الاحد 20 محرم 1424 هـ الموافق 23 مارس 2003 اذا كانت النقود التي عرفها واستعملها الانسان منذ القدم كوسيلة للتبادل التجاري وذلك بديلاً لما كان يسمى (بالمقايضة) التي تعني استبدال منتج معين، مقابل منتج أو شيء آخر، فان التطورات التي شهدتها ومازالت تشهدها السوق النقدية في العالم في ظل المتغيرات والتحولات الاقتصادية قد أوجدت وسائل حديثة وأنواعاً جديدة للدفع والتعاقد بين المتعاملين في السوق أو الاسواق التجارية. واذا كان العالم القديم قد عرف وتداول مسكوكات اغريقية ورومانية وبيزنطية، وساسانية وقاديانية، فان التحول قد حدث بعد ذلك الى أوراق نقدية «البنكنوت» ثم مالبث العقل الانساني حتى اخترع البطاقات الائتمانية يحملها الفرد اينما ذهب كوسيلة دفع بديلة للأوراق النقدية، ثم جاء ميلاد البطاقة الالكترونية الذكية كوسيلة حديثة لاستخدامها في عالم التجارة الالكترونية التي بدأ العالم يتعامل بها.وفي ظل العولمة الاقتصادية بدأ الاهتمام يتزايد بمفهوم التجارة الالكترونية وتعزيزه في عالم الاسواق العالمية لتسجل الشركات العالمية (شركات العولمة) اختراقها لمختلف الاسواق بل وتصل الى منازل الناس وقصورهم ومكاتبهم وتقتحم حتى غرف نومهم، حيث يستطيع الفرد (رجل الاعمال أو المستهلك) ان يتعامل مع الاسواق التجارية والشركات المكونة لها وهو مستلقى على اريكته وامامه حاسبه الآلي!! ومكنته التجارة الالكترونية من خلال شبكة اتصالات متطورة كالانترنت ان يشتري ويبيع ويتعاقد خلال دقائق قليلة ودون جهد كبير أو وقت طويل. ومن هنا فإن مفهومنا الاقتصادي للتجارة الالكترونية هو ان هذا النوع الحديث في التجارة ما هو إلا وسيلة حديثة للتعاقدات بين المستهلك والبائع، أو بين التاجر وبقية التجار أو المستثمرين وان هذا النوع يختزل الحوارات الطويلة والاوراق الكثيرة، والاوقات الطويلة، ثم ان التاجر والمستثمر أو المستهلك يستطيع تجاوز الحدود الجغرافية ليصل الى الاسواق التجارية بل ربما يتجاوز التشريعات والقوانين التجارية والاقتصادية التقليدية ومن شأن هذا النوع ان يعزز حركة التجارة والاستثمار والاستهلاك فيما بين الافراد والاسواق التجارية، ثم بين رجال الاعمال والمستثمرين مهما كانت جنسياتهم وأماكن تواجدهم وأصولهم ومواقع شركاتهم. كل تلك المعطيات الحديثة والمتطورة توفرها شبكات للاتصالات كشبكة الانترنت وغيرها من خلال امتلاك حاسب آلي بسيط وصغير الحجم وهذه الشبكة جعلت من العالم قرية كونية صغيرة واحدة، وجعلت من الاسواق التجارية سوقاً تجارية واحدة، وهنا تحتدم المنافسة ويبدأ الصراع ويملك السوق من يستطيع التواجد فيها كمنتج ومستهلك في الوقت ذاته، اما المستهلكون فتواجدهم ضعيف ويتحدد وفقاً لقدرتهم المالية وقوتهم الشرائية وما عدا هذا فهم على هامش هذه السوق. من ناحية اخرى فان السوق التجارية في ظل التجارة الالكترونية تشتمل على انواع مختلفة للتعامل، واطراف مختلفة للمتعاملين، فقطاع الاعمال في المجتمع الواحد يرتبط من خلال شبكة التجارة الالكترونية بقطاعات مختلفة في نفس المجتمع أو خارجه سواء بقطاع الحكومة/الحكومات أو قطاع الافراد عاملين ومستهلكين، وكذلك قطاع الحكومة يمكن ان يرتبط بقطاع حكومة في دولة اخرى أو مجموعة دول، أو ان يرتبط بقطاع الاعمال داخل الدولة أو خارجها أو يرتبط بقطاع الافراد داخل الدولة ذاتها ويتم هذا من خلال شبكة التجارة الالكترونية. واذا كانت هذه هي معطيات وآثار التجارة الالكترونية في أي مجتمع، فإلى أي مدى يستطيع المجتمع الاقتصادي والتجاري في الامارات استيعاب هذه المعطيات والمفهوم الاقتصادي؟ وكيف يستفيد اقتصادنا الوطني، أو سوقنا المحلية من الدخول الى عالم التجارة الالكترونية؟ ان قراءتنا للواقع الاقتصادية والتجاري في ظل المعطيات هذه تؤكد لنا ان الفائدة المرجوة من هذا النوع من التجارة سوف تكون محدودة للغاية قياساً بالاثار السلبية المنتظرة والتداعيات المترتبة عليه، وتعزى الفائزة المحدودة والآثار الكبيرة للأسباب التالية: محدودية الوعي بالتجارة الالكترونية هناك شريحة كبرى من افراد مجتمع الامارات ومؤسساته يفتقرون الى الحد المطلوب من الوعي بهذا المفهوم الحديث وتداعيات وآثار التجارة الالكترونية عليهم/عليها وكيفية الاستفادة من هذا النوع من التجارة، اذ لا يكفي ان يتعامل الفرد/المؤسسة مع الانترنت أو شبكة الاتصالات حتى يتمكن من ادراك مفهوم التجارة الالكترونية، فهذا المفهوم يتطلب فهماً دقيقاً ومعرفة أكيدة بأصول وفنون وابعاد التجارة الالكترونية، اذ لا يعني حصولنا على شبكة الانترنت مثلاً ودخولنا الى الاسواق التجارية نكون ملكنا قدرة على التعامل مع هذه الاسواق واننا سوف نحقق الفائدة المرجوة منها، فمحدودية معرفتنا بالاسواق العالمية وطبيعة التحولات التي تشهدها، ثم محدودية قدرتنا على التحكم بأمن وسرية المعلومات والبيانات المتوفرة لدينا ثم معرفة الاخرين بأسواقنا يجعل فائدتنا من الدخول الى عالم التجارة الالكترونية محدودة للغاية مقابل خسائر كبيرة وآثار سلبية تجنيها اسواقنا وبالتالي اقتصادنا الوطني. غياب التشريعات ومحدودية الضمانات اذا كنا نقر بالتطور السريع في البنى والهياكل التحتية التي شهدتها اسواق الامارات وتوفر شبكة اتصالات متطورة للغاية وهذا من متطلبات الدخول الى عالم التجارة الالكترونية فإنه من ضرورات وشروط هذا النوع من التجارة ايضا وجود تشريعات وقوانين تجارية توفر السرية اللازمة والخصوصية المطلوبة عند اجراء عمليات تجارية في اطار شبكة التجارة الالكترونية، وحينما نقوم بقراءة وضعية سوقنا التجارية واقتصادنا الوطني نجد ان اقتصادنا المفتوح وسوقنا المحلية يحتاجان الى ضوابط وقوانين، فهناك فوضى وغياب الضمانات الكافية والسرية المطلوبة، فالاقتصاد والسوق المحلية يكادان ان يكونا مملوكين من قبل شريحة كبرى من الوافدين الذين يقومون بتحريف المعلومات وتزييف البيانات، وتسريب المعلومات الى مؤسسات وشركات الاسواق الاخرى من خلال شبكة الانترنت أو الاتصال بالدولة ويتم تجيير هذه المعلومات والبيانات بشكل يحقق مآربهم الخاصة ويخدم اسواق دولهم أو من يدفع لهم، وهنا تنتفى الضمانات المطلوبة، وتغيب السرية المفروضة ويترتب عليه تهديد للاقتصاد الوطني من الداخل. غياب الوعي الاستهلاكي اذا كان سبق الاشارة الى ان سوق التجارة الالكترونية تحكمه شركات الانتاج وان اللاعب الاساسي هي الشركات الضخمة، فان الشعوب التي تعيش