الاحد 4 صفر 1424 هـ الموافق 6 ابريل 2003 قال البنك الدولي في تقرير جديد أصدره بعنوان «تمويل التنمية العالمية 2003» ان الحرب ضد العراق بمثابة صدمة جديدة توجه لاقتصادات منطقة الشرق الأوسط ، وشمال افريقيا تضاف الى الازمة الفلسطينية التي مازالت تمثل عائقا أمام تدفق المزيد من الاستثمارات الى المنطقة. وأوضح البنك أن هذه التدفقات مازالت في مراحل متواضعة اذ تقدر ما بين 2 ـ 3 مليارات دولار سنويا في السنوات الاخيرة وسط هبوط معدل نمو اقتصاد المنطقة من 3.2% عام 2001 الى 2.3% العام الماضي. ولفت تقرير البنك الى ان المنطقة مازالت تتمتع بالامكانات لاستقطاب تدفقات رؤوس أموال خاصة أكبر حجما حسبما اتضح من نجاح اصدارات السندات الحديثة العهد التي طرحتها بعض دول المنطقة. وذكر التقرير ان الاستثمار الأجنبي المباشر والعمال المهاجرين الذين يحولون جزءا من رواتبهم إلى بلادهم اصبحا مصدرين لتمويل البلدان النامية أكثر أهمية من الإقراض الخاص. وذكر تقرير جديد أصدره البنك الدولي بعنوان تمويل التنمية العالمية 2003 أن مدفوعات سداد الديون الخاصة في عام 2002 كانت مرة أخرى أعلى من القروض الجديدة، ولذلك فإن صافي تدفقات الديون الخاصة كان سالبا بالنسبة للبلدان النامية. وذكر التقرير أن صافي تدفقات الديون الخاصة إلى البلدان النامية - السندات والقروض المصرفية - بلغ ذروته عند حوالي 135 مليار دولار سنويا في عامي 1995-1996 وظل يهبط بانتظام منذ ذلك الحين، وتحول إلى صافي تدفقات إلى الخارج في معظم السنوات منذ عام 1998. وكان صافي تدفقات الديون من الدائنين التابعين للقطاع الخاص سالبا مرة أخرى في عام 2002 - فقد دفعت البلدان النامية 9 مليارات دولار أكثر مما حصلت عليه في شكل قروض جديدة، وذلك سدادا للديون القديمة. تدفقات متواضعة وفيما يتعلق بتدفقات رؤوس الأموال إلى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا قال التقرير انها متواضعة بصورة تقليدية، وتقدر تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر ما بين ملياري دولار أميركي و3 مليارات دولار سنوياً في السنوات الأخيرة، كما يقدّر صافي تدفقات الديون الخاصة بمبلغ 2.9 مليار دولار و2.8 مليار دولار في عام 2001 وعام 2002 على التوالي. وقد أدى هذا القدر المتواضع من تدفقات رؤوس الأموال الخاصة إلى تخفيض تعرض هذه المنطقة لتقلبات شديدة وما يترافق معها من أزمات مالية ونقدية. وأضاف ان العائد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كان أدنى عائد في العالم من هذه الاستثمارات، وهو ما أدى جنبا إلى جنب مع الاحتمالات المجهولة المحيطة بالتوتر المفضي للحرب في العراق واستمرار الصراع الإسرائيلي/الفلسطيني إلى هبوط ثقة المستثمرين، وأقام العقبات أمام استمرار تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى هذه المنطقة. غير أن هذه المنطقة مازالت تتمتع بالإمكانات لاستقطاب تدفقات رؤوس مال خاصة أكبر حجما حسبما اتضح من نجاح إصدارات السندات الحديثة العهد التي طرحتها قطر والبحرين وإيران ومصر. فقد ساعدت هذه الإصدارات في توسيع نطاق قاعدة المستثمرين وأنشأت معايير مرجعية لقطاع الشركات لكي يستفيد من الأسواق بمزيد من الثقة. التحول من الديون إلى الاكتتابات في الأسهم وعلى الصعيد العالمي قال التقرير مع أن صافي الاستثمار الأجنبي المباشر هبط من الذروة التي بلغها في عام 1999 عندما وصل إلى 179 مليار دولار إلى 143 مليار دولار في عام 2002، فإنه لا يزال المصدر المهيمن للتمويل الخارجي للبلدان النامية. وبلغ صافي تدفقات الاستثمار