الاحد 11 صفر 1424 هـ الموافق 13 ابريل 2003 ظلت وسائل الاعلام المختلفة أجنبية كانت أم عربية تطالعنا على مدار اليوم وخلال أكثر من ثلاثة أسابيع لعمليات عسكرية غاشمة لغزو أميركي بريطاني، وإذا كانت هذه العمليات قد حصدت الإنسان والحيوان والبناء والزرع، وإذا كنا نحن العرب والمسلمين لم نعد نملك شيئا نفعله من أجل شعب العراق وحضارته العريقة باستثناء المظاهرات والمسيرات، فإن رغم كل هذا هناك مشاهد أخرى تنقلها لنا وسائل الاعلام تلك تجعلنا نصاب بصدمة عنيفة وتلك المشاهد تتعلق بحال الإنسان العراقي والمدن العراقية في ظل دولة تملك الكثير من الموارد الطبيعية والثروات المالية وفي ظل تاريخ حضاري عريق وثقافات متميزة، وفي ظل وجود شعب متميز بأصالته وانتمائه الشديد وعشقه اللامحدود لوطنه وأرضه وتاريخه!! وإذا كان العراق حسبما ورد في تقارير عربية وأجنبية يمتلك من الثروات هذه ومنها النفط حيث تقدر احتياطياته المثبتة بنحو 112 مليار برميل من النفط، ثم هناك 220 مليار برميل هي احتياطيات محتملة وربما هناك احتياطيات أكبر من كل تلك الأرقام وذلك لان هناك مناطق وأراضي شاسعة لم تخضع بعد لمسوحات حقيقية لاكتشاف النفط، وإذا كان العراق يملك احتياطيات غاز طبيعي تقدر بنحو 110 تريليونات قدم مكعب فضلا عن 150 تريليون قدم مكعب كاحتياطي محتمل، فأين تلك الثروة؟! وأين عوائدها عبر عقود طويلة منذ اكتشاف النفط في العراق في القرن التاسع عشر وتحديدا في عام 1914؟! وإذا كان العراق يمتلك مساحات زراعية شاسعة، ومياها عذبة لتغذية المساحات الزراعية تلك فلماذا يعاني الشعب العراقي من المجاعة ونقص الغذاء؟! وإذا كان العراق يملك امكانيات سياحية ومزارات دينية وعوامل جذب سياحية كبيرة فأين موقع العراق على الخريطة السياحية العالمية، ولماذا يعيش أو عاش حالة العزلة؟! وإذا كان العراق يملك رصيدا حضاريا وثقافيا يعترف به العالم ويشكل ذلك الرصيد رافدا لثقافة العالم وللحضارة الإنسانية فلماذا يحدث كل هذا للعراق؟! وإذا كان العراق يملك ثروة بشرية وعقولا متميزة وعبقرية، فلماذا تهجر تلك العقول وطنها وتستوطن بعيدا عن موقعها الطبيعي وأصحاب تلك العقول شديدة الانتماء لهذا الوطن؟! نؤكد هنا ان العراق يملك من مقومات الدولة العصرية ومن عوامل التقدم والازدهار والتنمية والحضور الدولي ما لا تملكه أي دولة عربية أخرى، إلا ان صورة العراق تثير الكثير من الحزن والأسى، وواقع العراقيين بالداخل الذين يعانون الأمرين من فقر وظلم، ثم وضع العراقيين بالخارج الذين يعانون حالة التشتت والغربة والمعاناة الحقيقية، إنما كل هذا يثير الكثير من التساؤلات، ثم صور مدن العراق وخاصة الكبرى، ثم قراه تؤكد ان هناك حقيقة مرة يكابدها الإنسان العراقي ومدن العراق، وكأن تلك المشاهد التي تنقلها لنا وسائل الاعلام المختلفة مأخوذة من دولة في أدغال افريقيا، أو في محيط الفقر بأميركا اللاتينية!! إنها مأساة عاشها ويعيشها هذا الشعب الأصيل والأبي!! تلك الظروف والمآسي وتلك البيئة التي صنعها النظام