الاحد 27 محرم 1424 هـ الموافق 30 مارس 2003 إذا كانت أحداث سبتمبر عام 2001 قد شكلت صدمة عنيفة للعالم بأسره وللمجتمع الاقتصادي الدولي خاصة وذلك لما كان لها من انعكاسات وتداعيات وخيمة على الأمن والاستقرار العالميين، فإن الأزمات والانهيارات الاقتصادية التي شهدتها الساحة الاقتصادية الأميركية خاصة كان لها آثار أكثر خطورة من أحداث سبتمبر، فانهيار شركة (إنرون) وشركات التدقيق والمحاسبة الأميركية قد شكل أزمة اقتصادية حقيقية وصدمة عنيفة ليس للمجتمع الاقتصادي والتجاري الأميركي وإنما للمجتمع الاقتصادي الدولي.لقد كشفت تلك الأحداث حجم الجرائم الاقتصادية التي كانت تتفاعل في جسد المجتمع الاقتصادي الأميركي والتي تمثلت في التحايل والتلاعب والفساد المالي وتجسد هذا أكثر في تفشي الفساد الإداري والمالي وتفشي الرشاوى والاختلاسات وجرائم غسل الأموال والابتزاز المالي، وقد انعكست هذه الجرائم على معدلات النمو الاقتصادي وتراجع معدلات الاستثمار وانخفاض معدلات الشفافية المالية في العالم. أما الامارات وفي اطار سعيها نحو استقطاب رؤوس أموال واستثمارات أجنبية، وفي اطار تحفيز وتشجيع رؤوس الأموال الاماراتية للاستقرار في سوق الامارات ولا سيما رؤوس الأموال الخاصة بهدف الاستفادة منها في تعزيز الاقتصاد الوطني، وترجمة لسياسة الباب المفتوح وحرية السوق واعتمادها لسياسة اقتصادية مرنة في تعاملها مع الأسواق العالمية والاستثمارات الأجنبية فإنها تعمل جاهدة لاستصدار قانون لرؤوس الأموال والاستثمارات الأجنبية، ومن هنا فإن الامارات مطالبة باتخاذ اجراءاتها التشريعية والقانونية والأجنبية واعادة هيكلة مؤسساتها حماية لاقتصادها الوطني وسوقها المالية من تداعيات وانعكاسات الجريمة الاقتصادية وخاصة التلاعب والاحتيال المالي وذلك على مختلف اشكالها وألوانها ثم لحماية الاقتصاد الوطني من محاولات المنظمات والشركات التي تستهدف من خلال ممارستها وارهابها المالي والاقتصادي الاقتصادات الناشئة للسيطرة عليها ونفض أسواقها من العملة الصعبة، ومن هنا فإن مؤسسات الدولة الاتحادية والمحلية الاقتصادية والمصرفية والأمنية والإدارية يجب أن تعمل على وضع اطار قانوني تشريعي تنظيمي يأخذ في عين الاعتبار التطور النوعي في التقنيات والمعلومات المستخدمة في جريمة التلاعب والاحتيال المالي في العالم، والحيلولة دون تسرب وتفشي هذا النوع من الجريمة إلى أسواقنا، ثم محاصرة الفساد الإداري والمالي ومواجهته ومعالجته كي لا يتغذى على سمعة سوقنا المحلية ومصارفنا ومؤسساتنا المالية ثم على اقتصادنا الوطني وكي لا يفضي هذا إلى انهيارات وتشوهات مسيرة الاقتصاد خلال الفترة الحالية والمستقبل خاصة بعد أن تشهد الساحة العالمية تدفقا رأسماليا عبر الحدود من خلال شركات الاستثمار العالمية باسم اتفاقية منظمة التجارة العالمية وعولمة الاقتصاد في العالم، وحرصا من نقل بذور الانهيار للاقتصادات الناشئة، ومنها اقتصاد الامارات وفيما إذا لم يتم تحصينه بالقدر الكافي. ومن تلك الجذور تأتي جريمة التلاعب والاحتيال المالي في الشركات والمؤسسات والمصارف كما حدث خلال السنوات الماضية، ثم جرائم غسل الأموال وتبييضها (أموال المخدرات والبغاء والسرقات ...) التي وفي ظل التسابق المحموم بين دول المنطقة على استقطاب رؤوس أموال واستثمارات أجنبية فإن هذه الأموال سوف تجد طريقها إلى أسواقنا وتخرج دون أية مساءلة أو اعتراض الأمر الذي يشكل اساءة مباشرة إلى سمعة سوقنا المالية، ثم إن قيام الدول الصناعية والمتطورة تقنيا واداريا بمحاصرة جرائم التلاعب المالي من خلال تشريعات وقوانين صارمة ورقابة دقيقة وشديدة في مناطقها سوف تفضي إلى قيام عصابات هذا النوع من الجرائم بالتحول إلى مجتمعات وأسواق مالية واقتصادية لا تملك قوانين صارمة بالقدر الكافي وليس لدى العاملين فيها وعي دقيق بأساليب وتقنيات التحايل والتلاعب المالي، الأمر الذي يثير تساؤلا حول كيفية مواجهة الامارات لجرائم التلاعب المالي الدولية في حال اختراق تلك العصابات لأسواقنا وأصبحت معدلات هذا النوع من الجرائم تسجل أرقاما تصاعدية بفعل السيطرة الأجنبية على مؤسساتنا العامة والخاصة، وفي ظل ضعف ومحدودية التشريعات الاقتصادية وفي ضوء تباين الاجراءات الأمنية وفي ظل ضعف الوعي بالأساليب الحديثة للتقنية والتي تتخذها عصابات مافيا هذا النوع من الجريمة أداة حديثة ومتطورة لممارسة