في الحوافظ (غير المباشر) 9 مليارات دولار، مما زاد مجموع تدفقات الاستثمار في الأسهم (الاستثمار الأجنبي المباشر والحوافظ) إلى أكثر من 152 مليار دولار. وبلغت تحويلات العمال 80 مليار دولار في عام 2002، مقابل 60 مليار دولار في عام 1998. ويعتبر الاعتماد المتزايد على الاستثمار الأجنبي المباشر تطورا إيجابيا بشكل عام بالنسبة للبلدان النامية، نظرا لأن المستثمرين الأجانب المباشرين يلتزمون عادة بالاستثمار على المدى الطويل وهم أكثر قدرة من أصحاب الديون على تحمل الشدائد على المدى القريب. وذكر التقرير أن كثيرا من الحكومات التي كانت تقترض من قبل من الخارج تقترض الآن محليا، وبآجال استحقاق أقصر. ومع أن هذا يقلل تعرضها لمخاطر النقد الأجنبي، فإن الديون الأقصر أجلا تزيد المخاطر من تقلبات أسعار الفائدة المحلية وإحجام المستثمرين المحليين عن تجديد الديون المستحقة لهم في أوقات الشدة. ومع أن الاستثمار الأجنبي المباشر يكون عادة أقل تقلبا من الديون، فإنه لا يمكن اعتبار استقراره أمرا مسلما به، نظرا لأن الاستثمار المحلي والأجنبي على السواء يعتمد على وجود مناخ استثمار إيجابي. وقال نيكوليس سترين رئيس الخبراء الاقتصاديين في البنك الدولي والنائب الأول للرئيس لاقتصاديات التنمية، إن «التحول من الديون إلى الاستثمار في الأسهم يبرز أهمية الجهود التي تبذلها البلدان النامية لتشجيع إيجاد مناخ استثمار سليم». وأضاف قائلا إن «تسعة أعشار الاستثمار في البلدان النامية يأتي من مصادر محلية. ولكن احتياجات المستثمرين المحليين لبيئة عمل إيجابية مماثلة لاحتياجات المستثمرين الأجانب. فكلاهما يسعى إلى أوضاع اقتصاد كلي مستقرة، وإمكانية الوصول إلى الأسواق العالمية، وبنية أساسية يمكن الاعتماد عليها، ونظام إدارة عامة سليم، بما في ذلك فرض قيود على المضايقات والفساد البيروقراطي». التحويلات كما أن وجود مناخ استثمار إيجابي هام للاستخدام الفعال لتحويلات العمال. ففي البلدان التي لديها بيئات استثمار سيئة، من الأرجح أن تستخدم تحويلات العمال لمجرد «البقاء»، بينما في البلدان التي لديها بيئات استثمار جيدة فإن متلقي التحويلات يحتمل أن يستثمروها في المزارع ومؤسسات الأعمال الصغيرة والمتوسطة التي تعتبر مفتاح تخفيض أعداد الفقراء. وقال سترين إن «وجود مناخ استثمار إيجابي أمر هام للاستخدام الفعال لكافة أنواع تدفقات رؤوس الأموال، بما فيها الاستثمار الأجنبي المباشر والتحويلات والمعونات والديون». وعلى غرار الاستثمار الأجنبي المباشر، تعتبر التحويلات مصدرا للتمويل الخارجي أكثر استقرارا من الديون. والواقع أن التحويلات مفيدة في مواجهة التقلبات الدورية، وتخفف وقع الصدمات الأخرى، نظرا لأن هبوط النشاط الاقتصادي يشجع عمالا إضافيين على الهجرة إلى الخارج بينما الموجودون في الخارج بالفعل يزيدون حجم الأموال التي يرسلونها إلى أسرهم الباقية في بلادهم. وخلال معظم سنوات التسعينيات، تجاوزت التحويلات المساعدات الإنمائية الرسمية. وتعني الاتجاهات التي ظهرت في الآونة الأخيرة، بما فيها تشديد القيود على التحويلات غير الرسمية وتخفيض الرسوم المصرفية، أنه من المحتمل أن يستمر ارتفاع التحويلات من خلال الجهاز المصرفي. تعتبر منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مصدرا هاماً ووجهة هامة أيضاً لتحويلات العاملين. فالمملكة العربية السعودية والكويت وعمان والبحرين كانت في السنوات الأخيرة مصادر هامة للتحويلات إلى بلدان نامية أخرى، شاملة بلداناً أخرى في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا