الاحد 20 محرم 1424 هـ الموافق 23 مارس 2003 رأت الدول الأوروبية أن توسع الهيمنة الاقتصادية الأميركية على أسواق العالم سيفقدها الكثير من المكاسب والامتيازات الاقتصادية، التي سبق لها أن حققتها خلال عقود مضت من الزمن خاصة أن المشروع الشرق أوسطي الذي طرحته الولايات المتحدة الأميركية لاحلال السلام في الشرق الأوسط والذي يركز على الدور الذي يمكن أن تلعبه اسرائيل في اقتصاد المنطقة يأخذ في الاعتبار المصالح الأميركية والاسرائيلية أولا، لذلك كان لابد من أن تعمل أوروبا من أجل أن تبقى الشريك التجاري الأول لدول منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط خاصة دول الضفة الجنوبية من الحوض، إذ انها ووفق الاحصاءات تستأثر بما يزيد على 40% من حجم ما تستورده لدول المنطقة، كما تستوعب الأسواق الأوروبية نحو 28% من اجمالي صادرات دول المنطقة، وقد كان هذا السبب أحد الدوافع القوية لأوروبا لسعيها نحو تنمية علاقاتها الاقتصادية مع دول جنوب شرق حوض البحر الأبيض المتوسط، من خلال انشاء منطقة ازدهار متقاسمة من شأنها تدعيم التنمية الاقتصادية في السوق المتوسطية عبر اتفاقات جديدة للشراكة والتبادل الحر، كما حسب ما اتفقت عليه الدول المشاركة في مؤتمر برشلونة إذ ركزت الدول المشاركة على العامل الاقتصادي باعتباره العامل الاستراتيجي الذي ستتأسس عليه الشراكة الأوروبية المتوسطية لذلك يشكل الجانب الاقتصادي محور وركيزة التعاون الاوروبي المتوسطي فيما يسمى الشراكة الأوروبية المتوسطية والتي تعني تداخل اقتصاديات دول جنوب المتوسط مع دول المجموعة الأوروبية في مجال اقتصادي أرحب وأوسع. اضافة الى ان الشراكة الأوروبية ـ المتوسطية تخدم التوجهات الأوروبية بدرجة أولى وأساسية، من خلال السعي لتحقيق النقاط التالية: ـ تطوير عملية الاندماج الاوروبي. ـ تدعيم ابراز الجماعة الاوروبية كقوة اقتصادية من خلال توسيع مناطق نفوذها لتشمل كل حوض البحر الابيض المتوسط. ـ تدعيم الموقف الاوروبي في عملية المنافسة الحادة مع القوى الاقتصادية العالمية الاخرى (كالولايات المتحدة، واليابان) وذلك من خلال العمل على اكتساب أعمق لمجالات أنشطتها التجارية والانتاجية، ومبادلاتها الخارجية. ـ الرغبة الاوروبية للعب دور مؤثر في السياسات العالمية، وتدعيم الاستقلالية الاوروبية في مواجهة الولايات المتحدة الاميركية التي تدعم بناء اتجاه شرق أوسطي في مناطق التبادل والتعاون الاوروبي ـ المتوسطي بشكل خاص. ـ تحقيق مزيد من الاندماج والتكامل في المجالات السياسية والاقتصادية والامنية من أجل تطوير حوض المتوسط الى منطقة للتعاون، ولضمان السلام والاستقرار على المدى الطويل. من هنا يمكننا فهم طبيعة الموقف الفرنسي والاوروبي ودوافعه من قرارات قمة عمان للشرق الاوسط وشمال افريقيا التي عقدت تحت رعاية الولايات المتحدة الاميركية، حيث أعلنت فرنسا عدم مشاركتها في انشاء بنك شرق أوسطي لصالح دفع الشراكة المتوسطية الرامي الى تعزيز التبادل التجاري والتعاون الاقتصادي والسبب في ذلك ان البنك الشرق اوسطي الذي روجت له الولايات المتحدة الاميركية في قمة عمان الاقتصادية كان يرمي ادخال دول منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا