الاحد 13 محرم 1424 هـ الموافق 16 مارس 2003 في أواخر ديسمبر الماضي، واثناء اجتماعات مجلس الوحدة الاقتصادية العربية تحدث الأمين العام لجامعة الدول العربية، واتفق معه الأمين العام لمجلس الوحدة الاقتصادية، في عرض السلبيات التي يعيشها التعاون الاقتصادي العربي بعد خمسين سنة من قيام هذا التعاون، وقد تبلورت هذه السلبيات فيما يلي: ـ أن التجارة العربية البينية مازالت تمثل 8% من إجمالي التجارة الخارجية العربية مع الدول الأجنبية، بينما تزيد التجارة البينية الأوروبيية عن 60% نتيجة لقيام التعاون الاقتصادي بين الدول الأوروبية خلال فترة أقل من الفترة التي عاشها التعاون الاقتصادي العربي،كما أنها لا تزيد عن 400 مليار دولار أميركي عام 2001 وهو يمثل 3% فقط من إجمالي حجم تجارة العالم وبالرغم من الصادرات البترولية العربية التي تمثل 70% من حجمها. ـ أن مساهمات الاقتصاد العربي في حجم الاقتصاد العالمي مازالت ضئيلة لا تزيد عن 712 مليار دولار أميركي في عام 2001 أي 2% فقط من إجمالي الناتج العالمي، وهو ما يؤدي إلى إنخفاض الدخل القومي في كثير من الدول العربية، التي ينخفض متوسط دخل الفرد في بعضها إلى 500 دولار أميركي سنويا، بينما تنتشر فيها البطالة والفقر لعدم قيام تنمية عربية جادة وشاملة وفقا لما ورد بتقرير التنمية البشرية العربية الذي صدر العدد الأول منه خلال هذا العام. ـ وفي مجال الإستثمار، فإن الإستثمارات العربية البينية لم تتجاوز 17 مليار دولار أميركي في الفترة بين عامي 1985-2002 نتيجة اهمال التنمية العربية المشتركة، وهو ما أدى إلى تشابه المصالح الإنتاجية ومحدوديتها وعدم تنوعها فضلا عن ضيق حجم السوق لكل دولة عربية على حدة، ولعل ضآلة هذه الاستثمارات البينية العربية تظهر بوضوح إذا علمنا أن حجم الإستثمارات العربية في الخارج يصل إلى ما يقرب من ألف مليار دولار أميركي تستثمر في ودائع البنوك الأجنبية وفي أوراق مالية وفي شركات ومصانع وفنادق تستفيد منها الدول الأجنبية وحدها. ـ ويضاف إلى ذلك أن الدول العربية مازالت تعامل بعضها البعض كدولة أجنبية، سواء في التنقل بين الاشخاص أو تبادل السلع والخدمات وحتى في إنشاء مشروعات عربية، ومازال هناك تفضيل في بعض الدول للعمالة الأجنبية على العمالة العربية التي بدأت بعض الدول الاستغناء عنها بالرغم من مساهمتها في بناء هذه الدول وأيضا في مجالات السياحة بالرغم من الجهود الكبيرة التي يبذلها مجلس السياحة العربي وكافة مؤتمرات التعاون الاقتصادي العربي والتي تخرج بتوصيات لا يتم تنفيذها وتحفظ في الادراج! لقد مر التعاون الاقتصادي العربي بمراحل مختلفة ومتعددة بداية من إنشاء جامعة الدول العربية وتم إعداد أكثر من إتفاقية جماعية على النحو التالي: ـ ميثاق جامعة الدول العربية الصادر في عام 1945. ـ معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي 1950. ـ إتفاقية تسهيل التبادل التجاري وتنظيم تجارة الترانزيت عام 1953. ـ إتفاقية إتخاذ جدول موحد للتعريفة الجمركية 1954. ـ إتفاقية الوحدة الاقتصادية العربية عام 1957. وقرار إنشاء السوق العربية المشتركة عام 1964. ـ إتفاقية تيسير وتنمية التبادل التجاري