الاحد 20 محرم 1424 هـ الموافق 23 مارس 2003 منذ القرن التاسع عشر حاولت الحكومات دائما منع نوبات الهلع المالي التي ادت إلى ركود وكساد اقتصادي، في عام 1873، نشر والتر باغيهوت، رئيس تحرير مجلة «اكونوميست» كتابه الشهير «لومبارد ستريت: توصيف لسوق المال» والذي قدم نصائح لبنك انجلترا حول كيفية ايقاف السحوبات غير الاعتيادية للودائع المصرفية، وعندما اغفل مصرف الاحتياطي الفيدرالي نصيحته في الثلاثينيات، نتجت عن ذلك فترة «الركود الاعظم»، وقد سن الكونغرس مؤخرا قانون تأمين على الودائع كإجراء وقائي اضافي ضد نوبات الهلع، والان يمكن ان يضاف إلى قائمة الاخطار المالية ما يمكن تسميته بـ «المشتقات» الضمانات المعقدة والمحرفة التي يستخدمها في الغالب المستثمرون الكبار «المصارف، شركات التأمين، الشركات الكبرى».وقبل ايام فقط، شجب احد اكبر المستثمرين في العالم وهو وارن بوفيت المشتقات باعتبارها «اسلحة مالية للتدمير الشامل» يمكنها التسبب في حالة فوضى اقتصادية شديدة، وفي المقابل فان آلان غرينسبان رئيس مصرف الاحتياطي الفيدرالي يقول ان المشتقات حسنت وضع الاستقرار الاقتصادي، فمن منهما على صواب؟ انها مناظرة مهمة، لان المشتقات تفجرت وورد ذكرها ضمنيا في فضيحتين ماليتين حديثتين، افلاس انرون وشبه افلاس صندوق الاستثمار الخاص «ادارة رأس المال بعيدة الامد» (إل تي سي ام) في عام 1998. في عام 1995 حتى 2002، ارتفعت القيمة الاسمية للمشتقات من 2.9 تريليون دولار إلى 127.6 تريليون، بحسب راندال رود في مركز دراسة المشتقات، والمبالغ المعرضة فعلا للخطر هي اقل بكثير في القيمة الاسمية، ربما اقل من 10% منها، لكن مع ذلك فان الارقام هائلة وتعكس حقيقتين: اولا، المشتقات هي طريقة لجني مكاسب سريعة، ثانيا انها تتيح للشركات وجهات الاستثمار الاخرى ان تقي نفسها من الخسارة الناجمة عن تطورات اقتصادية سلبية، كالتغيرات في معدلات الفائدة على سبيل المثال. وترجع تسمية «المشتقات» إلى كونها «تشتق» أو تستمد قيمتها من حركات الاسعار المستقبلية لبعض السلع أو الاصول المالية: النفط أو القمح أو الاسهم، ومن هنا فان التأرجحات الصغيرة في الاسعار يمكن ان تجلب ارباحا أو خسائر هائلة، لان المستثمرين ملزمين فقط بوضع مبالغ ضئيلة جدا في السيولة النقدية بالمقارنة مع القيمة الاسمية للعقود. وفي هذه العملية الحسابية المثيرة تنطلق مخاوف بوفيت، وبحسب دود، فان صندوق الاستثمار «ال تي سي ام» استخدم ذات مرة حوالي 5 مليارات دولار من رؤوس اموال الاستثمار ليحظى على مشتقات تزيد قيمتها على تريليون دولار. لكن التجارة ليست مجرد مقامرة يقوم بها المضاربون، وفي كتب الاقتصاد التعليمية، يعتبر المزارعون مثالا توضيحيا متكررا على مزايا الحيطة من الخسارة «بعقد صفقة تعويضية مقابلة»، لنفترض انك تزرع القمح، عندما تبذر ارضك في الربيع، يكون سعر القمح 3 دولارات للمكيال الواحد، واذا بعت محصولك بهذا السعر فبإمكانك ان تحقق ارباحا لكن المشكلة هي انك تبيع محصولك في الخريف بعد الحصاد، واذا انخفض السعر إلى 2.5 دولار، فلا يمكنك تغطية التكاليف التي دفعتها، ولكي تقلص هذه المجازفة، فانك