الاحد 4 صفر 1424 هـ الموافق 6 ابريل 2003 اهتمت النظريات الاقتصادية الحديثة كثيرا بالدور الذي يلعبه قطاع المال في التنمية، وذلك بعكس النظريات الاقتصادية القديمه، التي كانت تعتبر ان هذا الدور هو دور محايد، وربما يكون سلبيا ايضا في بعض الاحيان. وفي بحث رائد عن اهمية الدور الذي يلعبه القطاع المالي في التنمية الاقتصادية يرى جورلي وشو Gurley & Shaw ان اهمية القطاع المالي برزت من خلال ثلاث وظائف رئيسية. الوظيفة الاولى هي بروز النقود كوسيط في المبادلات التجارية بدلا من المقايضة السلعية المباشرة مما اسهم في توسيع اشكال المبادلات التجارية وتعظيمها على مستوى الدول. والوظيفة الثانية هي دور الوساطة الذي تلعبه النقود بين الشركات والمؤسسات التى تمتلك فائضا نقديا وتلك التى تعانى من عجز نقدي او مالي (ولا يقتضى هذا الدور وجود مؤسسات مالية وسيطة كما هو الحال في المرحلة الثالثة). فالشركات والمؤسسات التى تملك فائضا ماليا باستطاعتها من خلال ما توفره من نقود ان تقوم باقراض الشركات او المؤسسات التى تعاني من عجز مالي وهذه الوظيفة تسهم في زيادات مستويات النشاط والانتاج لان الاموال المتوفرة في الاقتصاد سوف يزداد تشغيلها. بموجب الوظيفة الثالثة فان مؤسسات التمويل الوسيطة مثل البنوك وبنوك الاستثمار ومؤسسات الائتمان والادوات المالية والاسواق المالية سوف تلعب دورا رئيسيا في تقديم خدمات اكثر تخصصا مصممة لتلبية احتياجات مختلف العملاء سواء من حيث الآجال او الفائدة او طرق التسديد او العملة، وبالتالي فان وظيفة المدخر الذي يريد ان يوظف امواله دون ان يتكبد مخاطر الاستثمار تتحقق بشكل كفء وكبير مما يشجع كافة المدخرين - وليس المستثمرين فقط - على توظيف اموالهم في مؤسسات التمويل الوسيطة التى سوف تتولى تشغيلها وتوظيفها نيابة عنهم وبالطريقة او الشكل الذي يختارونه. وهذه الوظيفة الثالثه كما يلاحظ تركز على كفاءة استخدام الاموال الفائضة بما يخدم التنمية الاقتصادية. ان اهمية القطاع المالي بدول مجلس التعاون الخليجي تزداد القيمة بالمقارنة مع بقية الدول النامية وذلك يعود باعتقادنا لعاملين اساسيين العامل الاول وهو كون دول المنطقة تعتمد في تمويل برامج التنمية الاقتصادية على مورد مالي يجيء من تصدير سلعة واحدة وبالتالي فان أي تقلبات في هذا المورد لاي سبب كان سوف يعرض تلك البرامج للخطر ايضا. وبالتالي فان بامكان مؤسسات واسواق المال بدول المنطقة توفير العديد من المنتجات والادوات التى بامكانها ان تسد الثغرات الناجمة عن عجز بالتمويل وبالتالي اضفاء الاستقرار على تنفيذ السياسات المالية والنقدية والبرامج الانمائية. اما العامل الثاني لاهمية دور مؤسسات واسواق المال الخليجيه فهو رفع كفاءة استخدام الموارد المالية المتوفره من خلال توظيفها في مشروعات ومنتجات منتجة وتدر عوائد مجزية. ولدى محاولة تقييم الادوار التى يقوم بها القطاع المالي بدول المنطقة بالمقارنة مع الوظائف التى يقوم بها القطاع المالي عند بلوغه مراحل متقدمه من التطور كالمرحلة الثالثة التى تطرقنا اليها اعلاه، خاصة فيما يخص دوره - أي دور القطاع المالي - في اضفاء الاستقرار على تنفيذ برامج التنمية وتحسين كفاءة استخدام الاموال الفائضة يمكننا ملاحظة غياب عدد من المؤسسات والاسواق والادوات الضرورية لاستكمال البنية المالية التحتية مما يؤدي الى وجود بعض الثغرات والضعف في الدور الذي يلعبه القطاع المالي الخليجي في تنفيذ هذه الادوار. ففيما يخص المؤسسات يبرز بشكل واضح غياب او ضعف دور بنوك الاستثمار على مستوى الاسواق المحلية. ان بنوك الاستثمار تلعب كما هو معروف دورا رئيسيا في تلمس احتياجات المستثمرين المختلفة (سواء الاستثمار في مشروعات حقيقية او في موجودات مالية) ومن ثم القيام بمساعدته على دراسة هذه الاحتياجات والوصول الى تحديد احتياجاتهم بشكل اكثر دقة ومن ثم تجديد عوامل النجاح والفشل وعرض الدخول معهم في تمويلها، والمساعدة في تقديم خدمات التقييم والترشيد والتسويق