بين الدول العربية عام 1989. ـ قرار المجلس الاقتصادي والاجتماعي بإعداد مشروع البرنامج التنفيذي لإتفاقية التبادل التجاري عام 1995. ـ إقرار برنامج تحقيق التحرير الكامل للتجارة البيئية بين الدول العربية على مراحل سنوية متدرجة تبدأ من عام 1997 وخلال مدة عشر سنوات وهو ما أطلق عليه «إتفاقية إنشاء منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى» والتي وقع عليها حتى الآن أربع عشرة دولة عربية بالرغم من مرور خمس سنوات عليها. لقد كان الاهتمام واضحا بالتعاون الاقتصادي العربي عند انشاء جامعة الدول العربية عام 1945 والتي تكونت من ستة أقسام: مجلس الجامعة، اللجان الدائمة، والأمانة العامة، ومجلس الدفاع المشترك، والمجلس الاقتصادي، والمنظمة المتخصصة، وكان المجال الاقتصادي من أهم الاقسام التي بدأت بها الجامعة العربية حيث أنشأت إدارة مستقلة لمزاولة أنشطة التعاون الاقتصادي العربي هي الإدارة الاقتصادية التي يشرف عليها الأمين العام المساعد للشئون الاقتصادية. فقد نصت المادة الثانية من ميثاق جامعة الدول العربية على التعاون الوثيق في المجالات الآتية: ـ الشئون الاقتصادية والمالية ويدخل في ذلك التبادل التجاري والجمارك والعملة وأمور الزراعة والصناعة. ـ شئون المواصلات ويدخل في ذلك السكك الحديدية والطرق والطيران والملاحة والبريد. ـ شئون الثقافة ـ شئون الجنسية والجوازات والتأشيرات وتنفيذ الاحكام وتسليم المجرمين ـ الشئون الاجتماعية ومن هنا فإن ميثاق جامعة الدول العربية لم يترك مجالات التعاون العربي للعشوائية بل حددها على سبيل الحصر، وفي مقدمتها التعاون الاقتصادي العربي حيث بدأت المرحلة الأولى منه في الخمسينيات والستينيات كفكر جديد وخطوات عملية ضعفت بعد إنشاء المجلس الاقتصادي العربي الذي لم ينجح في أي من المشروعات التي قررها حتى اليوم الا بالنسبة لإتفاقية إنشاء منطقة التجارة الحرة التي لم يوقع عليها حتى الآن سوى أربع عشرة دولة وبعضها يفكر في الانسحاب منها! أما مجلس الوحدة الاقتصادية فقد ظهرت أهم إنجازاته في إصدار أمر إنشاء السوق العربية المشتركة عام 1964 أي بعد إنشاء المجلس بسنوات قليلة، وقد نقل المجلس إليها أهداف الوحدة الاقتصادية العربية بإستثناء هدف واحد فقط، على أن هذه السوق لم تتحقق حتى الآن بالرغم من التوصيات العديدة من أكثر من مؤتمر قمة، وكان أخرها مؤتمر القمة العربي في بيروت في مارس الماضي الذي أوصى بسرعة تحقيقها في أقرب فرصة ممكنه باعتبارها مسألة حياة وبقاء للأمة العربية ولكن دون جدوى! وهناك مرحلة من مراحل التعاون الاقتصادي العربي لم تأخذ حقها في الكتابة، ليس لأنها حققت إنجازات في مجال هذا التعاون، بل لأن تكلفتها كانت كبيرة على الشعب العربي، حيث ألقت أعباء ضخمة على الذين وضعوا خطوات التعاون العربي بعد إنشاء جامعة الدول العربية، وقد تمثلت هذه الاعباء في إنشاء منظمات متخصصة بلغت ما يزيد عن 22 منظمة قامت الحكومات العربية بتغطية رؤوس اموالها ثم تدخلت في تعيين رؤسائها وتركتهم أحرارا (ينهبون فيها) دون إشراف أو تدخل من ناحية الدول العربية ودون رقابة على أعمالها من أي جهة أخرى، ولم تحدد حتى الآن العلاقة بين