الاحد 27 محرم 1424 هـ الموافق 30 مارس 2003 بالرغم من أن مفهوم التنمية في دول مجلس التعاون كما هي في الدول النامية عامة يرتبط ارتباطا وثيقا بتحسين مستوى المعيشة، والرفاه الاجتماعي إلا أن هذه الدول استلهمت هذا المفهوم والطريق لتحقيقه من أوضاعها الخاصة التي جعلت فرص وتحديات التنمية فيها تختلف عنها في معظم الدول النامية. فبينما تتمتع هذه الدول وبدرجات متفاوتة بموارد نفطية كبيرة فإنها تعاني وبدرجات متفاوتة أيضا من شحة مواردها الأخرى الطبيعية والبشرية وهي تعتمد ومازالت تعتمد على ثروة نفطية ناضبة هي الأساس في توليد الدخل. هذه الثروة أتاحت لهذه الدول نموا مستمرا في إيراداتها العامة مما أدى إلى الارتفاع المستمر والمتواصل لمستويات الدخل في هذه الدول. إن تحسين مستوى المعيشة في الحقيقة يتحقق برفع مستوى إشباع حاجات الإنسان الأساسية والثانوية وذلك بزيادة وتنويع السلع والخدمات المتاحة ورفع مستوى قدرة الفرد على تلبية احتياجاته من بعض السلع والخدمات المتاحة حيث تتيح التنمية الاقتصادية والاجتماعية زيادة وتنويع السلع والخدمات المتاحة ونمو وتنويع فرص العمل المجزي ورفع مستوى الدخل الحقيقي والعدالة في توزيعه وبالتالي تحسين قدرة الفرد على تلبية حاجاته من بعض السلع والخدمات المتاحة. ومن ناحية أخرى فهناك مسألة إشباع حاجات الإنسان الثانوية أي غير المادية التي تتعلق بنوعية الحياة والتي من شأنها أن تسهم في خلق الإنسان الجديد فتعتمد على زيادة وتحسين فرص العدالة الاقتصادية والاجتماعية والمشاركة الجماهيرية في العملية السياسية. لقد وفرت دول مجلس التعاون وبدرجات متفاوتة خدمات اجتماعية مجانية أو بأجور رمزية في التعليم والصحة والأسرة والطفولة والشباب كما تبنت مشاريع للمساعدة في تأمين السكن ووفرت المياه والكهرباء لقاء رسوم رمزية وخصصت اعتمادات متزايدة لدعم أسعار سلع استهلاكية أساسية وكفلت الوظائف العامة للمواطنين وقد تم كل ذلك في إطار سياسة الرفاه الاجتماعي. وللتخفيف من الاعتماد على الثروة النفطية وتأمين مصادر بديلة لتوليد الدخل استأثر التصنيع باهتمام خاص في إطار جهود هذه الدول لتنويع قاعدة النشاط الاقتصادي خارج القطاع النفطي. وتأسيسا على ذلك، اتجهت هذه الدول إلى قياس مدى اعتمادها على النفط بنسبة مساهمته في إجمالي الناتج المحلي، لذلك اعتبرت اتجاه ارتفاع أو انخفاض هذه النسبة مؤشرا على اتجاه زيادة أو انخفاض اعتمادها عليه. وفي إطار تحليل هذا المؤشر أو النسبة هناك أمران يجب ملاحظتهما وهما: ـ الأول اعتبار نسبة مساهمة النفط في إجمالي الناتج المحلي معيارا لمدى الاعتماد على النفط. ـ والثاني اعتبار كل الإيرادات النفطية دخلا بالمعنى المتعارف عليه للدخل. حيث يعتمد الناتج المحلي الإجمالي بالدرجة الأولى على الإنفاق العام والذي يعتمد بدوره على الإيرادات النفطية، لذا فإن ميل نسبة الناتج المحلي النفطي إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى الانخفاض لا تعني بالضرورة اتجاه اعتماد هذه الدول على النفط للانخفاض. إذ يمكن أن يزداد اعتماد الناتج المحلي الإجمالي على النفط بالرغم من انخفاض نسبة الناتج المحلي النفطي وعلى الأخص إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أثر الإنفاق العام الذي تموله الإيرادات النفطية. إن الخلط حاصل في قياس مدى الاعتماد على النفط بنسبة الناتج المحلي النفطي إلى الناتج المحلي الإجمالي من جهة وسوء الفهم