الاحد 4 صفر 1424 هـ الموافق 6 ابريل 2003 تفاوتت البيانات النهائية للموازنات السنوية لدول مجلس التعاون الخليجي لعام 2002 عن تلك البيانات التقديرية التي اعلنت في بداية العام الماضي، والتي احتسبت على أساس 16 دولاراً كمتوسط لسعر برميل النفط، في حين أدت التطورات السياسية والامنية في منطقة الخليج والشرق الأوسط الى ارتفاع متوسط سعر البرميل الى 24 دولاراً في عام 2002. وأوضح تقرير بصحيفة مصرف الامارات انه نظراً لذلك فقد شجع هذا الارتفاع دول المجلس على زيادة المصروفات العامة، كما أدت هذه التطورات الى انخفاض العجز الاجمالي لدول المجلس بنسبة 63% ليبلغ 6.5 مليارات دولار، مقابل 17.4 مليار دولار حسب البيانات الرسمية المعلنة في بداية العام، بينما الرقم المعلن للعام الجاري يصل الى 24.6 مليار دولار. وبالتأكيد، فقد كان لارتفاع المصروفات وانخفاض العجز تأثيرات ايجابية على مجمل تطورات الاوضاع الاقتصادية في دول المجلس، حيث اعلن العديد من هذه الدول عن اعتماد مشاريع اضافية، وبالاخص في مجال البنية الاساسية والخدمات العامة، كما ساهمت هذه التطورات في تنشيط بعض القطاعات الاقتصادية تزامنا مع ارتفاع الانفاق الحكومي على المشاريع المختلفة، ويعتبر العجز الفعلي المعلن عنه للعام الماضي مقبولا، اذا ما قيس بمجمل التطورات في المنطقة وبنسبته للناتج المحلي الاجمالي لدول المجلس والتي تبلغ 2% فقط. أما فيما يتعلق بالعجز الخاص بالعام الحالي 2003، فسوف يرتفع بنسبة حادة ليصل الى 44% تقريبا، وذلك وفق الموازنات المعلنة، والتي حدد فيها سعر برميل النفط بما يتراوح بين 16 ـ 18 دولاراً للبرميل، اذ على الرغم من ان سعر برميل النفط في الوقت الحالي يتجاوز هذا المعدل، الا ان انتهاء الحرب الدائرة حاليا بين الولايات المتحدة والعراق، سيؤدي الى انخفاض المتوسط العام لأسعار سنة 2003 ليصل الى المستويات الواردة في هذه الموازنات. اما في حالة انخفاض اسعار النفط عن المعدلات المشار اليها آنفا، فان حجم العجز المعلن في الموازنات الخليجية سيتجاوز الارقام الواردة في هذه الموازنات. واستطاعت دول المجلس في السنوات الماضية تغطية العجز في الموازنة من خلال اسلوبين مختلفين يتمثلان في الاقتراض من اسواق المال المحلية واصدار سندات بالعملات الوطنية، الا انه يلاحظ في العام الحالي توجه بعض دول المجلس الى الاقتراض من اسواق المال العالمية، واصدار سندات بالدولار الأميركي، كما هو ملاحظ في مملكة البحرين، حيث اصدرت وزارة المالية سندات بقيمة 500 مليون دولار. وتشير بيانات الموازنات السنوية الى المصروفات بصورة كبيرة نسبيا في بعض دول المجلس، وبالاخص في المملكة العربية السعودية ومملكة البحرين، حيث من المتوقع ان يؤدي ذلك الى جانب امكانيات انخفاض اسعار النفط الى ارتفاع حجم العجز بصورة كبيرة. وتبين هذه البيانات ان اجمالي المصروفات سيرتفع بنسبة 30% ليصل الى 120 مليار دولار في العام الحالي، مقابل 92.6 مليار دولار في عام 2002، حيث يتوقع حجم المصروفات عن المعدلات المعلنة في العديد من دول المجلس، وذلك لمواجهة بعض الاعباء والالتزامات التي ربما تنشأ خلال وبعد انتهاء العمليات العسكرية في المنطقة. في نفس الوقت تشير بيانات الموازنات السنوية لدول مجلس التعاون الخليجي الى ان اجمالي حجم الايرادات سيرتفع بدوره بنسبة 26.5% ليصل الى 95.5 مليار دولار في العام الحالي، مقابل 75.5 مليار دولار في العام الماضي، حيث تشكل عائدات النفط ما نسبته 70% من اجمالي هذه الايرادات. وعلى العكس من المصروفات، فإن حجم الايرادات يمكن ان يتجه نحو الانخفاض، اذا ما صحت توقعات معظم الخبراء حول اسعار النفط في العام الحالي، والتي تشير الى امكانية انخفاض الاسعار عن معدلات الحد الادنى التي اعتمدتها منظمة الاوبك. ومما يزيد من الاعباء المالية على الموازنات الحكومية في بلدان المجلس، هو تلك التوجهات المستمرة والخاصة بتحمل الدولة لكافة تكاليف الخدمات ومرافق البنية التحتية تقريبا، والتي تتضاعف في فترات زمنية قصيرة نسبيا، وذلك كنتيجة طبيعية للزيادات السكانية والتي تفوق معدلات الزيادة العالمية. وفي هذا الصدد، يمكن فتح المجال امام القطاع الخاص في دول المجلس، والذي يملك امكانيات مالية وطاقات استثمارية كبيرة للمساهمة في اقامة البنى التحتية واستثمارها وادارتها بأساليب تجارية، خصوصا وان القطاع الخاص في دول المجلس يتمتع باعفاءات ضريبية مثالية، مقارنة بنسب الضرائب والرسوم المفروضة في معظم بلدان العالم. ويمكن لهذا التوجه ان يتم ضمن سياسات واصلاحات اقتصادية شاملة، ترمي الى الارتقاء بالدور التنموي للقطاع الخاص، كما تنص على ذلك معظم الادبيات الاقتصادية لدول المجلس، وبالاخص الاتفاقية الاقتصادية الموحدة والتي عدلت في الفترة الماضية بعد تضمينها بعض التوجهات الايجابية والتي تتلاءم والتغييرات التي طرأت على الاوضاع الاقتصادية في دول المجلس في العقدين الماضيين. ويمكن لهذا التوجه ان يشكل تغيرا جوهريا يرمي الى احداث اصلاحات اقتصادية جذرية بشكل عام، والى تغيير هيكلية تمويل الموازنات السنوية في دول مجلس التعاون بشكل خاص