الجمعة 9 صفر 1424 هـ الموافق 11 ابريل 2003 بعيدا عن غضب الشارع العربي ازاء الحرب التي تقودها الولايات المتحدة ضد العراق يأمل البعض في المنطقة ان يكون العراق، قوة دافعة لاخراج اقتصادات الدول العربية من حالة الكساد التي تعانيها منذ عقدين. لكن أكثر المراقبين براجماتية يدركون حجم الشكوك التي تخيم على امكانية أن يقود العراق المنطقة الى نظام السوق الحرة ولا مركزية السلطات الاقتصادية على غرار النموذج الاميركي. وقال مصرفي عربي في لندن «ليس هناك ما يثير قلق النظم العربية الاستبدادية على المدى القصير لان العراق لن يبزغ كنموذج مضيء الا بعد سنوات». ويقول محللون ان فاتورة اعادة بناء العراق قد تصل لمئة مليار دولار وان اعادة بناء البنية التحتية المنهارة واحياء قطاع النفط يحتاج لسنوات اثر معاناة البلاد من ثلاث حروب خلال عقدين وفرض الامم المتحدة عقوبات طيلة 12 عاما. وتوجه انتقادات للحكومات العربية لانفاقها مليارات الدولارات من عائدات النفط دون ان ينعم سكان المنطقة البالغ عددهم 280 مليون نسمة بالنمو الاقتصادي حيث يقل اجمالي الناتج المحلي للمنطقة مجتمعة عنه في اسبانيا وهي دولة أوروربية متوسطة الحجم. ويحذر منتقدون من أن العزلة الفكرية والقمع السياسي في العالم العربي الى جانب السياسات الاقتصادية المضللة تبقي معدل نمو دخل الفرد عند ادنى المستويات العالمية باستثناء منطقة جنوب الصحراء الافريقية. لكن قرار الرئيس الاميركي جورج بوش شن الحرب على العراق رغم المعارضة الدولية منح البعض الامل في ان تجني اقتصاداتهم الكثير من المكاسب بعد انتهائها. وقال مصرفي عربي مخضرم «أتحدث مع أناس تسعدهم الضغوط التي أوجدتها الحرب على الزعماء بل وأتحدث عمن سيحصلون على نصيب من الغنيمة لان الوضع الذي يعايشونه يؤثر على الاقتصاد ككل ومعظم السكان». وقال مسئول كبير ببنك مركزي عربي رفض نشر اسمه لرويترز «ما حدث في العراق لن يؤدي لتباطؤ الاصلاح بل للاسراع به». وأضاف «ترى الحكومات الان مدى أهمية منح مواطنيها فرصا والاصغاء بعناية أكبر لما يريدونه. أرى أن الامر ينطوي على ايجابيات أكثر من السلبيات». وقال براد بورلاند كبير الاقتصاديين في البنك السعودي الاميركي في الرياض ان العراق يمكن أن يقدم مثالا يحتذى للتغيير لا يمكن للدول المجاورة ان تتجاهله. وقال «انظروا الى دبي. انها تمثل ضغطا على السعودية الان. السعوديون يذهبون الى هناك لتمضية عطلة نهاية الاسبوع ويعودون بالشكوى بشأن حجم الانفتاح والحرية في الاسواق ويتساءلون لماذا لا يمكنهم التنسيق سويا». وأضاف بورلاند «سيشكل العراق نفس الضغوط على نطاق اوسع كثيرا لان الامر لا يتعلق بمدينة تنعم بالرخاء بل سيشهد معدلات نمو مرتفعة على مدار عقد من الزمان ليضرب مثالا على كيفية تحقيق النمو الاقتصادي». لكن مصرفيا في لندن قال ان فرص ان يحذو قادة عرب وحكوماتهم حذو العراق ضعيفة. وفيما وردت أنباء عن وصول الدبابات الاميركية الى قلب بغداد ارتفعت الاسهم وجرى تداولها عند مستويات قياسية في أقرب جارتين للعراق فيما انحسرت مخاوف السعوديين والكويتيين من ان تمتد مخاطر الحرب لبلديهما. وقال بشر بخيت من بخيت للاستشارات المالية في الرياض «الاسهم في العالم العربي تعوض ما خسرته قبل الحرب اذ لم تتحقق أسوأ المخاوف». ومن المتوقع ان تستمر مكاسب الاسهم ولكن ليس فيما يتواصل القتال في العراق. وتثور شكوك بشأن منح الولايات المتحدة عقود اعادة بناء في العراق بمليارات الدولارات لشركاتها وذلك على حساب الشركات العربية. وبالمثل فان الكثير من المستثمرين العرب لم ينتظروا نهاية الحرب وبدأوا بحث امكانية تحقيق مكاسب في العراق وهو سوق يضم 26 مليون مستهلك. وقال بورلاند «ستهيمن الولايات المتحدة بشدة على السياسة الاقتصادية في العراق. كان معزولا لمدة 25 عاما وينبغي ان يلاحق التطور». واتصلت شركات كويتية وخليجية أخرى بمصرفيين في الخليج لمعرفة شروط اقتراض اموال للتوسع في عملياتها في العراق. وقال مصرفي شرق أوسطي في لندن «الكويت سوق صغيرة نسبيا بها شركات لها خبرة طويلة لم تتاح لها فرص توسع. نفس الامر ينطبق على كثير من الاماكن الاخرى». وقال مصرفيون في تركيا انه حتى الشركات في هذا البلد المثقل بالديون تحرص على ان تكون في وضع يتيح لها التعامل مع العراق في فترة ما بعد صدام اذ سبق ان حققت ارباحا هناك قبل فرض الامم المتحدة العقوبات على العراق. ويقول مصرفيون تحدثوا لهذه الشركات ان من السابق لاوانه تخصيص أي أموال. وقال ايساك انتيكا من شركة انتيكا للاستشارات المالية في اسطنبول «الثقة أمر عجيب تحتاج لسنوات لتكتسبها وتفقدها في لحظات ومن الواضح ان العراق فقدها». وكما هو الحال في بقية دول العالم فمن المستبعد ان يخاطر مستثمرون من القطاع الخاص بالعمل في العراق بدون غطاء سواء من الحكومة الاميركية أو وكالات محلية لائتمانات التصدير او من مؤسسات اقراض متعددة الجنسيات. لكن الشركات العربية ستجد صعوبة في الاستثمار في العراق اذا لم تتمكن واشنطن من تبديد الغضب العربي تجاه ما يرونه من انحياز نحو اسرائيل والشكوك في أن الدافع الرئيسي لها هو اقامة نظام تابع يخدم مصالحها في العراق. رويترز