السياسي وعبر عقود من الزمن كانت عوامل أساسية في ضعف البناء الداخلي للمجتمع العراقي، فكان الفقر والتخلف وتردي الأوضاع المعيشية والاقتصادية والاجتماعية، وكان غياب العدالة الاجتماعية والتنمية البشرية والافتقاد إلى رؤية علمية لطبيعة التحولات والمتغيرات الداخلية منها والاقليمية والدولية من أهم أسباب ضعف البنية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، فكان الصراع الداخلي الذي أضعف من كيان هذه الدولة العريقة وأمام هذه التباينات والمفارقات والصراعات كان لابد أن يصبح النسيج الداخلي للعراق هشا وضعيفا ليحتدم الصراع وليستغل المناوئون والحاقدون هذه الفرصة فكان الانفجار الذي حدث والذي سوف تكون له آثار وخيمة على الإنسان العراقي خاصة والعربي، وعلى المجتمع العراقي بمكوناته والمجتمع العربي عامة. من تلك المعطيات ومن واقع الأحداث الأخيرة سواء في العراق أو فلسطين يتأكد لنا ان العرب ما زالوا يفتقرون إلى الدقة في قراءة تاريخهم المثخن بالهزائم والانتكاسات، ويبدو ان قراءتهم للأحداث والمتغيرات ولا سيما الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية كانت قراءة خاطئة كما ان رؤية العرب للتطورات المستجدة وحتى المستقبلية دوما ما تتسم بالضبابية الشديدة، ودائما ما تعاني تلك الرؤية من التشتت وغياب التركيز وبالتالي من الطبيعي أن يحدث الخطأ. ومازال الفكر الاقتصادي العربي يعاني من محدودية الفهم الدقيق والمعرفة الصحيحة والقراءة العلمية للخريطة الاقتصادية العالمية التي يعاد رسمها من قبل الآخرين، ومازالت البيئة الاقتصادية تحمل بذور تخلف المجتمع العربي، ومازال المناخ الاقتصادي ثم السياسي مشحونا بالمزايدات والتنظيرات والفلسفات، وفي ظل هذه الوضعية يمارس النظام العربي طغيانه وابتزازه للإنسان والمجتمع ويعظم من مكتسباته وثرواته ويصدرها إلى مصارف أجنبية يؤمن من خلالها مستقبله بعد أن تنشف الأرض ويجف المجتمع الاقتصادي من موارده!! وفيما الاعلام يطبل ويسوق شعارات العدالة والمساواة والحرية التي يعلن عنها النظام السياسي العربي ضمن برامجه ومشاريعه التي يعد بتحقيقها في المستقبل فإن الانسان العربي يعاني الفقر والبطالة وغياب حقوقه الدستورية وينشد الطعام والأمان والازدهار ولكن لا يحصل حتى على الحد الأدنى من تلك الحقوق، ويعيش يومه في دوامة البحث عن لقمة عيشه ويجدها في رغيف جاف ويابس وربما يكون مسموما؟! وإذا كانت الشعوب العربية قد حاربت الاستعمار وقدمت أرواحها فداء للوطن طوال سنوات طويلة من المقاومة، وإذا كانت تلك الشعوب قد حاربت الملكيات رغبة في الحرية والعيش الكريم والكرامة فإن كل تلك التضحيات وكل تلك السنوات لم تؤد إلا إلى وجود أنظمة سياسية استأثرت بخبرات العباد والبلاد وحصدت الأخضر واليابس وغاب الأمان فتفشى الظلام، وغاب الرخاء فعشعش الفقر، وغابت التنمية فتفشى التخلف، وغابت العدالة الاجتماعية فعم الفساد والفوضى وانتشرت الجريمة. وشكلت تلك الظروف والسمات بيئة طاردة لرأس المال الوطني وحالت دون وصول