نفسها. وتشمل البلدان التي تلقت تحويلات كبيرة المملكة المغربية (3.3 مليارات دولار) ومصر (2.9 مليار دولار) ولبنان (2.3 مليار دولار) والأردن (2 مليار دولار) واليمن (1.5 مليار دولار). وتلقت هذه المنطقة في عام 2002 ما بلغ مجموعه 14 مليار دولار من التحويلات، أي ما يبلغ 2.2% من إجمالي الناتج المحلي فيها، وهو ما يضعها في الطليعة في العالم. من جانبه يقول مصطفى نابلي، رئيس الخبراء الاقتصاديين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في البنك الدولي، «يعتبر الاغتراب وقدرة العاملين على الحركة والانتقال من الأمور الحاسمة الأهمية بالنسبة لهذه المنطقة. فمتوسط البطالة 20% ومعدلات بطالة الشباب حوالي مثلي المتوسط القومي، ولذلك تعتبر قدرة العاملين على الانتقال ضرورية لتفادي الوقوع في الفقر والقضاء على إحباطات جيل من العاملين الشباب. كما أن القلق الكبير بشأن أسواق العمل يوازن استعداد بلدان المنطقة للمضي قدما في الإصلاحات الصعبة. ويجب معالجة قضية تسهيل حركة العاملين جنبا إلى جنب مع جوانب الإصلاحات الأخرى». هناك بعض الشواهد على تزايد استخدام التحويلات لأغراض الاستثمار في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ففي مصر على سبيل المثال، قامت نسبة كبيرة من المغتربين العائدين في ثمانينيات القرن الماضي بإنشاء مؤسسات أعمال خاصة بها باستخدام موارد مالية كسبتها خارج مصر. وفي ضوء المخاطر الجيوبوليتيكية الناجمة عن الحرب والصراع، فإن بلدان المنطقة النامية هذه التي تقدّم الأيدي العاملة لبلدان كالكويت والمملكة العربية السعودية من المرجح أن تشهد هبوط تحويلات العاملين. فتدفقات التحويلات من الكويت والمملكة العربية السعودية إلى الأردن واليمن هبطت أثناء حرب الخليج. وعلى الرغم من القوة النسبية لتدفقات الاستثمار في الأسهم والتحويلات، فإن التكيف مع ضعف تدفقات الديون الخاصة يشكل تحديا لكثير من البلدان النامية التي أصبحت تعتمد على القروض الأجنبية. ذلك أن المبلغ الصافي البالغ 9 مليارات دولار الذي سددته البلدان النامية للدائنين التابعين للقطاع الخاص في عام 2002 كان بالإضافة إلى الرقم الذي سددته في عام 2001 وبلغ حوالي 25 مليار دولار. ومع أنه من المحتمل أن يكون الربع الثالث من عام 2002 قد شهد قاع الدورة الائتمانية الحالية، فإن أي انتعاش يحتمل أن يتسم بالتردد. ومن المحتمل بشكل عام أن يكون صافي تدفقات الديون إلى البلدان النامية في عام 2003 عند مستواه السابق. الاحتمالات المجهولة تباين أداء النمو في السنة والنصف الماضية تبايناً كبيراً فيما بين المناطق الرئيسية التي تضم البلدان النامية، وقد نجم ذلك إلى حد كبير عن تباين الأوضاع الداخلية. وقد بلغ معدل النمو في البلدان النامية 3.1% في عام 2002، بارتفاع طفيف قدره 0.3% عن نتائج عام 2001 الضعيفة. وقد كان النمو مقيدا بفعل الانتعاش الفاتر الذي حدث في البلدان الغنية والعوامل المالية والسياسية المجهولة في كثير من الأسواق الناشئة الكبيرة. وقد نمت التجارة العالمية بنسبة صغيرة قدرها 3 في المئة، بينما ارتفعت أسعار السلع الأولية غير البترول بنسبة 5.1 في المئة. بالنسبة للبلدان المستوردة للنفط، فإن ارتفاع أسعاره من 19 دولاراً إلى 28 دولاراً للبرميل الواحد في عام 2002 قضى على ما تحقق من كسب من الزيادة في أسعار المنتجات الزراعية وأسعار المعادن. علماً بأن التوقعات الأساسية هي أن معدل النمو في البلدان النامية سيزداد إلى 4% في عام 2003 وإلى 4.7% في عام 2004. الحرب ضد العراق في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يمثل