الحرب والميزانية الفيدرالية الأميركية، بقلم: روبرت صامويلسون

الاحد 4 صفر 1424 هـ الموافق 6 ابريل 2003 تعيد الحرب في العراق كتابة التاريخ، من ناحية واحدة على الأقل. وهناك علاقة وطيدة جدا بين الحرب والدين. ويعود تاريخ أول استدانة حكومية منظمة إلى القرن الثاني عشر، عندما كانت المدن الايطالية المستقلة (البندقية، جنوة، فلورنسا وميلانو) بحاجة للدفاع عن أنفسها. ومنذ ذلك الحين إلى الآن لا تزال الحرب تولد ديونا هائلة. فالجيوش بحاجة الى تجهيزات وطعام وأجور ووسائل نقل. وفي الحرب العالمية الثانية، ارتفع دين الحكومة الاميركية بنسبة 465% - أكثر من خمسة أضعاف - وكانت الزيادة في الديون أكبر في الحرب العالمية الأولى (1980%) والحرب الأهلية الأميركية (4149,4%). وكان ذلك الوضع هو ذاته في كل مكان. ويعتقد المؤرخون ان احد أسباب انتصار بريطانيا في الحروب النابليونية (1800-1815) هو انها استطاعت ان تقترض بسهولة أكثر من فرنسا. وكان الفرنسيون قد دمروا سمعتهم المالية بطباعة كميات هائلة من الاوراق النقدية التي تكاد تكون عديمة القيمة. لكن الحرب في العراق تدحض هذه العلاقة المتينة. فالرئيس بوش طلب من الكونغرس الاسبوع الماضي 75 مليار دولار لتمويل الحرب. وعلى افتراض ان المبلغ كله جاء من الاقتراض، فانه لن يشكل سوى زيادة بنسبة 2% فقط على الدين العام الفيدرالي الاميركي الذي بلغ 5,3 تريليونات دولار. ان الولايات المتحدة دولة رفاهية وليست دولة حرب. فالبرامج الوطنية المحلية هي المحرك الذي يقود الانفاق - والدين - الحكومي. في عام 2002 شكل الانفاق العسكري نسبة 17% من اجمالي الانفاق الفيدرالي، بالمقارنة 62% في عام 1955. وبالطبع فان تكاليف الحرب قد ترتفع، وربما تتراوح بين 100 الى 700 مليار دولار، بحسب تقدير الخبراء الاقتصاديين في البنك الألماني. والرقم الاعلى 700 مليار بني على افتراض ان تدوم الحرب 12 شهرا ويعقبها احتلال لمدة خمسة اعوام قوامه 100 الف جندي اميركي وتتم عملية اعادة بناء هائلة (بتكلفة 498 مليار دولار). وحتى هذه التكلفة القصوى لن تضيف سوى زيادة متواضعة على الانفاق الفيدرالي الذي - في ظل السياسات الراهنة - يتوقع ان يبلغ 1,2 تريليون دولار هذه السنة و27 تريليون دولار على مدار العقد المقبل. وعندما يسأل الناس، «هل بمقدورنا تحمل تكاليف هذه الحرب؟» فهم في الواقع يعنون بذلك «هل بمقدورنا تحمل تكاليف هذه الحرب دون التخلي عن أي شيء آخر من مظاهر رفاهنا؟» هذا سؤال أصعب، لان الحكومة كانت أصلا قد الزمت نفسها تعهدات مفرطة قبل الحرب. أي ان الحكومة لا تستطيع دفع كل الاعانات المالية المستقبلية الموعودة (خاصة اعانات الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية للمسنين) بدون زيادة الضرائب بشكل حاد أو اختزال برامج اعانة أخرى. تكاليف الحرب وحدها طيعة ويمكن تدبرها. لكنها تفاقم الوضع السيء اصلا. وتيارات كلا الحزبين الرئيسيين في الولايات المتحدة تتجه الان الى تجاهل هذا الوضع والمضي قدما بالتزامات ميزانية جديدة وكأن الحرب لم تحدث. واقترح بوش برنامج اعانات جديدا مكلفا لتغطية تكاليف العقاقير في الرعاية الصحية والغاء الضريبة المفروضة على ايرادات اسهم الشركات الكبرى. وكما كان متوقعا فقد شجب الديمقراطيون خطة خفض الضرائب بوصفها سخية اكثر من اللازم مع الاثرياء ووضعوا