الاحد 27 محرم 1424 هـ الموافق 30 مارس 2003 تواجه الاقطار العربية كافة رياح العولمة والتحرير الاقتصادي وقيام التكتلات الاقتصادية الكبرى مع دخولها الالفية الجديدة، وهي لا تزال تعيش حالة من التشتت والضعف، ولعل احد العوامل الرئيسية التي سهلت بروز تلك الحالة واستمرار تفاقمها وكذلك احتمالات ظهورها مجددا في المستقبل حتى في حالة اتمام مصالحة سياسية عربية هو ضعف البنى المادية والاقتصادية التي يستند اليها العمل العربي المشترك في ميادينه الاخرى. إن دول الخليج العربية والتي باتت مستهدفة وبصورة متزايدة من قبل نوايا عالمية غير مشروعة بامكانها ان تتبنى وبصورة مشتركة استراتيجية فعالة لمواجهة تلك النوايا وذلك من خلال تعزيز وتوثيق تكاملها المادي والاقتصادي مع الدول العربية الاخرى. إن هذه الاستراتيجية تمثل ضمانة فاعلة تساعد دول الخليج العربية ومعها الدول العربية الاخرى على التخلص من التفكك في علاقاتها وبنائها على أسس أوطد. وغالبا ما يتم ربط الحديث عن السوق الشرق أوسطية ـ بصورة أو بأخرى ـ بتدفق التمويلات الخليجية التي تسهم في اقامة مختلف المشروعات المطروحة في اطار تلك السوق. اننا نستذكر هنا موقف الامارات والذي حذر بكل وضوح من هذه المسألة وعدم جدواها، بل وخطورتها الاقتصادية. فلا يوجد هناك ما يبرر قيام رؤوس الاموال الخليجية بتمويل مشروعات تنافس وتهدد الكثير من الصناعات التي اقامتها بنفسها في بلدانها. وعوضا عن ذلك فإنه بامكان دول المنطقة ان تتبنى استراتيجية ناجحة تهدف الى ربط تدفق تمويلاتها ومعوناتها التنموية في الاقطار العربية بموضوع تشجيع تصدير الكثير من السلع والخدمات المصنعة في بلدانها الى هذه الاقطار. ومن المعروف ان دول الخليج العربية ونظرا لتشابه هياكلها الاقتصادية انتجت العديد منها نفس الصناعات القائمة على النفط والغاز ومشتقاتهما. كما ان هناك المئات من الصناعات الخفيفة والغذائية والمتشابهة في هذه الدول. واذا ما اخذنا بالاعتبار محدودية حجم الاسواق المحلية يصبح من الطبيعي ان تبحث منتجات جميع تلك الصناعات عن اسواق خارجية. ان هذه المنتجات ونظرا لملائمة اسعارها وجودتها بإمكانها ان تجعل من الاسواق العربية منفذا تسويقيا رئيسيا لها خصوصا اذا ما تم اعادة صياغة البرامج التسويقية الموجهة لهذه الاسواق في اطار وجود اشكال اوثق من التعاون الاستثماري والتجاري والاقتصادي مع الدول العربية كوجود البنوك المشتركة والاتفاقيات المتبادلة لضمان الصادرات والاستثمارات ووسائط النقل والشحن والتأمين المشتركة. إن الاموال الخليجية يجب ان توجه بالدرجة الاولى الى هذه الاشكال لتخدم بصورة اكبر التوجهات التنموية الخليجية. بهذا المعنى فان التكامل الاقتصادي العربي يصبح عنصرا رئيسيا في استراتيجية التنويع الاقتصادية والتنمية في دول الخليج العربية، وبالتالي اساسا حيويا لأمنها الاجتماعي على المدى البعيد. وبقدر ما تتعقد جهود ومحاولات توحيد الصفوف العربية وتعزز التضامن العربي يبقى الاقتصاد هو المدخل الاكثر عملية وفاعلية لتحقيق هذه الاهداف ولعل سياسة الزيارات المكوكية للوفود التجارية العربية التي تشهدها أكثر من عاصمة عربية في الوقت الحاضر هي شاهد على ما نقول. كما ان دول الخليج العربية اذا ما ارادت ان يكون لها دورها الريادي والمؤثر في تحقيق اهداف توطيد وتعزيز الصفوف العربية فان ما تتبناه من سياسات اقتصادية تكاملية مع الدول العربية يمكن ان تجسد بصورة فاعلة هذا الدور. كما ان دول المنطقة تمتلك الكثير من الامكانات التي يمكن ان تستثمر لصالح التكامل الاقتصادي العربي وليس المقصود هنا فقط الفوائض المالية وخاصة لدى القطاع الخاص بل والامكانات الصناعية والخدمية والتصديرية والسياحية التي يمكن ان تتشابك مع ما تتمتع به الدول العربية الاخرى لتوليد مشروعات ذات جدوى اجتماعية واقتصادية أكبر