التدخل العسكري في العراق أحدث صدمة في سلسلة من الصدمات في السنوات الأخيرة. فقد هبط معدل نمو اقتصاد المنطقة من 3.2% في عام 2001 إلى 2.3% في عام 2002. كما أن البلدان المتنوعة الصادرات في المغرب والمشرق العربيين شهدت تباطؤا اقتصاديا حادا في عام 2002 نتيجة هبوط أسعار صادراتها وهبوط الطلب في الأسواق الأوروبية، فضلا عن الصدمة الكبيرة للسياحة عقب هجمات 11 سبتمبر. كما هبطت معدلات النمو بالنسبة لهذه البلدان المصدّرة من 4.3% في عام 2001 إلى 2.2% في عام 2002. وبالنسبة للبلدان المصدّرة للنفط، فقد وازن ارتفاع أسعاره تخفيض الحصص الإنتاجية التي فرضتها منظمة البلدان المصدرة للنفط أوبك، ولذلك ظل معدل نمو إجمالي الناتج المحلي فيها على حاله في عام 2002. ويضيف نابلي « تعاني منطقة الشرق الأوسط من تركة من الصراعات - كما أن مجهولية الاحتمالات بصورة عامة ولاسيما عقب هجمات 11 سبتمبر أدت إلى هبوط قطاع السياحة والنقل وتدفقات رؤوس الأموال الأجنبية إلى هذه المنطقة. كما أن الأعمال الحربية في العراق الآن فاقمت مستوى مجهولية الاحتمالات إلى مستوى ربما لم تشهده المنطقة من قبل، مع ما يترتب على ذلك من أثر كبير على آفاق النمو في كافة أرجاء المنطقة». آفاق النمو والعوامل السياسية تواصل آفاق نمو البلدان النامية في الأمد القصير تواصل اعتمادها الشديد بصورة عامة على آفاق وتوقعات نمو اقتصاد البلدان المرتفعة الدخل، والتي بدورها تتأثر بالعوامل الجيوبولينيكية. وتأخذ هذه التوقعات في الاعتبار بعض العرقلة نتيجة الأعمال العسكرية في العراق، بما في ذلك الارتفاع المؤقت في أسعار البترول، ولكنها لا تفترض حدوث اضطرابات حادة ودائمة. واستنادا إلى هذه الافتراضات، من المتوقع أن يتسارع النمو في إجمالي الناتج المحلي في البلدان الغنية من 1.4% في عام 2002 إلى 1.9% في عام 2003، وأن يصل إلى معدلات ذروة في المدى القريب قدرها 2.9% في عام 2004 قبل أن ينخفض إلى 2.6% في عام 2005. الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فإن التوقعات الحالية بشأن البلدان المنتجة للنفط والبلدان المنوعة الصادرات على السواء تشير إلى ارتفاع معدل نموها الاقتصادي إلى ما بين 3.4% و4% سنوياً في الفترة 2003-2005، وذلك مع ارتفاع الصادرات وقيام ارتفاع الدخل بحفز الإنفاق المحلي. غير أن هناك ثلاثة مخاطر هبوط متعلقة بهذه التوقعات: احتمال أن تهبط سرعة الإصلاحات المحلية عقب انتهاء الصراع فقد تجد الحكومات أن من الصعب معالجة الإصلاحات الهيكلية المثيرة لكثير من الجدل والحاسمة الأهمية من أجل زيادة الإنتاجية وتشجيع تنويع الاقتصاد، استمرار الإحساس السلبي لدى المستثمرين تجاه هذه المنطقة، مما يسفر عن مصاعب في اجتذاب الاستثمارات الأجنبية والأشكال الأخرى من تدفقات رؤوس الأموال، واستمرار الحرب نفسها أطول من المتوقع. ومن المتوقع أن تكون الأوضاع المالية التي تواجه البلدان النامية أقل شدة في عام 2003 مما كانت عليه في عامي 2001-2002. فمن المتوقع أن تنتعش تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر بدرجة طفيفة، بينما يفترض أن يكون صافي التدفقات من المصادر الخاصة إيجابيا بدرجة متواضعة، وإن ظل مع ذلك ضئيلا جدا. وكما نوهنا آنفا، تستند هذه الآفاق المحتملة إلى افتراض حدوث تسوية سريعة للوضع في العراق وهبوط كبير في أسعار البترول مع تقدم عام 2003. كتب مصطفى عبدالعظيم:
في تقريره حول «تمويل التنمية العالمية 2003»، البنك الدولي : الحرب ضد العراق صدمة قوية إضافية لاقتصادات الشرق الأوسط
