الاحد 11 صفر 1424 هـ الموافق 13 ابريل 2003 أكد تقرير بنشرة بنك دبي الوطني ان ثمة اعتقاداً قوياً بوجود علاقة ايجابية بين مستويات أعلى من الدخل الفردي ومستويات أفضل من الحاكمية في جميع الدول، والحاكمية هي ممارسة الموظف الحكومي للسلطة التي يفوضه بها القانون بكل أمانة وعدالة عند تطبيق النظم واللوائح والاجراءات. من الناحية العلمية، يرى الباحثون والاقتصاديون بأن هناك علاقتين مهمتين بين النمو الاقتصادي والحاكمية: العلاقة الأولى، التي تمت دراستها بشكل مكثف، هي ان مستوى أفضل من الحاكمية يؤدي الى مستويات أعلى من الدخل الفردي، أما العلاقة الثانية فهي جديدة نسبيا وتشير الى وجود علاقة سببية ضعيفة وسالبة مضمونها ان مستويات أعلى من الدخل الفردي تؤدي الى تقليل مستوى الحاكمية، وهذه العلاقة تدل على غياب «الحلقات الفعالة» التي بموجبها تؤدي مستويات أعلى من الدخل الفردي الى رفع مستوى الحاكمية وتحسينه. والعرض التالي يوضح الأسس والمعايير المستخدمة في بحث العلاقة بين الحاكمية الجيدة والنمو الاقتصادي باستخدام مجموعة من مؤشرات الحاكمية على المستوى العالمي، وهي تغطي 175 دولة خلال الفترة 2000 ـ 2001. وحيث ان العلاقة الثانية التي أشرنا اليها آنفا تنافي الاعتقاد العام السائد، فسيتم اعطاء تفسير للنتائج الغريبة التي تم الحصول عليها. وتعتمد التحليلات المقدمة الى حد كبير على الاعمال التي قدمها كل من كوفمان وكراي (2003). وتأكدت العلاقة بين الحاكمية والتنمية من خلال العديد من الدراسات التطبيقية التي بحثت وجود علاقة ارتباط ايجابية وقوية بين المعايير المختلفة للحاكمية ودخل الفرد. ففي دراسة قام بها رفائيل دي تيلا وآخرون (1996) حول مسببات الفساد الاداري وآثاره، أظهرت النتائج ان الفساد الاداري يؤثر سلبا على الاستثمار، كما ان الفساد يصاحبه نقص المنافسة في أسواق المنتجات وعدم استقلالية الانظمة القضائية. وباستخدام بيانات عن 32 دولة، قام فريق الباحثين نفسه باستخدام نموذج اقتصادي قياسي يعتمد على مؤشرات عن الفساد الاداري والسياسة الصناعية. وجد الباحثون ان السياسة الصناعية النشطة كثيرا ما تتصاحب مع مستويات أعلى من الفساد الاداري، الامر الذي يلغي بعض آثار هذه السياسة الصناعية النشطة وإمكاناتها في جذب الاستثمارات وزيادة معدلات نموها. أما العلاقة بين المساعدات الاقتصادية والاستثمار الاجنبي المباشر والفساد الاداري فقد كانت موضوع دراسة أجراها ودر واخرون (1999) على 90 دولة. وتظهر نتائج دراستهم بأن الاستثمار الاجنبي المباشر على مدى الفترة 1970 ـ 1995 قد جرى تقليله بسبب مستويات الفساد الاداري في الدولة المضيفة للاستثمار. كما أوضحت العديد من الدراسات بأن التغيرات الكثيرة في الحكومة، والانقلابات، والثورات، والاغتيالات السياسية تؤدي الى معدلات أقل من النمو الاقتصادي ومعدلات أدنى من الاستثمارات، وقد اجرى برونيتي واخرون في 1997 مسحا على مؤسسات قطاع الاعمال حول العالم من اجل صياغة مؤشر يدل على «مصداقية القوانين»، ويقوم على مدى توقع القوانين وسنها وصياغتها على أمان الافراد والممتلكات ومدى توقع وفرض الاحكام القضائية على الفساد الاداري. وقد أظهرت الاختبارات التطبيقية للعلاقة بين مؤشر المصداقية والنمو