في علاقات تجارية واسعة من خلال حصول هذه الدول على قروض للاستثمار انما الهدف منه برأي دول الاتحاد الاوروبي خاصة فرنسا احتواء مشروع الشراكة الاقتصادية بين دول حوض البحر الابيض المتوسط الذي وافقت عليه الدول المتوسطية في قمة برشلونة. وتعتقد الدول الاوروبية المتوسطية الفاعلة انها تستفيد من الشراكة على الصعيد الاقتصادي نظرا لحجم الاسواق التي تشكلها المجموعة المتوسطية، وحاجتها الى العديد من المستوردات التي تتراوح بين سلع استهلاكية بسيطة، واخرى معقدة والى آلات وتقانات تساعدها في نهضتها التي تطمح اليها. اضافة الى ذلك فان الدول المتوسطية هي الاخرى ترى انه يمكن لها ان تحقق مصالح اقتصادية من مشروع الشراكة الذي وافقت عليه في برشلونة ويمكن اجمال الاهداف التي تتوخاها الدول المتوسطية من هذا المشروع فيما يلي: ـ فتح الاسواق الاوروبية امام صادراتها الصناعية من جهة، وتخفيض القيود المفروضة على الصادرات الزراعية بسبب حمائية السياسة الزراعية المشتركة لاعضاء المجموعة الاوروبية من جهة اخرى وبذلك ستضمن هذه الدول تحقيق فوائض كبيرة في مبادلاتها التجارية مع الدول الاوروبية. ـ الحصول على مساعدات وقروض انمائية لتمويل مشاريعها الى جانب تدفق رؤوس الاموال الاجنبية، وخاصة الاوروبية منها، اضافة الى دور البنك الاوروبي للاستثمار في هذا المجال. ـ تشجيع المساهمة في نقل التكنولوجيا من خلال المشاريع الاستثمارية الاوروبية على الاراضي العربية. واذا كانت دول حوض البحر الابيض المتوسط تختلف في الاهداف التي تتوخاها من الشراكة الاقتصادية حيث تهدف الدول الاوروبية المتوسطية الى الحفاظ على مصالحها الاقتصادية بالأساس الا ان الدول المتوسطية الاخرى خاصة دول الضفة الجنوبية من الحوض ترغب في ان ينتعش اقتصادها من خلال ما ستتحصل عليه من دعم اقتصادي ومالي وتكنولوجي من الدول الاوروبية ومع ذلك يبقى الهدف الرئيسي من طرح الدول الاوروبية مشروع الشراكة الاقتصادية على الدول المتوسطية هو التنافس الخفي والمعلن بين الولايات المتحدة الاميركية والاتحاد الاوروبي للسيطرة على اسواق المنطقة الاقتصادية، وقد ظهر هذا التنافس بوضوح في بداية التسعينيات، حيث تعارضت مصالح الولايات المتحدة مع المصالح الاوروبية من خلال مفاوضات الغات بالنسبة للسلع الزراعية. كما ان الاتحاد الاوروبي يرغب ان يلعب دورا في ادارة وتقرير شئون المنطقة التي يرتبط بها بعلاقات ثقافية واقتصادية وتجارية تعود جذورها الى اعماق التاريخ، خاصة وان الولايات المتحدة الاميركية طالبت دول اوروبا بأن ترفع ايديها عن منطقة الشرق الاوسط التي تعتبرها واشنطن منطقة نفوذ لها، لما لها من اهمية استراتيجية ونفطية هامة. وبالرغم من ان اتفاقية روما عام 1957 التي تم توقيعها من قبل الدول الاوروبية الست المؤسسة للمجموعة الاوروبية تركت الباب مفتوحا امام اقامة علاقات اقتصادية وسياسية وثيقة بين دول المجموعة والدول والاراضي التابعة لها عبر البحار، لكن علاقة الجماعة الاوروبية مع البلدان النامية ظلت على الدوام معقدة ومتعددة الاوجه، بسبب مواقفها وارتباطاتها المشار اليها آنفة الذكر من جهة، وبسبب السياسة التجارية التي