الدخل الفردي والإصلاحات الاقتصادية (2 ـ 2)، بقلم:ممتاز نحاس

الاحد 4 صفر 1424 هـ الموافق 6 ابريل 2003 عامل آخر للتدهور الذي سبقت الاشارة إليه يتعلق بالخبرات وهو لا يقل أهمية عن العامل الأول وفي اعتقادي هو العامل الذي نجم عنه تأخرنا الاقتصادي والحضاري، بنوعيه المادي والمعنوي فالخبرات يجب أن نحسن اكتشافها كمّاً ونوعاً وان نحافظ عليها وأن يتم تنميتها بشكل سليم فهي لا تقل أهمية عن اكتشاف المكتنزات من المعادن الثمينة فالخبرات التي يجب أن نتعرف عليها تبدأ منذ الولادة بالتعرف على المعطيات الوراثية المتوفرة لدى الأم والأب والاخوة ثم تدرجا إلى الأقل قرابة وهكذا ثم ثانيا القيام بالفحص التجريبي حيث يمكن معرفة ميول ومستوى الذكاء والقدرة على التحمل وسرعة المبادهة ونوعية التصرف السلوكي حيث كل هذه الأمور تساعد على تحديد نوعية وكم الجرعات التي سوف تعطى له بالنسبة للتعليم والمعاملة والذي يتم تحديدا بالتعاون مع الأب بالدرجة الأولى ثم مع أفراد العائلة الآخرين الواعين لمعنى هذا التصرف العلمي التربوي وأما المرحلة الثالثة فهي تحليل الخبرات لمعرفة درجة أهمية كل منها وأما المرحلة الرابعة فهي اجراء عملية التصنيف على الخبرات لانها تساعدنا على تكيفها مع وضع الخطط التنموية بالشكل الذي يستوعب كل نوع منها شأنها في ذلك شأن المواد الأولية المحلية إذا لم نقل بأنها تفوقها أهمية لانها هي السبب في اجراء عمليات التحويل عليها ولبقيت تستخدم كما هي من قبل الإنسان الحجري وهو الأمر الذي يدل على وجود ارتباط قوي ما بين الخبرات والحضارات فكلما اعتبر الشعب متحضرا كلما احتوى عقولا بشرية ذات خبرات ومعارف قوية ولهذا السبب فان الشعب الألماني الحضاري أصبح حاليا يخشى من فقدان الخبرات لديه بسبب التناقص الحاصل في عدد سكانه وبالتالي فهو يقارن حجم الخبرة بالحجم السكاني الذي يتمتع به مما جعل الحكومة الألمانية تعلن عن حاجتها الى خبراء للكمبيوتر للعمل لديها مقابل مميزات معيشية مغرية في ظل جو من الحالة الاقتصادية السيئة مسيطر على شعوب العالم الثالث والذي يشكل الشعب الهندي قسما كبيرا منه. ونحن اذا وقفنا متأملين لوحة الدول المتحضرة الجذابة التي شارك في اعدادها الخبرات المتطورة في جميع مراحل وانواع الحياة ثم نلتفت الى لوحة اخرى قد اعدت من الخبرات التي سمح لها باعدادها لان هنالك خبرات دفينة في العالم العربي فهي لا تستطيع ان ترى النور بسبب ضعفها المادي أو بسبب عدم رغبة أي أحد يمشي عليها بأن يكلف خاطره ويزيح التراب عنها لتشع ابداعا للعالم من حولها واذا ما استطعت ان تسأل هذا الماشي لماذا لم تساعد هذه الابداعات على الظهور لرأيت علائم الاستغراب تبدو على وجهه متسائلا هل هذه الاشياء الدفينة هي من الاهمية بمكان لكي نبذل الجهد والتعب لازالة التراب عنها وما هي الفائدة التي تقدمها إلينا طالما نحن أصبحنا نعيش والحمد لله في غنى عنها ثم يزداد تساؤلا هل هنالك من مقدر يقدم لي مكافأة لقيامي بهذا العمل ومن هنا نرى بأن هذه التساؤلات والرد عليها يشير الى ان الاهمال يسود عامة الشعب بعدم اعطاء أحقية للخبرات قد جعل من أصحابها يفضلون دفنها في عقولهم لانها قد تعكس عليهم ضررا فيما لو تم استخدامها حيث ان وجود الموظف البارع في مزاولته لخبرته ضمن موظفين يعملون بصورة روتينية فهو شبه مستحيل فهو اما ان يهاجر الى بلاد تقدر ابداعه أو تعمل النيات المفسدة حوله بتلبيسه تهمة قد تؤدي به الى طريق قد يكون منتهاه هو نهاية حياته. إذاً تقدير الخبرات والابداعات يجب ان يكون من قبل المجتمع بأسره ولهذا فاننا جعلنا بداية الاهتمام تبدأ منذ الطفولة وحتى بلوغه سن الاعتماد على النفس لتكوين شعب محب للتعلم والاكتساب يستطيع بقوته الفنية ان يحقق فوزا في قصب المنافسة التكنولوجية القائمة حاليا في العالم. اما العامل الرابع أو لنقل المرض الرابع وهو الهدر وهو ما يمكن ان نسميه استنفاذا للمقدرات او الطاقات الموجودة بدون مقابل وهو ما يمكن ان يفسر محاسبيا دفع أو زيادة لا لزوم لها في حساب التكلفة فهو اما ان يظهر او تعمل بعض الدول على تغطيته من ايرادات متوقعة وقد تكون وهمية مع العلم بأن التعرف على الهدر واسبابه وحجمه وكيفية علاجه فهي من الامور المهمة خاصة ونحن نعيش في عصر تعصره الازمات الاقتصادية اضافة الى رغبة الدول الصناعية بالتوسع في ايجاد المزيد من الاسواق لمبتكراتها الحضارية نتيجة لتطبيق سياسة العولمة لكي تستطيع تحقيق مآربها الاقتصادية من خلالها. إذاً ما هي الحالة البديلة لحالة رفع معدلات الايرادات أليس من أهم هذه البدائل هو معالجة الهدر بدءا من معرفة الأسباب ولعل من أهم هذه الأسباب هو ضعف الدخل بالنسبة لعامة الشعب ولكن المستفيد من التعويض عن هذا الضعف هو فئة قليلة من الناس وهم بالواقع المسببون لهذا الهدر بالتالي وهم المسببون عن انخفاض معدلات الدخول بالنسبة لمعظم افراد الشعب، لابد ان هؤلاء المسببون هم الذين يشكلون حجرا عثرة ضد أي حركة اصلاحية تريد ان تتخذها الحكومة او اي جهة كانت سواء من القطاع العام او الخاص او من قبل أية فعالية اقتصادية كانت بسبب سياسة تضارب المصالح وما ينجم عنه العجز في ايجاد الموارد اللازمة لتغطية النفقات اللازمة لتحسين معدلات الدخول وهنا اريد ان اؤكد على ناحية هامة وضرورية بأنه من بين عوامل الاصلاح الاقتصادي حسب مبدأ الافضلية هو عامل معالجة الهدر لانه هو الدواء الارخص ثمنا والاسرع تأثيرا من بين العوامل الكبيرة الاخرى. وأما الاصلاح الرابع في سلم الاولويات هو الاستخدام الامثل للامكانيات المتوفرة وهنا يتفرع الموضوع الى فرعين الاول هو تقدير اهمية الشيء بحيث لا يستخدم الا في حدود الامكانيات والنوعيات التي تستطيع ان تحقق من خلالها اهدافا اقتصادية معينة والناحية الثانية هو اجراء المقارنة الصحيحة فيما بين الاشياء بحيث نستطيع الربط فيما بينها بالشكل الذي يخدم مصالح كل منهما ويمكن ان نورد الامثلة على كل من الحالتين فالمثال الذي يمكن ان نورده على الحالة الاولى يتمثل في رغبتنا في جعل الكميات المراد زراعتها من القطن وهو الصنف الزراعي الرئيسي في بلادنا ويطلق عليه الذهب الابيض يساوي الى حاجة الاستهلاك المحلي والى حاجتنا التصديرية سواء ما كان يتعلق منها بتصديره كمادة أولية أو تصديره لسلع مصنعة من مادة القطن ضمن مواصفات تتطلبها الاسواق العالمية كالجرابات وقمصان وبيجامات وبشاكير وأغطية أسرة. أما المثال على الحالة الثانية ألا وهي اجراء المقارنة ما بين الانشطة الاقتصادية المختلفة تبعا للتطورات السريعة للظروف العالمية، فمثلا المساحة الخضراء في سوريا محدودة حيث سوريا تعتبر من المناطق الشبه قاحلة أو جرداء وعليه فانه يتوجب علينا معرفة الفائدة الحاصلة عن استغلال كل بقعة باتباع اسلوب المقارنات فمثلا نحن نعتبر ان القطن هو الذي يجب ان يمنح الاولية في سلم الاولية من هذه المساحة الخضراء ولكن باجراء المقارنة ما بينه وبين زراعات اخرى قد يجعلنا نقلل من زراعة القطن لنقوم بزراعة مواد اخرى نحن بحاجة اليها لدعم صناعة اخرى قائمة كصناعة الاغذية كالحالة التي تجبرنا على زيادة زراعة نوع خاص من الحمضيات تؤهلنا لاستخراج المنكهات اللازمة لصنع العصائر والتي نقوم باستيرادها من الخارج.

طباعة Email