تعمد إلى الاستثمار في عقود قمح آجلة التسليم، بهذه الطريقة، اذا انخفضت الاسعار، فانك تعوض خسارتك في محصولك بأرباحك في العقود الآجلة، وهكذا فانك تزرع قمحك في الربيع وانت مطمئن. ولقد انتشر اسلوب الحيطة من الخسارة إلى خارج حدود الزراعة، اذ ان اربعة اخماس المشتقات الان تستخدم معدلات الفائدة، و10% يستخدم معدلات صرف العملات، وهذه توفر الحماية للشركات التي يتطلب نشاطها التجاري قدرا كبيرا من الدين أو التجارة الخارجية، وجادل غرينسبان ان احدى فوائد هذا النظام تجلت في ازدهار اعادة تمويل الرهونات، فالمستثمرون في الضمانات المصرفية القائمة على الرهونات العقارية يواجهون خطر الخسارة في حال قام مالكو المنازل باعادة التمويل، اذا انخفضت معدلات الفائدة، ولتقليص خطر هذه المجازفة، بإمكان المستثمرين وقاية انفسهم ضد انخفاض معدلات الفائدة بعقد صفقات تعويضية مقابلة، واذا لم يستطيعوا فعل ذلك، فانهم ربما فرضوا عقوبات جزائية اكبر في الدفع المقدم أو احتساب معدلات فائدة اعلى. وبطريقة مشابهة، اشار غرينسبان إلى انه برغم اقتراض شركات الاتصالات في انحاد العالم تريليون دولار ما بين 1998 و2001، فان الافلاسات التالية في قطاع الاتصالات لم تسبب اي عجوزات مصرفية كبيرة، ويؤكد ان من بين الاسباب التي تقف وراء ذلك ان المصارف توزع مخاطر الاقراض على مستثمرين اخرين «مثل شركات التأمين» من خلال «المشتقات الائتمانية»، ويجادل غرينسبان بأن توزيع المخاطر بهذه الطريقة جعل النظام المالي اكثر صلابة وثباتا. ولا ينكر بوفيت الفوائد النظرية للمشتقات، وفي الواقع انه ليس قلقا بشأن العقود القياسية المستقبلية، كالقمح «الذي تجري المتاجرة به في بورصات مثل بورصة شيكاغو ميرسانتايل» لكن ما يخيفه هو احتمال تسبب المشتقات الاحدث «كتلك التي يتم تداولها ببساطة بين زبون وآخر» في اشعال شرارة هلع مالي. ثمة بضعة مصارف كبيرة تهيمن على السوق، ولذلك يرى بوفيت ان «متاعب احد هذه المصارف قد تنتشر بسرعة لتصيب المصارف الاخرى» وعلاوة على ذلك فان قوانين المحاسبة المعقدة التي تضبط المشتقات يمكن ان تقود إلى المبالغة في تقدير الارباح «كما حدث مع انرون» وإلى حالة في الارتباك والتشويش، وكل «الهوامش الطويلة» تحت موضوع المشتقات تقنع بوفيت «بأننا لا نفهم حجم المخاطر المترتبة على هذا النظام المالى». وفي حين ان بوفيت قد يكون مخطئا، فان سجله في الكشف عن مواضع التجاوزات المالية - في اسهم التكنولوجيا والخيارات التنفيذية - يفرض علينا احترامه، لكن ما الذي يمكن فعله حيال هذا الوضع؟ بوفيت لا يقترح حلولا، الا ان الشيء الذي لا يمكن فعله هو حظر المضاربين «زبائن يتاجرون من اجل الربح» واجازة فقط «المحتاطين» (الزبائن الذين يحاولون حماية انفسهم من الخسارة) فالاسواق تحتاج إلى المضاربين لموازنة تأثير «المحتاطين» لكن كما يشير دود، فان هناك خطوات يمكنها تحسين السلامة المالية. وحتى غرينسبان نفسه يعترف بأن هناك امكانية ضئيلة ان تشتعل سلسلة متعاقبة من حالات التخلف عن سداد الدين تجبر مصرف الاحتياطي الفيدرالي على التنبه إلى ما قاله باغيهوت، والاسراع لمحاولة انقاذ النظام المالي