الاحد 11 صفر 1424 هـ الموافق 13 ابريل 2003 نظم نادي جمهورية مصر العربية بدبي مساء الخميس الماضي ندوة حول (الجنيه المصري بين التحرير والتعويم) حاضر فيها المحاسب والاقتصادي فاروق محمد الشريك التنفيذي لمؤسسة جرانت نورنتون للمحاسبة والمراجعة ورئيس مجلس ادارة النادي المصري، وقد حضرها اعضاء مجلس ادارة النادي وحشد كبير من ابناء الجالية المصرية والتي يهمها هذا الامر. وقد اوضح المحاضر في بداية الامر سياسات الصرف المختلفة التي تطبقها الدول وقال: من المفهوم والمتفق عليه اقتصادياً أن سياسات الصرف المختلفة التي تطبقها الدول إنما تهدف أساساً إلى علاج الاختلالات الهيكلية في موازين المدفوعات عن طريق الاستخدام الأمثل للموارد المتاحة من النقد الأجنبي، والمساهمة في زيادة حصيلة البلاد من العملات الأجنبية. لا شك أن قضية إدارة أسعار الصرف والنظم المرتبطة بها قد أصبحت من أهم القضايا التي تواجه بلدان العالم المختلفة النامية وغير النامية، المتقدمة والمتخلفة، خاصة مع التطورات التي حدثت في منتصف سبعينيات القرن العشرين، والتغيرات التي حدثت على النظام النقدي وذلك عقب انهيار نظام الصرف الثابت والقابل للتحويل، والذي كان قائماً وفقاً لاتفاقية (بريتون وودز) والدخول في مرحلة التعويم الجماعي للعملات بعد أن تخلت الدول الصناعية الكبرى عن ذلك النظام وفقاً لاتفاقية جامايكا عام 1976، وكان من شأن نظام التعويم الجماعي أن يسمح من الناحية النظرية للدول أن تتجه لعدم فرض قيود لتعزيز سعر الصرف لعملات معينة. ولكن عملياً ظلت الكثير من الحكومات غير مستعدة لإعطاء الحرية الكاملة لتحركات عملاتها، وذلك انطلاقاً من الدور المهم الذي تلعبه أسعار الصرف في اقتصادات الدول، حيث أن مرونة أسعار الصرف تستطيع الحد من آثار الصدمات الخارجية، بمعنى أن الأسعار المحلية يمكن استقرارها عند مواجهة الاقتصاد لحركة الأسعار الأجنبية عن طريق إدخال التعديل الملائم في سعر الصرف. كما اوضح المحاضر فاروق محمد ان قضية سعر صرف الجنيه المصري ليست في التعويم او التخفيض وانما هي بالاساس في ادارة نظام الصرف الاجنبي عموما، حيث قام بسرد تطورات سعر الصرف الاجنبي في مصر منذ عام 1830 حتى نهاية يناير 2003، وهكذا يتضح ان القرار يهدف الى تحرير التعامل بالنقد الاجنبي وليس تعويم الجنيه كما تصوره البعض، وهذا يعني الوصول الى سعر صرف واقعي للجنيه المصري، الامر الذي سوف يؤدي الى عدم سيطرة السماسرة والوسطاء على السوق والتي ادت الى ان يصبح السوق الرسمي تابعا للسوق السوداء وليس العكس. وقال ان السؤال المطروح هنا هو: إذا كان النظام الجديد قد ألغى كافة القيود التي كانت قائمة، وأعطى حرية التعامل وتملك النقد الأجنبي، حيث اصبح التعامل حراً في جميع البنوك وشركات الصرافة، الأمر الذي يزيد من إمكانية الوصول إلى أسعار حقيقية لأسعار الصرف تعكس قوى السوق بالأساس، فهل يستطيع هذا النظام حل المشكلة الأساسية الخاصة بالاستقرار النقدي طويل الأجل لتحقيق أهداف التوازن الاقتصادي؟ وهل يصبح سعر الصرف «أداة تصحيح» في الاقتصاد المصري؟ وقد اشار المحاضر الى ان العوامل التي تؤثر على اوضاع سوق الصرف الاجنبي في مصر مثل السياسة النقدية والائتمان، فائض السيولة النقدية وكيفية امتصاصه، واوضاع ميزان المدفوعات والتي تمثل العلاقة بين الصادرات والواردات. وقال: حتى يمكن ان تأتي سياسة التحرير ثمارها، لابد من استكمالها بعدة اجراءات مهمة وضرورية لانها سوف تساعد على تعزيز الاقتصاد القومي ككل ان الاصلاح الاقتصادي ينبغي ان يكوم حزمة متكاملة، وتتخلص تلك السياسات في تطوير قدرة الجهاز المصرفي على جذب موارد النقد الاجنبي، سعر الفائدة، معالجة التشوهات في التعريفة الجمركية، الاصلاح الضرائبي، بالاضافة الى اصدار قانون العمل الموحد الجديد وتعزيز دور البنك المركز في القيام بعمليات السوق المفتوحة ناهيك عن ذلك استقلالية البنك المركزي والاسراع في برنامج الخصخصة والذي اعتبر من انجح التجارب في سنواته الاولى. واشار الى ان هناك العديد من العوامل الاخرى لا بد مراعاتها للحد من الطلب على العملات الاجنبية مثل تثبيت سعر الدولار الجمركي لفترة من الزمن، والتأكيد على ضرورة قيام قطاع التصدير وقطاع السياحة بتوريد حصيلتها من العملات الاجنبية للبنوك، وحث البنك على اعادة جدولة المديونيات الدولارية القائمة حاليا لمرحلة مناسبة وذلك تخفيفا للضغط على الطلب على العملة الاجنبية، وترشيد الطلب الاستيرادي على السلعة الكمالية عن طريق استخدام الادوات المالية المناسبة، ازالة المعوقات امام العملية التصديرية، ترشيد الانفاق الحكومي بالعملة الاجنبية، ترشيد الطلب على العملة الاجنبية لأغراض الحج والعمرة، منع التعامل بالدولار في أي معاملات داخل البلد كسداد المصاريف المدرسية او دفع رواتب العاملين، بالاضافة الى الحد من المضاربة على العملة، واستخدام الادوات المالية للحد من عملية الدولرة. من العرض السابق، يتضح أن تحرير التعامل بالعملات الأجنبية لن يؤتي ثماره، ولن يؤدي إلى الاستقرار النقدي طويل الأمد، ولن يجعل من استخدام سعر الصرف «كأداة تصحيح» إلا إذا تم اتخاذ حزمة متكاملة من الإجراءات والسياسات لاستكمال برنامج الإصلاح الاقتصادي، وبالتالي لا بد من اتباع سياسات مواءمة لتحقيق زيادة في معدلات النمو الاقتصادي، ورفع الطاقة الاستثمارية، ومعدلات استخدام الطاقة العاطلة، وإصلاح الهياكل التنظيمية والمؤسسية للاقتصاد المصري. وإذا ما تم استكمال حزمة الإجراءات النقدية والمالية السابق الإشارة إليها، فسيكون الاقتصاد المصري قد تغلب على فترة الركود التي امتدت أكثر من أربع سنوات، وسوف يكون المناخ الاقتصادي أكثر جاذبية للاستثمار الأجنبي خصوصاً بعد استبعاد أثر سعر الصرف بعد تحريره كأحد المخاطر الاستثمارية التي كانت تؤثر على القرار الاستثماري. ولا شك أن الفترة المقبلة، بعد انتهاء حرب العراق، وتلافي تأثيراتها السلبية على الاقتصاد المصري سوف تشهد تدفقات نقدية بالعملة الأجنبية من مصادر جديدة، سوف يترتب عليها استقرار سوق الصرف الأجنبي، ومعالجة الكثير من الاختلالات الهيكلية السابق الإشارة إليها، وهذه المصادر هي: مبيعات الغاز الطبيعي، والذي يقدر احتياطياته بكميات هائلة، والذي سوف يتم تصديره في القريب العاجل، المبالغ التي قررتها الدول المانحة في مؤتمر شرم الشيخ، والبالغ قيمتها 10 مليارات دولار تسدد على فترات طويلة الأجل، بفائدة لا تتجاوز 2.5% سنوياً. وقد كان أحد الشروط المهمة للدول المانحة هو تحرير سوق الصرف الأجنبي، والبدء في الإصلاحات الهيكلية للنظام الاقتصادي المصري، وكلا الشرطين قد بدء في تنفيذهما. وكنتيجة فورية لتحرير سعر الصرف، سوف تحصل مصر في الأسابيع القليلة المقبلة على مليار دولار، سوف يستخدم أساساً لاحداث التوازن في سوق الصرف الأجنبي مما يساعد على تحقيق الغرض من قرار تحرير سوق الصرف الأجنبي في مصر. كتب فهمي عبدالعزيز: