة في خطط التنمية حيث أن تنفيذ المشاريع غالبا ما يصاحبه أضرار سوف يتحملها المجتمع رغم أن المستفيد من هذا المشروع قد لا يكون المجتمع بأكمله وإنما فئة من المجتمع. ـ يجب أن نضمن في الخطة إمكانية إستعادة رأس المال الطبيعي في نهاية المشروع قيد التنفيذ. ـ دمج تكاليف البيئة ضمن تكاليف خطط التنمية. ـ تقييم الأثر البيئي لمشاريع التنمية قبل وضع الخطط أو المباشرة بتنفيذها وهي ما يطلق عليها العملية الوقائية التي تجنب الأخطاء الفادحة في التخطيط للتنمية. وقد بدأت الدول العربية في الحقيقة في فهم واقع التنمية والتأثير المتبادل على البيئة وأصبح ذلك ضمن أولويات العمل التنموي في العديد من الدول العربية حيث صدر البيان العربي عن البيئة والتنمية وآفاق المستقبل الصادر عن المؤتمر العربي الوزاري عن البيئة والتنمية في سبتمبر 1991 والذي أقر المبادئ التالية: ـ دمج الإعتبارات البيئية في عمليات التخطيط والسياسات الاقتصادية. ـ وضع سياسات لإستخدام الموارد تقوم على المبدأ الوقائي. ـ تقييم التأثير البيئي لمشاريع التنمية وإعتباره جزءا لا يتجزأ من دراسة الجدوى الاقتصادية. ـ دمج تكاليف المردودات البيئية في عناصر تكلفة الإنتاج ودراسة الجدوى للمشروعات الإنمائية. ـ وضع خطة عربية للرصد البيئي. إن ذلك لن يكون كافيا لضمان تنمية مستديمة ما لم يترافق مع مجموعة من العوامل يمكن تحديدها على النحو التالي: ـ التشريعات البيئية وهي التي تمثل الجانب القانوني. ـ توفير المؤسسات اللازمة لغاية عملية التخطيط. ـ وجود الكادر الفني القادر على القيام بهذه العمليات مع توفير قواعد المعلومات الخاصة بالتنمية المستديمة أي الجانب الفني والإداري. ـ الدعم الشعبي والمتمثل بالمشاركة في التخطيط للتنمية المستديمة. ـ مرونة التخطيط حتى يمكن الإحتياط لبعض العوامل التي لم تأخذ بعين الإعتبار عند وضع الخطة. بقلم: د. وسام جميل الامارة