في وقت لاحق. كذلك توجد حاجة الى شركات الاستثمار ذات الدور الفاعل او ما يسمى Entrepreneurship بحيث تساهم بالتعرف على فرص الاستثمار ومبادره الانفاق على دراستها ثم طرحها في السوق. وكذلك شركات الوساطة المالية والمؤسسات المسماة Capital Venture التى تتولى رعاية وتمويل اصحاب الافكار الاستثمارية المبدعة وتسهم في توفير التمويلات الضرورية بهدف طرحها في وقت لاحق للجمهور في اكتتابات عامة. كما توجد حاجة ضرورية ايضا لتعزيز دور المؤسسات المكملة للبنية المالية التحتية مثل مؤسسات التدقيق والمحاسبة والمشورة الادارية والمالية ووكالات تثمين الجدارة الائتمانية ووكالات تشجيع الاستثمار التى تساهم جميعها في تأمين الشفافية والدقة في الافصاح المالي. كما ان هناك ايضا مؤسسات التقاص وتسوية التدفقات المتصلة بعمليات السوق المالي. اما بالنسبة للأدوات والمنتجات، فمن الملاحظ بصورة واضحة ان التداول في اسواق المال الخليجية يقتصر في الوقت الحاضر على الاسهم بشكل رئيسي حيث تغيب ادوات الدين باشكالها المختلفة وكذلك ادوات المشتقات Derivatives . وجميع هذه الادوات تعكس وظائف ماليه مهمه تلبي احتياجات معنية لجمهور المدخرين والمستثمرين وان غيابها يعنى وجود ضعف في تلبية هذه الاحتياجات. وبالنسبة للاسواق، فصحيح ان العديد من الدول العربية لجأت الى تنظيم التداول في الاوراق المالية سواء من خلال انشاء البورصات او غيرها من اشكال التنظيم والتنسيق، الا ان هذه الاسواق لا تزال ناشئة ومحدودة الوظائف والادوار وتتسم بالصغر نظرا لضآلة عدد الشركات المساهمة ونسبة الاوراق المالية المعروضة والقابلة للتداول او التى يتم تداولها بالفعل. كذلك محدودية انواع الاوراق المالية المتداولة. وفي جانب الطلب يلاحظ تركز التداول في ايدي عدد محدود من المستثمرين مما يعرض التداول الى ممارسات وتحركات قد لا تكون موضوعية ولا تعكس العوامل الاساسية في السوق وانما العوامل الفردية. كما تفتقر هذه الاسواق الادوار المتخصصة لصانعي السوق والوسطاء الماليين الذين يقيمون الاسهم ويقدمون استشاراتهم وبحوثهم الفنية. كما ان التشريعات والقوانين التى تحمي مصالح صغار المستثمرين لا تزال بحاجة الى تطوير واستكمال.. ان اهمية تطوير مؤسسات وبنوك واسواق للقطاع المالي بدول المنطقة تتزايد في الوقت الحاضر بفعل التغيرات الهيكلية التى تشهدها اقتصادات هذه الدول. فهذه الدول تلجأ بصورة متزايدة الى الاقتراض سواء من الاسواق المحلية او الخارجية لتمويل مشاريع التنمية. وهذا يعنى ان الحاجة الى خدمات القطاع المالي في تزايد، ويستوجب تطوير وظائف وادوار هذا القطاع من خلال استكمال بنيته التحتية. كذلك الحال بالنسبة لبروز الاتجاهات العالمية المتسارعة نحو العولمة والانفتاح والتحرير الاقتصادي والمالي وازالة القيود من خلال اتفاقيات الجات. وهي اتجاهات ستعرض تجارب التنمية الخليجية الى تحديات جديدة، بامكان القطاع المالي الخليجي ومؤسساته واسواقه ان تسهم بفاعلية في مواجهتها والاستفادة بصورة ايجابية منها بدلا من الخضوع بصورة سلبية لافرازاتها. واخيرا فان الجهود المبذولة لتوسيع دور القطاع الخاص في التنمية وتنفيذ برامج التخصيص والاصلاحات الاقتصادية الاخرى جميعها بحاجة الى ادوار اكثر تخصصا للقطاع المالي. فالقطاع الخاص ينشد بصورة طبيعية تقليل مخاطر استثماراته في مشروعات التنمية. ان القطاع المالي بما يوفره من ادوات وتقنيات مالية متطورة بامكانه ان يلعب دورا رئيسيا في تقليل تلك المخاطر سواء من خلال ما توفره اسواق المال من خصائص التسييل والمتاجرة للاستثمارات المتداولة فيها او من خلال ما توفره عقود مقايضة اسعار الفائدة والعملات والآجال من ضمانات للمخاطر المصاحبة للتقلبات في اسعار الفائدة والعملات وغيرها. كما ان الترويج للاستثمارات الجديدة سيتم من خلال مؤسسات واجهزة متخصصة وكفؤة تملك الامكانات الضرورية لذلك. وهذه كلها تسهم في رفع كفاءة استثمار الاموال المتوفرة مثلما يسهم في زيادة حجمها واشكالها