جرائمها واستباحة الأسواق العالمية ولا سيما الأسواق الناشئة!! إن جريمة التلاعب المالي أصبحت ظاهرة دولية وحقيقة ملموسة تعاني منها مختلف المجتمعات الاقتصادية والمالية في العالم وأصبح التعاون الدولي بالتالي أمرا ضروريا لمواجهة تداعيات هذه الجريمة للحد من تأثيراتها وتداعياتها وانعكاساتها الخطيرة لا سيما في ظل التطور السريع والمذهل في مجال التقنية الحديثة التي توظفها عصابات الاحتيال المالي في تحقيق أهدافها، واذا تركت المؤسسات المعنية في الامارات هذا الأمر ولم تتخذ اجراءات حقيقية لمواجهة هذه المشاكل قبل استفحالها فإن الأمر سوف يصبح خطيرا للغاية خاصة واننا لن نتمكن من السيطرة على مفاتيح التقنية الحديثة، ثم ان مجتمعنا الاقتصادي الصغير والناشئ كان ولا يزال هدفا لنشاط عصابات المال وجرائم التحايل والابتزاز المالي، وقد شهدت الامارات العديد من الجرائم من هذا النوع كان ضحيتها عدد من المصارف والمؤسسات المالية والأفراد والشركات، ولصيانة وتحصين اقتصادنا من هذا النوع من الجريمة يمكننا اتخاذ الاجراءات والسبل التالية: ـ توعية مؤسسات القطاع العام والخاص على حد سواء وكذلك شريحة الافراد وخاصة المتعاملين في السوق المحلية بشكل مباشر بطبيعة جريمة التلاعب أو التحايل المالي وانعكاساتها وتداعياتها وطرق وأساليب التحايل المالي وكيفية مواجهتها وتتم هذه التوعية من خلال تنظيم مؤتمرات وندوات وملتقيات تشارك فيها مختلف المؤسسات والأفراد المعنيين والمستثمرين وتستقطب لها نخبة من الخبراء الماليين والأمنيين من منظمات دولية لإلقاء محاضرات والمشاركة في ندوات تتعلق بهذا النوع من الجريمة. ـ أهمية مكافحة هذه الجريمة في مؤسساتنا وشركاتنا ودوائرنا ومصارفنا من خلال مراجعة القوانين والأنظمة والتشريعات المالية والاقتصادية والمحاسبية والمصرفية وتحديثها لتواكب التطور السريع في التقنية الحديثة وثورة المعلومات التي يشهدها العالم، كما تجدر هنا الاشارة إلى اهمية وضع قوانين وأنظمة جديدة لسد النقص التشريعي والرقابي في الدولة للحيلولة دون تفشي ظاهرة الجريمة الاقتصادية ومنها جرائم التلاعب المالي، مع أهمية استحداث مؤسسات وادارات خاصة بهذا الشأن ومنحها تفويضا وصلاحيات قوية. وهذا لا يمكن أن يأتي إلا وفق قناعات تامة من قبل المسئولين والمعنيين بالدولة بأهمية محاربة ومواجهة هذا النوع من الجريمة. ـ أهمية تعاون كافة مؤسسات القطاع العام المحلية منها والاتحادية، ثم مؤسسات القطاع الخاص ولا سيما المصارف لتوخي الحذر ولا سيما عند قبول ودائع ما أو تحويلات ما من والى أسواقنا، ثم أهمية أن يكون هناك تطبيق فعلي لتلك القوانين والتشريعات من قبل مؤسسات المجتمع الاقتصادي وصولا لتحقيق الاستقرار والأمن المالي والاقتصادي في سوقنا المحلية، ولضمان عدم حدوث اختراقات وتجاوزات تؤدي إلى تصدعات فعلية في السوق تستغل من قبل عصابات ما. ـ أهمية أن تكون هناك اصلاحات جذرية واعادة هيكلة مؤسساتنا العامة والخاصة من خلال استراتيجية تعتمد الشفافية في التطبيق، والتوطين في التفعيل، ومعايير الكفاءة والجودة والقدرة والمتابعة، واستئصال كافة اشكال البيروقراطية والروتين في مؤسساتنا العامة والخاصة، ثم وضع آلية سريعة ومجدية لمواجهة كافة أشكال الفساد المالي. ـ أهمية أن تكون البيئة الإدارية والمالية والتشريعية محصنة وتتضمن كل الأسباب لجعلها مضادة لجرائم التلاعب والتحايل المالي في الامارات حتى وان كانت هذه الجريمة مازالت في معدلاتها المحدودة في السوق المالية والاقتصادية بالدولة، فالفترة المقبلة التي سوف تشهد تفاقما في المشاكل والأزمات الاقتصادية والمالية واستفحالا للجرائم الاقتصادية والمالية، سوف يكون لها مضاعفات وانعكاسات خطيرة على المجتمع الاقتصادي الدولي ومنها الامارات. ـ أهمية اطلاق يد ديوان المحاسبة باعتباره جهة رقابية، ثم أجهزة الرقابة والتدقيق المالي بامارات الدولة لمراقبة مؤسساتنا والتحقق من جرائم المال، والتلاعب المالي، في مؤسساتنا ثم التعاون مع الجهات القضائية والأمنية لمواجهة كافة أشكال الفساد الإداري والمالي حيث تؤكد المعطيات الحالية ان هناك تجاوزات خطيرة في مؤسساتنا تتطلب التدخل المباشر والصريح من قبل سلطات اتخاذ القرار النافذ والتعاون الفعلي مع ديوان المحاسبة لاحتواء تلك التجاوزات واتخاذ خطوات رقابية وقائية ضد تفشي ظاهرة الفساد والتلاعب المالي والإداري