الاحد 11 صفر 1424 هـ الموافق 13 ابريل 2003 نحن الأميركيين نعشق بيوتنا. وكلما ازداد ثراؤنا كلما اتسعت منازلنا. ومنذ عام 1987، ازداد متوسط حجم البيوت الجديدة بنسبة 22%، وبالطبع فاننا نحشوها بكميات متزايدة من الامتعة والتجهيزات. وحتى غرفة الغسيل، ينبغي ان تحتوي الآن، حسب توصيات خبراء تأثيث المنازل، على أريكة وتلفزيون ومشغل أقراص فيديو. والنقطة الايجابية في ازدهار قطاع الاسكان هو انه رسخ اقتصادا كان يمكن ان يكون متزعزعا بدونه، ولذلك فان المؤشرات على ان هذا القطاع ربما يكون في طريقه للتداعي تثير مخاوف كبيرة. التوقيت كئيب. كل المؤشرات في الشهر الماضي توحي بأن الاقتصاد في طريقه الى انهيار سريع: انفاق المستهلكين (الذي يشكل ثلثي الاقتصاد) انخفض في يناير وفبراير، بعد ضبط الامور انسجاما مع التضخم المالي. في شهر مارس انخفض عدد الوظائف بواقع 108 آلاف وظيفة (ليبلغ اجمالي الوظائف المفقودة منذ أوائل 2001، 1،2 مليون). وأظهرت مسوحات معهد ادارة التوريد ان القطاعات المصنعة وغير المصنعة آخذة بالانكماش. إنها صورة متجهمة.ولقد قلل المتنبئون الاقتصاديون من شأن هذه الانتكاسات بعزوها الى الحرب في العراق. ويقول خبير الاقتصاد ديفيد ويس من مؤسسة «ستاندرد اند بورز»: ان كل ما في الامر هو ان الشركات لا ترغب بالاستثمار حتى تعرف ما ستئوول إليه الامور. وتقول هذه النظرية انه حالما يتوقف القتال، سترفع الشركات من حجم استثمارها وتشغيلها للعاملين، وسيبدأ المستهلكون بالسفر والتنقل والانفاق بثقة أكبر. قد يحدث هذا، وفقا للتنبؤ «الاجماعي» الذي يتم تبنيه على نطاق واسع. ومن الواضح ان آلان غرينسبان رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي يؤيد هذا التخمين. لكن قد يكون هذا التكهن مفرطا في المبالغة كما كانت العديد من التكهنات من قبله. واذا كان الامر كذلك، قد يكون قطاع الاسكان حلقة ضعيفة. نتج الازدهار في قطاع الاسكان عن انخفاض معدلات الفائدة وارتفاع اسعار البيوت. واصبح الاسكان بصورة عامة أقل تكلفة لان معدلات الفائدة المتدنية وازنت اسعار البيوت المرتفعة. وهكذا عمد مالكو البيوت الى البيع أو «المقايضة». وأولئك الذين لم يبيعوا عمدوا الى اعادة تمويل رهوناتهم العقارية بمعدلات فائدة أقل. مما أدى الى خفض أقساطهم الشهرية أو حصولهم على مبالغ نقدية كبيرة فورية. كل ذلك شكل صدمتين اقتصاديتين. أولا، فورة في الاعمار وشراء المنازل. في عام 2002 بل اجمالي صفقات البيوت الجديدة 1.7 مليون، أي بارتفاع بنسبة 7% عن عام 2001، في حين بلغ اجمالي مبيعات البيوت الموجودة عتبة قياسية هي 5.7 ملايين، أي بزيادة بنسبة 6% عن عام 2001. وفي أغلب الاحيان يحتاج الناس الذين يغيرون مساكنهم (أو يريدون) متاعا وأثاثا وسجادا جديدا. ولذلك فقد تولدت فرص عمل جديدة في ميدان عمال البناء الى سماسرة الرهونات العقارية. ثانيا، التسوق العادي. ينفق الناس بعض المبالغ الاضافية التي حصلوا عليها (من اعادة التمويل) في مراكز التسوق. وهذه مبالغ لا يستهان بها. ففي عام 2002، بلغ اجمالي عمليات اعادة تمويل الرهونات العقارية 5،1 تريليون دولار واجمالي الرهونات العقارية الجديدة 5،2 تريليون دولار (والفارق ذهب لشراء البيوت)، كما يقول الخبير الاقتصادي فرانك نوثافت من مؤسسة «فريدي ماك» للرهونات العقارية. ويعترف نوثافت بأن المستهلكين أخذوا 90 مليار دولار نقدا، بالمقارنة مع 80 مليارا في عام 2001. وستكون كارثة، إذا تبين ان فورة الاسكان مجرد «فقاعة»، كما كانت فورة البورصة. وفي خطاب ألقاه مؤخرا رفض غرينسبان هذه المقارنة باعتبارها «ممطوطة جدا». ويتفق معه في ذلك معظم الاقتصاديين. فالناس لا يشترون ويبيعون المنازل مثل الاسهم. فالامر مكلف جدا وغير ملائم. ثم ان اسعار البيوت لم ترتفع بنفس سرعة ارتفاع اسعار الاسهم. لكن مخاوف لا تكمن في حدوث انهيار تام مفاجئ بل في حدوث هبوط تدريجي. فالدعامتان الاساسيتان وراء الفورة ـ انخفاض معدلات الفائدة وارتفاع اسعار البيوت ـ كلاهما تبدوان متذبذبتين. ففي عام 2000 وصلت معدلات الفائدة على الرهونات العقارية الى حدود 1،8%، وفي الاشهر الاخيرة انخفضت الى ما دون 6% لكن انخفاضها أكثر من ذلك ربما يرمز الى ضعف الاقتصاد. وبالنسبة لقيمة البيوت، فيبدو ان اسعارها الحالية تفوق قيمتها الفعلية بنسبة 15% بالمقاييس التاريخية، حسب تقديرات خبير الاقتصاد كاري ليهي من البنك الألماني. وهو يشك في ان الاسعار ستنخفض اكثر من ذلك، لكنه يعتقد انها لن ترتفع كثيرا في السنوات الثلاث أو الاربع المقبلة. اذن هذه هي مقومات الازدهار في قطاع الاسكان. وفورة اعادة تمويل الرهونات العقارية قد تتلاشى رغم كونها قوية الآن في ضوء انخفاض معدلات الفائدة وارتفاع اسعار البيوت. وربما يؤدي استقرار الاسعار ايضا الى ابطاء وتيرة شراء المساكن، لان الناس لن يخشوا ان تفوتهم الفرصة. ان التباطؤ المتواضع في فورة الاسكان لن يلحق ضررا بالاقتصاد، فانه قد يكون مدمرا إذا ترافق مع هبوط أوسع نطاقا في انفاق المستهلكين. ومن هنا فان اقتصاد ما بعد العراق قد يكون مخيبا للآمال. إن ارتفاع قيمة المساكن وفر الثقة والسيولة النقدية لاقتصاد كئيب من نواح أخرى. وبالتالي فان ضياع احدى أو كلتا الميزتين قد يجعل المستهلكين أكثر حذرا، وقد يثبت بذلك صحة النبوءات الاقتصادية المتشائمة. بقلم: روبرت صامويلسون