الحاصل في اعتبار كل الناتج المحلي الإجمالي بمثابة دخل بينما يتضمن هذا الناتج جزءا كبيرا هو ليس دخلا في المعنى المتعارف عليه اقتصاديا للدخل بل تحويلا للثروة النفطية إلى دخل وذلك أدى إلى الحيلولة في تمكين هذه الدول من معرفة المواقع الحقيقية في الطريق إلى التخفيف من الاعتماد على النفط. وتحسين مستوى المعيشة والرفاه الاجتماعي هو الغاية النهائية للتنمية وهذا يتطلب تنمية الموارد والأفراد والمؤسسات. وإن تحسين مستوى المعيشة والرفاهية الاجتماعية يتوجب النظر إلى التنمية كعملية مجتمعية تراكمية تتعلق بمختلف الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والإدارية (لأن الاهتمام بالإدارة ينبع من كونه عاملا مهما ووسيلة لتحقيق الجوانب الأخرى في المجتمع) وتتم في إطار نسيج من الروابط والتفاعلات المتبادلة بين مختلف هذه الجوانب والتي يشكل كل منها عاملا تابعا ومستقلا في نفس الوقت. وبغض النظر عن مدى القناعة بأهميته وضرورته فقد تبنت واستخدمت جميع دول مجلس التعاون التخطيط بكل أنواعه منهجا لتعزيز قدراتها على مواجهة الفرص والتحديات لتحقيق غاياتها وأهدافها في التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وفي نفس الوقت فإن التخطيط أداة إذا أحسن استخدامها تجعل عمليات التنمية أكثر إتساقا مع أهدافها. وبافتراض أن تخطيط التنمية يتم في ضوء استراتيجية للتنمية واضحة ومستقرة ومناسبة فإن أثر التخطيط يتوقف في حصاد التنمية على مدى نجاح العملية التخطيطية في جميع مراحلها ويعتمد مستوى النجاح هذا على محصلة التفاعل المتبادل بين العديد من العوامل. ومن هذه العوامل التركيز على تخصيص الموارد المالية حيث تتأثر العملية التخطيطية بالعلاقة بين الإنفاق العام الجاري والاستثماري والنشاط الاقتصادي خارج القطاع النفطي مما كان له التأثير الواضح على تخصيص الإنفاق العام وخاصة على الاستثمارات واعتباره الركيزة الأساسية لعملية التخطيط. ويعتبر ذلك من الشروط الضرورية لتحقيق النمو أو تنويع قواعد النشاط الاقتصادي ولكنه لن يكون لوحده كافيا حيث قد يؤدي إلى إضعاف الاهتمام بتوفير الشروط الأخرى الضرورية لتحقيق أهداف الاستثمارات. إن توسيع وتعاظم أدوار حكومات دول مجلس التعاون في مختلف مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية من أبرز التطورات التي شهدتها هذه الدول. وإن دور هذه الحكومات لم يقتصر على المجالات التقليدية المتمثلة بالأمن الداخلي والدفاع والخدمات الاجتماعية الأساسية مثل التعليم والصحة والإسكان وبناء الهياكل الأساسية الاقتصادية والاجتماعية اللازمة لتأمين مسيرة التنمية وتواصلها، لقد تعدى هذا الدور إلى مجالات الإنتاج المباشر وهذا صاحبه تزايد حجم هذه الحكومات المطلق ولكن لم يصاحب ذلك نمو مواز بالقدر المطلوب في القدرة الإدارية وتطور الموارد البشرية المواطنة. لقد أدى التطور السريع في دور الدولة إلى تحسين مستوى المعيشة المتمثل بتحسين مستوى الإشباع من الحاجات الأساسية والثانوية وهذا ما يمكن ملاحظته بارتفاع مستوى دخل الفرد في هذه الدول حتى وصل إلى ما يوازيه في بعض الدول المتقدمة ولو أن هذا المؤشر لا يعني بالضرورة أن السلع والخدمات هي فعلا متاحة إذ يتولد الجزء الأكبر من هذا الدخل ألا وهو الإيرادات النفطية قبل إنتاج السلع والخدمات اللازمة لإشباع الحاجات الأساسية من جهة ولأن إنتاج تلك السلع والخدمات يعتمد بالدرجة الأولى على الإيرادات النفطية في