الاحد 11 صفر 1424 هـ الموافق 13 ابريل 2003 ما الذي تحمله رياح العولمة لدول مجلس التعاون الخليجي؟ لاشك ان هذا السؤال اصبح كالزوبعة التي قد تطال أي شيء وفي أي وقت وايا كان المكان دون سابق انذار او استعداد. وكون دول المجلس انضمت الى منظمة التجارة الدولية وهي تدرك بالتالي ان عليها الالتزام باتفاقيات وقواعد المنظمة الدولية وبالتالي البدء بتحرير اقتصاداتها تدريجيا فانها لابد ان تسعى الى بذل جهد متواز لضمان مستقبلها بظل هذه الاوضاع من خلال ايجاد اجهزة وانظمة تساعدها على مواجهة الوضع الجديد. من هنا، فلقد شهدنا خلال الفترة الماضية قيام هذه الدول بشكل جماعي باتخاذ مختلف التدابير لتحرير القوانين التجارية والاستثمارية امام الاستثمارات الاجنبية الا انها بدأت الوقت وبشكل محدد البحرين وقطر والمملكة العربية السعودية بانشاء مجالس عليا للتنمية تساعدها على ضبط وتنسيق عمل اجهزتها الاقتصادية المختلفة تحت مظلة موحدة للتأكد من توفر آلية دفع جديدة تسهم في ضمان استمرار اداء اقتصادها بفاعلية بظل الانفتاح والعولمة. وصحيح ان الدول الخليجية التي انشأت مجالس عليا للتنمية حددت لها اولويات مختلفة. فعلى سبيل المثال قالت المملكة العربية السعودية ان البحث في اتخاذ مزيد من الاجراءات لفتح الاستثمار ولا سيما في القطاع النفطي امام الاجانب سيكون على رأس جدول اعمال المجلس. اما في البحرين فانها تبحث تحديدا في تفعيل الاداء الاقتصادي حيث بات من الواضح ان الزيادة في اسعار النفط لا تجد طريقها نحو القطاعات الاخرى وخاصة التجارة والاسهم والعقارات التي لا تزال تشهد حركة راكدة. وفي قطر، فانها تتطلع الى تطوير مساهمة قطاعات لا تزال لم تشهد أي دور واضح في التنمية مثل الصناعة والسياحة والخدمات المالية. ان المهمة الرئيسية لمجالس التنمية تكمن في دراسة موضوع النمو الاقتصادي ودور الانتاجية في تحقيقه، وهذا يتطلب بالضرورة التفكير في ايجاد حزمة من الاجراءات والحوافز والسياسات الاقتصادية القادرة على الرفع المستمر للانتاجية على اساس انها السبيل الوحيد - تقريبا - على المدى البعيد لايجاد حالة نمو اقتصادي مستديم للاقتصاد ولا بد من الاشارة الى اهمية المراجعة المستمرة لتلك الاجراءات والسياسات ومدى تأثيرها على الانتاجية وبالتالي نمو الاقتصاد الوطني وقياسها، والقياس المستمر لمعدلات النمو للاقتصاد الوطني وتحديد معدل النمو الاقتصادي المناسب للاقتصاد الوطني في كل فترة زمنية وتوفير الشروط المناسبة لتحقيق ذلك الهدف بما يحقق رفاهية المجتمع. وصحيح ان الارتفاع المتواصل في اسعار النفط قلل من حدة الضغوط الاقتصادية والمالية على الموازنات الخليجية، الا انها لا تزال تشعر انها بحاجة الى توحيد وتعزيز اداء وجهود قطاعاتها الاقتصادية في حركة فاعلة تواجه المعطيات الدولية المستجدة، وتثبت للمستثمرين الاجانب ان هناك استراتيجيات واضحة للتنمية، يتزامن معها جهد منسق لتحسين مناخ الاستثمار وتوحيد سياسات اقتصادية تستهدف اضفاء الاستقرار والثقة في الاداء الاقتصادي. ان ضخامة التحديات المستقبلية امام دول المجلس في الالفية الثالثة تتطلب من مجالس التنمية صياغة رؤية شاملة وبعيدة المدى واستراتيجية محكمة. من جهة اخرى فهم يؤكدون على ضرورة التعجيل بتفعيل آليات عمل هذه المجالس وضرورة ان تتسم باقصى قدر من الحيوية وسرعة اتخاذ القرار لمواكبة التوجه العالمي الجديد نحو تحرير التجارة وظهور التكتلات الاقتصادية الكبرى واندماج الشركات الكبرى. ويتطلب ذلك التعرف على سمات الوضع الراهن وتحديد التحديات المستقبلية وتشخيص معوقات النمو الاقتصادي، وليس هناك من شك في ان هذا المجلس سيواجه وضعا ليس سهلا حيث انه في مواجهة