الاقتصادي بأن المصداقية تشجع الاستثمار وتدعمه وتؤدي الى معدلات أعلى من النمو. هذا وقد قام كالديرون واخرون (2000) باختبار العلاقة السببية والارتجاعية بين المعايير والمؤشرات المؤسسية (مثل فرض تطبيق العقود، ونوعية البنية التحتية، ومعوقات بيروقراطية العمل) والنمو الاقتصادي. وتؤكد النتائج التي توصلوا اليها بأن تحسين الاطار المؤسسي وتطويره يدعم النمو في الدول النامية ويشجعه. كما وجدوا ان علاقة السببية هذه تكون فعالة في الجانب المقابل حيث يؤدي النمو الاعلى الى معايير مؤسسية أفضل. وحيث ان هناك العديد من المقاييس لمفهوم الحاكمية، فانه من المهم أن نصنف هذه المقاييس في ستة مؤشرات كلية تتناسب مع الأبعاد الاساسية للحاكمية. وفي العرض التالي سنعرف اربعة من هذه المؤشرات ونشرح مكونات المجموعات الداخلة فيها. القدرة على صياغة السياسات وتنفيذها، المجموعتان الممثلتان لقدرة الحكومة وطاقتها تلخصان المؤشرات المختلفة لمقدرة الحكومة على صياغة وتنفيذ السياسات المنافسة والصحيحة. وتسمى المجموعة الأولى «فعالية الحاكمية» وهي تجمع بين مفاهيم نوعية الخدمات العامة المقدمة، وطبيعة البيروقراطية الحكومية، وكفاءة العاملين في القطاع الحكومي، ومصداقية الحكومة في التزامها بالسياسات التي تضعها، ويتركز هذا المؤشر بشكل رئيسي على «المدخلات» المطلوبة في الحكومة لتكون قادرة على وضع السياسات الملائمة وتنفيذها وانتاج الخدمات الحكومية. أما المجموعة الثانية، والتي تسمى بـ «الجودة التشريعية والتنظيمية»، فهي تركز على السياسات ذاتها. وهي تحتوي على مقاييس حدوث سياسات غير ملائمة للسوق مثل مراقبة الأسعار والاشراف غير المناسب على المصارف، وكذلك مفاهيم الأعباء التي توجدها التشريعات الزائدة عن اللازم في مجالات مثل التجارة الدولية وتطوير بيئة الأعمال. تلخص المجموعات المدرجة تحت هذا النوع من المؤشرات بشكل عام مدى احترام المواطنين والدولة للمؤسسات التي تحكم التعامل فيما بينها. وتشمل مجموعة «سيادة القانون» عددا من المؤشرات التي تفعل مدى الثقة التي يكنها المتعاملون الاقتصاديون ومدى التزامهم بالقوانين والقواعد المجتمعية. وهذه تشمل مفاهيم وقوع كل من الجرائم العنيفة وغير العنيفة، وفعالية الجهاز القضائي ومدى توقع أحكامه، ومدى الالتزام بتطبيق التعاقدات والالتزامات. وتقيس هذه المؤشرات في مجموعها مدى نجاح المجتمع في تطوير بيئة تشكل فيها القوانين العادلة والمتزنة أسس التعامل الاقتصادي والاجتماعي. أما المجموعة الأخيرة، والتي تسمى بـ «السيطرة على الفساد»، فهي تقيس مفاهيم الفساد الاداري، والذي يعرف عادة بأنه ممارسة السلطة الحكومية للحصول على منافع شخصية خاصة. وعلى الرغم من هذا التركيز المباشر، إلا ان مظاهر الفساد على وجه الخصوص مقاسة من مصادر متعددة تختلف نوعا ما حيث تمتد من تكرار دفع مبالغ اضافية لانجاز المعاملات الى آثار الفساد على بيئة الاعمال والى قياس ميول تشكيلات الصفوة نحو ممارسة ما يسمى بـ «قبض الدولة». إن بروز الفساد يعتبر عادة انعكاسا لعدم احترام الراشي (عادة ما يكون شخصا أو مؤسسة) والمرتشي (عادة ما يكون مسئولا حكوميا) للقوانين التي تشرع وتحدد التعامل فيما بينهم، وبالتالي فهو يمثل فشلا في سيادة الحاكمية.