هذه المنظمات المتخصصة وبين الجامعة العربية، الأمر الذي أدى إلى تسرب الفساد إلى أغلبها وإلى سرقة أموالها من رؤسائها على غرار ما حدث بصندوق النقد العربي. لقد بدأ إنشاء هذه المنظمات المتخصصة في عام 1957 بإقامة الإتحاد العربي للمواصلات السلكية واللاسلكية 1967 والمنتظمة العربية للمواصفات والمقاييس 1968 والمنظمة العربية للعلوم الإدارية 1969 والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم 1970 والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي 1971 ومنظمة العمل العربية 1972 والمنظمة العربية للتنمية الزراعية 1972 والمؤسسة العربية لضمان الإستثمار 1975 والأكاديمية العربية للنقل البحري 1975 وصندوق النقد العربي 1977 والمنظمة العربية للتنمية الصناعية 1980. وبالإضافة إلى المنظمات العربية المتخصصة التي نشأت برؤوس أموال حكومية بينما لا تعمل تحت مظلة الجامعة العربية قامت الإتحادات العربية النوعية المتخصصة التي بلغت حوالي ثلاثين اتحادا نوعيا من بينها الإتحاد العربي للحديد والصلب بالجزائر والإتحاد العربي للأسمدة بالقاهرة والإتحاد العربي للصناعات الهندسية بالعراق واتحاد الموانئ العربية بالأسكندرية والإتحاد العربي للأسمنت ومواد البناء بسوريا والإتحاد العربي للصناعات الورقية والطباعة والتغليف بالعراق والإتحاد العربي للنقل البري بالأردن والإتحاد العربي للصناعات الجلدية بسوريا ... الخ. والغريب أن كل هذه المنظمات وتلك الإتحادات لم تنجح في مهامها حتى الآن ولم تقم بإقرار أي خطوات جادة في مجال التعاون الاقتصادي العربي مما يؤكد أن هذا التعاون مازال شكليا وسطحيا حتى الآن ولا يصل إلى طموحات الشعب العربي بالرغم من مروره بمراحل مختلفة ومتعددة لم تضف شيئا جديدا، وكل ما حققته هذه المراحل لا يتعدى مشاورات وتوصيات وعقد مؤتمرات وندوات وملتقيات، أما الاهداف الخمسة التي نصت عليها إتفاقية الوحدة الاقتصادية العربية والتي تحولت إلى السوق العربية المشتركة لم يتحقق منها خطوة واحدة بالرغم من أهميتها الفعلية وبالرغم من أنها أصبحت مسألة حياة أو موت لكافة الشعوب العربية - شعوب النفط وشعوب القحط. وبعد موافقة مجلس الوحدة الاقتصادية العربية في ديسمبر الماضي على إنشاء آليتين جديدتين، إحداهما لتنمية التبادل التجاري البيني والأخرى لتنمية الإستثمارات البينية - يدور التساؤل هل ستكون هذه الآليات أدوات جديدة تقوم بدور جاد في مجال التعاون الاقتصادي العربي وإنشاء السوق العربية المشتركة أم تكون مجرد مرحلة سلبية مثلما كانت المراحل السابقة - تأخذ من إمكانيات الشعوب العربية ولا تعطيها شيئا، تحقق مكاسب شخصية للقائمين بها بينما تنزل خسائر قومية للجميع. لقد آن الأوان فعلا لأن نعرض على القمة العربية القادمة مذكرة شاملة ببحث كامل عن أوضاع التعاون الاقتصادي العربي بكل مزاياها ومساوئها وبكل مكاسبها وخسائرها، مع مقترحات تنفيذية بالحل المناسب والعلمي الذي يحفظ الكيان الاقتصادي لكل الدول العربية والذي يضمن الحياة اللائقة للأمة العربية وسط وحوش عالمية تتصارع للسيطرة عليها والاستيلاء على ثرواتها والقضاء على علمائها ومفكريها. ـ مستشار اقتصادي