تعتمدها المجموعة من جهة أخرى، والتي وفرت وضعا مميزا لبعض الدول مثل بعض الدول الافريقية وبلدان حوض الكاريبي والباسفيكي، في حين كانت دول اخرى لا تتمتع بأي امتيازات باستثناء الفوائد التي يمكن ان تحصل عليها من خلال النظام المعمم للأفضليات في تجارة المنتجات الصناعية، كما كانت للكثير من دول المجموعة الاوروبية علاقات تاريخية مع الدول المتوسطية، تستند في معظمها الى العلاقات التالية للحقبة الاستعمارية، فحافظت فرنسا على علاقاتها بالمغرب والجزائر وتونس ولبنان وسوريا، كما ارتبطت ايطاليا بصلات خاصة مع تونس، كما ارتبطت تركيا واليونان بعلاقات مع المجموعة بصفتهما عضوين في حلف شمال الاطلسي. وبناء على هذه الاعتبارات أقامت دول المجموعة صلات تعاقدية مختلفة عن طريق عقد اتفاقيات مع 12 بلدا من بلدان المنطقة السبع عشرة، ونتيجة لعدم وجود اتفاق داخل الجماعة حول خطوط عريضة مشتركة، فقد تفاوت نطاق هذه الاتفاقيات الشاملة الى حد كبير والمزاملة والتي لا تخلو من التعقيد، كما هو الحال بالنسبة لليونان وتركيا، وانتهاء بالترتيبات الخالية من الامتيازات والقائمة على منح كل طرف الطرف الآخر صفة (الدولة الاولى بالرعاية) وتحدد مضامين هذه الاتفاقيات بصورة رئيسية حسب حاجات البلد المعني والزمن الذي عقدت فيه الاتفاقية، فقد صيغت اتفاقيات الزمالة مع اليونان عام 1961، وتركيا عام 1963، ولاحقا مع قبرص ومالطا، لتؤدي في النهاية الى قيام اتحاد جمركي بينها، وبين الجماعة الاوروبية، اما بالنسبة لتركيا فكانت ثمة امكانية لان تنضم الى عضوية الجماعة الا ان اسبابا عديدة حالت دون انضمامها الى السوق الاوروبية المشتركة إذ رفضت معظم الدول الاوروبية العضوة في السوق الاوروبية المشتركة انضمام تركيا اليها لانها دولة اسلامية ولأنها دولة تنتهك حقوق الانسان كما تدعي هذه الدول. هذا وقد جرى ربط دول المغرب العربي (الجزائر، المغرب، تونس عام 1967) وكذلك المشرق العربي (مصر، سوريا، لبنان) اضافة الى اسرائيل ويوغسلافيا (سابقا) بالجماعة عن طريق اتفاقيات للتعاون، شملت هذه الاتفاقات التجارة والتعاون الصناعي والمساعدات المالية ولم ترق الى مستوى الشراكة الاقتصادية. بيد ان تعبير (مزاملة) في حالتي المغرب وتونس لم يخل من عدم الدقة، نظرا لان الاتفاقيتين المعقودتين معهما كانتا في الاساس للتعاون التجاري، وفي كل الاحوال شكلت جملة من الاتفاقيات المتباينة المرحلة الاولى من السياسة المتوسطية بعينها، وبين الجماعة، فقد حالت ثنائية الاتفاقيات واتساع نطاقها دون اقامة صلات وثيقة بين بلدان الحوض المتوسطي، وكانت تلك الاتفاقيات اولى المحاولات لصياغة سياسة متوسطية كلية لكنها لم تتحقق قبل حلول عام 1972، حيث شكلت نموذجا مبكرا للتعامل مع الحوض من منظور عام، وكانت هذه المحاولات احدى النتائج المترتبة على الاهمية الاقتصادية المتنامية للحوض نفسه، كما هدفت الى ضمان الاتساق بين اساليب التعامل الضروري والمتباينة مع الحوض، وكان من الضروري الاتفاق على مجموعة من القواعد والمعايير المشتركة لتحكم علاقات المجموعة مع المنطقة، كما جعلت آفاق التوسع التي بدت واضحة بعد عام 1973، من الضروري اعادة النظر في هذه الاتفاقيات.