على استهلاك ما ينتجه الغير لن يكون لها حضور أو دور سوى دفع ما يملكون ثمناً لشراء الطعام والشراب والمواد الاستهلاكية، وهكذا هو الحال في الامارات، حيث لا انتاج حقيقي فيما النزعة الاستهلاكية تستشرى وبحدة في مجتمعنا وآثار هذه النزعة واضحة على مسيرة الاقتصاد الوطني، ومن هنا تكمن خطورة التجارة الالكترونية حينما تصبح بوابة مشرعة للمستهلكين من افراد المجتمع في الامارات حيث وفي ظل الدخول الى الاسواق العالمية والمحال الكبرى، وامام الاغراءات في الاسعار والاختيارات فان أفراد المجتمع سوف يزيدون من استهلاكهم بدوافع التقليد والمحاكاة وينجرفون نحو الشراء الاستهلاكي وهذا يعني تراجع معدلات الادخار الشخصي، ثم الاستثمار وتدفق المزيد من السيولة المحلية من خلال بوابة التجارة الالكترونية وبواسطة شبكة الانترنت الى الاسواق العالمية. حجم التجارة الالكترونية عندما فكرت الشركات العملاقة (شركة العولمة) وخاصة الشركات الأميركية والأوروبية بإقامة شبكة الكترونية وربط فروعها وعملائها ومورديها فلأنها تدرك جيداً مدى الفوائد المنتظرة من هذا النوع من التجارة، واذا كان التفكير الأميركي في استحداث هذا النوع من التجارة يعود الى عقد السبعينيات من القرن الماضي، فان العرب عامة والاماراتيين خاصة لم يعرفوا هذا المفهوم إلا منذ سنوات قليلة، وحينما سعت الولايات المتحدة ومجموعة الدول الرائدة في التجارة الالكترونية الى تبني هذا فإنها تسعى من خلاله الى تحقيق أهدافها الاقتصادية والتجارية الاستراتيجية فهي تعمل على تسويق انتاجها من السلع والخدمات، ثم تسويق قطاعها العريض والضخم من الاعمال، واستثمار الفرص الاستثمارية التي لديها بأموال الغير، وهي تعمل في اطار محيط اقتصادي وتجاري ضخم ومتماسك، فأين موقع شركاتنا الوطنية أو حتى الاجنبية العاملة في اقتصاد من هذا المحيط الكبير؟ ماذا تقدم شركاتنا وما هو حجم ونوعية الانتاج فيها وما مدى قدرتها على المنافسة في محيط التجارة الالكترونية في ظل وجود شركات عملاقة؟ واذا كان حجم التجارة الالكترونية الذي تقوم به قطاعاتنا المختلفة (قطاع الاعمال، قطاع الحكومة، قطاع الافراد) مع دول العالم واسواقها يسجل معدلات متزايدة فهل يعني اننا قد اقتحمنا عالم التجارة الالكترونية؟ وماذا نصدر نحن الى تلك الاسواق؟ ألم يكن تلك المعدلات في جانبها الاستهلاكي ليس إلا؟ أو تصدير نفطنا في هيئته الأولية؟ وهل نستطيع المنافسة في ظل كل هذه المعدلات المرتفعة في الاستهلاك؟ والتناقص في الانتاج؟ ان تشخيصنا لواقعنا الاقتصادي عامة وللتجاري خاصة وفي ظل هيمنة اجنبية واضحة لرأس المال الاجنبي، وللعمالة الاجنبية، وللمنتجات الاستهلاكية المستوردة فإنه يجب ألا نعطي انفسنا حجماً أكبر من حجمنا، وموقعاً أكبر من موقعنا كدولة استهلاكية، وقطاعات ضعيفة غير منتجة، ومن هنا فان الفوائد المتوخاة من التجارة الالكترونية محدودة للغاية قياساً بالآثار والسلبيات المترتبة على دخولنا الى عالم التجارة الالكترونية، وهنا يحتاج الامر الى مراجعة دقيقة لأوضاعنا الاقتصادية وللهياكل الانتاجية، وتوطين عناصر الاقتصاد الوطني بكل جوانبه كي نستطيع ان نحجز موقعاً في سوق التجارة الالكترونية