الجانب الآخر. وفي الحقيقة هناك عامل مهم آخر يلعب دورا هاما بل وأهم من كل العوامل الأخرى وذلك في مواجهة متطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية في دول مجلس التعاون ألا وهو تنمية الموارد البشرية، حيث أن العجز في الموارد البشرية يعتبر من أهم التحديات سابقا وحاليا وهي تتزايد مع زيادة معدلات النمو الاقتصادي والتقدم العلمي والتقني. إن جميع دول مجلس التعاون مازالت تعتمد وبدرجات متفاوتة على العمالة الوافدة في مختلف القطاعات وفي مختلف المهن وعلى مختلف المستويات لذلك يجب أن تعتبر تنمية الموارد البشرية من بين أهم الأولويات التي ينبغي أن تحظى بالاهتمام في إطار التخطيط لتنمية الموارد في هذه الدول. من المعلوم فإن صفات البشر تتأثر بعوامل كثيرة متشابكة ومعقدة ولعل التعليم والتدريب من بين أهم هذه العوامل فيما له علاقة بمتطلبات التنمية من القوى العاملة حيث يعتبر التعليم هدفا وفي نفس الوقت أيضا وسيلة لتمكين الإنسان من مواجهة الحياة بشكل أفضل، ومن هنا تنبع أهمية اتساق سياسات ونظم ومناهج التعليم والتدريب مع متطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية. إن الموارد البشرية للدولة تشكل أهم وأكثر العناصر تعقيدا في عملية التنمية. والأهمية تأتي من منطلق أن العنصر البشري في التنمية هو أحد العناصر الرئيسية التي يمكن من خلالها أن ننجح أو نفشل في تنفيذ أهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية. ويمكن القول بأن كفاءة تخطيط وتنظيم وتطوير وتدريب وتقييم أداء الموارد البشرية المشتركة في تنفيذ برامج التنمية هو الأساس لما يمكن أن يكون الأهداف المطلوبة في الاعتماد على العناصر الوطنية في التنمية. وهناك اعتبار آخر تنبع منه الأهمية الكبيرة للموارد البشرية الوطنية ألا وهو أن جميع برامج التنمية تهدف أساسا إلى رفع مستوى المعيشة وتحسين مستوى الخدمات وتوفير الأمن والحرية بمفهومها الشامل لجميع أفراد المجتمع، أي أن المواطن بذلك هو المنفذ والوسيلة وفي نفس الوقت هو المستهدف وصاحب المصلحة والمستثمر والمستهلك في آن واحد. لا شك أن من أهم المتغيرات المحلية التي تؤثر على مستقبل ومسار دول مجلس التعاون هو موضوع السكان والقوى العاملة حيث أن هذا الموضوع يمثل مصدر الخطر إذا لم يتم مواجهته والتخطيط بشكل عاجل لمعالجته. لقد طرح هذا الموضوع في دراسات وندوات ومؤتمرات عديدة وتم التنبيه إلى خطورته وضرورة وضع التصور الواضح والتخطيط السليم والسياسات العامة المناسبة للتعامل معه وذلك من خلال ربط صناعة الإنسان من خلال التعليم مع النشاطات الاقتصادية المنتجة وكذلك صياغة تلك النشاطات وتنمية معدلات نموها للاستيعاب والتأقلم مع السمات السكانية الواقعية لهذه الدول. إن سياسات التعليم في هذه الدول، رغم المكاسب العديدة التي حققتها، لم تستطع أن تواكب التغيرات والتطورات في النشاط الاقتصادي واحتياجاته من العمالة حيث استمر إزدياد أعداد مخرجات النظام التعليمي التي لا تتوافق قدراتهم وتخصصاتهم مع متطلبات التنمية. إن الركيزة الأساسية المؤثرة في موضوع السكان والقوى العاملة هي اختلال التركيبة السكانية وقوة العمل في دول مجلس التعاون والتي تشير مؤشراتها إلى خطورة استمرار هذه الإختلالات حيث تهدد سلامة وأمن واستقرار هذه المجتمعات خاصة بعد النتائج التي أفرزتها حرب الخليج والتي أدت إلى تغيير كبير في تركيبة العمالة الوافدة لصالح العمالة غير العربية