خطط الانفاق - بما في ذلك اعانات العقاقير الدوائية بأنها شحيحة جدا. وتتعالى الآن اصوات تنتقد «اللامسئولية المالية». لكن بين الديمقراطية والجمهوريين تبدو «فجوة اللامسئولية» بلاغية اكثر منها واقعية. ان الديمقراطيين مستاءون من تخفيضات بوش الضريبية، لانهم يفضلون الاستفادة من هذا المال للانفاق. وخلال مناظرات الكونغرس الاسبوع الماضي، ظهر ان خطة ميزانية الديمقراطيين البديلة كان يمكن ان ترفع الانفاق بـ 911 مليار دولار فوق «الحد القياسي» (السياسة الراهنة) في الـ 11 سنة المقبلة، بما في ذلك الانفاق على اعانات عقاقير الرعاية الطبية. وعرضت ميزانيتهم كيفية الوصول الى توازن مالي بحلول عام 2011، باتباع سياسة تقوم في جوهرها على الغاء تخفيضات بوش الضريبية. وفي المقابل فان لجنة الميزانية في الكونغرس والتي يسيطر عليها الجمهوريون اقترحت خطة ميزانية تستبقي على التخفيضات الضريبية وتزعم امكانية الوصول الى حالة توازن بحلول عام 2013. وتعد خطة الميزانية التي مررها الكونغرس بالوصول الى التوازن المالي بحلول عام 2012 بالتغاضي عن خطة بوش بخفض ضرائب ايرادات الاسهم، والتي تقدر قيمتها بـ 376 مليارا على مدار العقد. لقد مرر مجلس النواب خطة ميزانية تستبقي على كل التخفيضات الضريبية وتقلص الانفاق بنسبة ضئيلة، وفي الوقت ذاته تعد ايضا بالوصول الى التوازن بحلول عام 2012. التغييرات التي شملتها هذه الخطة صغيرة، والتصورات التي طرحتها غير قابلة للتصديق. انها بعيدة جدا في المستقبل. قد تطرأ تغيرات كثيرة. فالاقتصاديون في معهد غولدمان ساكس يعتبرون تباطؤ النمو الاقتصادي في الفترة المقبلة أمرا مفروغا منه ويعتقدون ان الكونغرس سوف يغير «الحد الضريبي الادنى البديل» الذي - اذا ترك كما هو - سوف يرفع الضرائب تلقائيا. وفي ظل هذه الافتراضات، سوف تستمر العجوزات في الميزانية لفترة غير محددة. وبحلول عام 2013 سيشكل العجز حوالي 3% من الدخل القومي. ومن شأن هذا ان يفاقم مشكلة تكاليف اعانات المسنين. ثمة اختلاف جوهري بين ميزانيات الحروب ميزانيات الرفاهة الاجتماعية. فعندما كانت ميزانية الدفاع تهيمن على الاموال الحكومية، كان هناك انموذج مألوف: الدين الحكومي يزداد خلال الحرب ويتراجع خلال السلم. ولم يكن بوضع الناس دفع كل نفقات الحرب من خلال عصر الضرائب دفعة واحدة. لكن الدين الحكومي سمح بتوزيع الاعباء الضريبية الاضافية على عدة سنوات. ان قوة الاقتصاد الاميركي خرجت من هذه الحلقة. واصبح بالامكن الآن شن حرب كبيرة بدون ايقاع الفوضى في التدابير المالية الحكومية. لكن المفارقة هي ان هذه القوة ربما تكون لعنة خفية متنكرة. فالسياسيون لا يواجهون أزمة وشيكة. ويمكنهم اطلاق العنان لغرائزهم من أجل البقاء السياسي. إن ميزانيات الحرب ما هي إلا تمرين على ارضاء الحشود. فالعجوزات المالية قصيرة الأمد ربما تعكس اقتصادا ضعيفا، لكن العجوزات المتواصلة تعكس شغفا بالمماطلة. لا تضعوا قرارات صعبة. احرصوا على استرضاء جماهيركم الانتخابية. لا تجرحوا مشاعر المسنين بالعبث بتعويضات تقاعدهم. عندما يتوصل مجلس النواب ومجلس الشيوخ قريبا الى التوفيق بين ميزانياتهما المتضاربة، فان الغرض الاكبر سيكون لصالح المسار السياسي الاقل معارضة. انقاص الانفاق قليلا عما يريده مجلس النواب وانقاص الضرائب قليلا عما يريده مجلس الشيوخ.

طباعة Email