اقتصادات تتسم بمحدودية تنوع قاعدتها الانتاجية مما يفسر تعرضها في السنوات الماضية لصدمات خارجية اثرت على نسبة نموه واهم تلك الصدمات التقلبات الكبيرة التي حدثت في اسعار النفط. ان ابرز تلك التحديات مواجهة النمو السكاني ومعدلاته المنفلتة مع ضرورة متابعة وتجديد التوقعات المستقبلية هي للسكان، الى جانب عجز ميزانية الدولة والتي تفتقر الى التنوع في مواردها حيث ما انفك النفط يهيمن حتى هذه اللحظة على حوالي ثلثي الموارد العامة، الامر الذي ولد عجزا هيكليا وادى الى تراكم المديونية العامة. وبناء على ذلك فان الحاجة ماسة الى ايجاد رؤية واضحة لعملية التنمية الشاملة وتحديد الاهداف والاولويات والسياسات. ومن التحديات الاخرى المهمة التي تواجه هذه الدول هي مشكلة توفر المياه وعليه فان توفير مصادر المياه التي تحتاج اليها البلاد في المستقبل سوف يؤدي الى زيادة الاعتماد على مشاريع محطات تحلية مياه البحر. فضلا عن قيد اخر يتعلق بالمتوفر من مساحات الاراضي القابلة للاستخدامات الصناعية والسكنية. ومن الجوانب الاخرى المهمة لقرار انشاء مجالس عليا للتنمية هو انتشار فكرة التخصيص والقبول بها كوسيلة لرفع الكفاءة وتخفيف العبء الكبير الذي تتحمله الدولة في توفير الخدمات وسوف يصبح التخصيص ذا فعالية اكبر لو كان ضمن تصورات شاملة، اضافة الى امكانية استيعاب وتفهم جدوى الفكرة كما سيشجع ذلك القطاع الخاص على الاستثمار ولا يتم ذلك الا بخلق اجواء اكثر انفتاحا وتوفير معلومات ووضع الاولويات التنموية امام اعين القطاع الخاص. لذلك، فمن الضروري ان تقوم مجالس التنمية بدور كبير في هذا الصدد من خلال رسم الاستراتيجيات وتوفير المعلومات وتحديد المخاطر والايجابيات، فضلا عن مواصلة مسيرة التنمية وتعزيزها وايجاد الحلول للمشاكل التي تعترضها وخاصة القضايا الاجتماعية كالعمل والتعليم والتدريب والصحة وهي قضايا تحتاج الى استثمارات كبيرة ولمدد طويلة. كما لابد من الاشارة الى ان افرازات الثورة العلمية والتكنولوجية التي تتطلب هذه الاستثمارات وان هذه الثورة لن يخفف قطارها سرعته ولن ينتظر احدا لذا لابد من سياسات اقتصادية تنبني على استراتيجيات تتوقع وتتنبأ بالحاجات والموارد وتحدد الاهداف، وذلك يتحقق من خلال هذه المجالس التي المتوقع منها ان تساعد في محاولة تشكيل المستقبل. ان وجود مجالس عليا للتنمية الاقتصادية يمكن ان يكون نقطة تنسيق وتكامل بين القطاعات الاقتصادية والاجتماعية من اجل الوصول الى توازن بين الحاجات الحالية والمستقبلية والموارد المتوافرة، اضافة الى التراكمين الرأسمالي والمعرفي من اجل التطوير، وبالتالي فان وضع التصورات المستقبلية هو البوصلة الهادية للوصول الى الاهداف والطموحات وهي التي ستبعد العشوائية والتخبط في اتخاذ القرار وتجنب المخاطر غير المحسوبة وتقدير الاضرار من خلال دراسة وتحليل الظروف المحلية والاقليمية والعالمية. ومن الضروري ايضا ان تكون هذه الاجهزة التنموية مصدرا لصياغة السياسات النقدية والمالية والصناعية والخدمية ومكانا لوضع اللبنات الاولى للقواعد والاجراءات الضرورية لهذه السياسات قبل مناقشتها في القنوات الرسمية الاخرى التي سوف تسهم بلا شك وبصورة ايجابية في رفع المقدرة التنافسية وتطوير القطاعات الخدمية الحديثة التي بدأت تأخذ مكانا رفيعا في الاسواق العالمية وسوف تدعم الانظمة المشجعة على الاستثمار وجذب رؤوس الاموال الاجنبية. ومن ثم فان هذه الظروف جميعها كانت دافعا رئيسيا لوجود هذه الاجهزه لوضع استراتيجية تحمل رؤية مستقبلية كما ان اعطاء رئاسة هذه الاجهزة لرأس الهرم في الدولة يعطيها اهمية وقوة ليس في رسم الاستراتيجيات وانما في تنفيذها ايضاً. بقلم: حسن العالي