رؤوس الأموال الاجنبية، وعاثت الانظمة العسكرية العربية والتي جاءت وليدة ظروف غير طبيعية ولا تمثل قط شعوبها، عاثت فسادا ومارست ارهابها ضد تلك الشعوب باستخدام مختلف الاساليب النفسية والاقتصادية والفكرية والسياسية، فلا حقوق سياسية، ولا ديمقراطية ولا حقوق اقتصادية ومعيشية، وأمعنت تلك الأنظمة في تجويع شعوبها تارة، وتخويفها تارة أخرى لاحكام سيطرتها وتحقيق المزيد من المآرب الذاتية، وتمثلت في تفريغ المناهج التعليمية خشية الوعي وبالتالي المطالبة بالحقوق من قبل شعوبها، وغابت القوانين والتشريعات أو غيبت فكان من الطبيعي وفي ظل هذه المعطيات أن يعم الفساد بمختلف أشكاله المالي والإداري والأخلاقي والسياسي، فإذا ما فرضت ضريبة أو رسوما فإن حصيلتها عادة ما تصب في حسابات أناس معينين هم أولئك الذين يمثلون السلطة الحاكمة، ومن يدور في فلكهم، وإذا ما صدر تشريع أو قانون فإنه لا يخدم سوى مصالح فئة معينة من أصحاب السلطة الحاكمة وبالتالي من الطبيعي أن تتفاقم الأوضاع المعيشية وترتفع معدلات الجريمة الاقتصادية خاصة وتتزايد الاحتكارات في المجتمع الاقتصادي وتعم الفوضى في السوق الاقتصادية والمجتمع الواحد. وفيما يحدث هذا على صعيد المجتمع الاقتصادي فإن هناك افرازات تحدث للمجتمع الأكبر حينما يكبر حجم شريحة الفقراء أو أولئك الذين يعيشون تحت خط الفقر ويسكنون العشش فيما يسكن البعض القليل في القصور والفلل الفخمة، ومن الطبيعي أن تتزايد معدلات البطالة واللاهثون وراء فرصة عمل يحفظون بها كرامتهم وتمنعهم عن السؤال، ومن الطبيعي أن تضيع حقوق الشريحة الكبرى وتتبخر احلامهم وتتفشى الأمراض الاجتماعية وهكذا يحدث التفكك في المجتمع ويحدث التصادم ويدب الخلاف وتتفاقم المشاكل بين الحاكم والمحكوم، وتتباعد الخطوط وتتضارب الأهداف، ويفتقر النسيج الوطني إلى مصادر قوته ويصبح الوطن بيئة خصبة للانتهازيين والمخربين والناقمين والحاقدين من خارج الوطن سواء كانوا دولا أو أفرادا وهنا تستباح الدول وتهان كرامة الشعوب!! واذا كان هذا ما حدث في عراق الحضارة والصمود فإن ظروفا وواقعا كهذا سوف يحدث لدول أخرى في وطننا العربي، ولعل الأنظمة السياسية الرابضة على كرسي الحكم في وطننا العربي تستفيد من درس العراق فهو الدرس الأخير للدول الطامحة للاستقرار والتنمية وإذا لم تستوعب تلك الأنظمة هذا الدرس وتعمل على ترميم أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وتقر بحقوق المواطنة وتعزز شعور الانتماء والولاء والوطنية لدى أبناء الوطن فإن هذه الدول على موعد مع تصدعات وشروخ كبيرة في النسيج الداخلي وانهيارات سريعة للأنظمة السياسية وفي العلاقات الخارجية، وحينها لن ينفع الندم أو البكاء على ضياع الكرسي، أو حتى الوطن، إنها لعبة التاريخ الذي يلعن أولئك الانتهازيين ويلقي بهم في نهاية الأمر إلى مزابله التي تستوعب الكثير والكثير ممن لا يحترمون أنفسهم ولا يحفظون كرامة شعوبهم وأوطانهم. إنه درس من التاريخ فهل يستوعب حكامنا العرب؟! بقلم: نجيب عبدالله الشامسي