السبت 12 محرم 1424 هـ الموافق 15 مارس 2003 ماذا يحدث في سوق مواد البناء المحلية؟ وما هي الاسباب التي دفعتها الى الاشتعال والغليان وبصورة مفاجئة ومن دون أية مقدمات؟ فما ان تذهب الى معرض أو محل أو مصنع من تلك المتخصصة في هذا القطاع انتاجاً أو تسويقاً إلا وتفاجأ بأسعار متباينة ومختلفة عن تلك التي ابتعت بها منذ شهور معدودات بل من اسابيع قليلة، بل ان بعض الاستشاريين من المهندسين وشركات المقاولات والتي اعتادت على التعامل مع جهة معينة عندما ترسل في طلب كميات محددة لعمليات الانشاء التي تحتاجها يأتيها الجواب من الطرف الآخر ان الاسعار تغيرت ليس هبوطاً بل صعوداً وبدرجات متفاوتة حسب نوع البضاعة بل وحسب المنشأ. التساؤلات عن سبب الارتفاع والزيادات السعرية في مواد البناء لم تنقطع فلا توجد أزمات أو اختناقات في الحديد أو الاسمنت أو الطابوق أو الدهانات ولا حتى الأخشاب والمواد الحديدية وكل شيء متوفر بالسوق، كما ان الدرهم لم يتم تعويمه ولايزال والحمد لله يقف بقوة ويحافظ على مكانته في اتجاه الدولار واليورو بل والين الياباني، كما ان حرباً متوقعة في المنطقة بين العراق وزعيمة العالم الجديد لم تبدأ بعد. إذاً لماذا ارتفعت أو اشتعلت الاسعار ليس على سلعة واحدة بل على كل السلع نقصد مواد البناء.. هل يعود الأمر الى جشع من تجار الجملة والتجزئة معاً وهل هناك إياد خفية تتحكم باداء السوق وسير الاسعار فيه أم توجد عوامل منطقية دفعت الى ذلك وارغمت الجميع على سلوك النهج نفسه أي ان تجار حديد التسليح رفعوا الاسعار تقليداً لتوجه تجار الاخشاب الذين زادوا أسعارهم وهكذا دواليك متعللين بالأسباب نفسها التي اعلنت عنها أول طائفة عن رفع الاسعار. «البيان» حملت التساؤلات وذهبت الى مصادرها وعيونها في سوق مواد المحلية بحثاً عن الحقيقة واستكشافاً لها من خلال التجار والوكالات والمصانع ووجدت ان بعض المواد ارتفعت بنسبة تقارب 40% وان مجالات الزيادة مفتوحة وتتم مراجعات للأسعار كل فترة من قبل الجهات لرفع جديد آخر قد يبدأ بالنصف الثاني من العام. البداية نهاية ديسمبر ويقول الدكتور محمد هادي اميري صاحب مؤسسة أترج لتجارة مواد البناء في دبي ان بداية الارتفاعات السعرية بدأت في نهاية شهر ديسمبر الماضي وبداية شهر يناير 2003 حيث توجد العديد من العوالم التي أدت الى رفع الاسعار لتشمل معظم مواد البناء فمثلاً الاسلاك الكهربائية ارتفعت بنسبة تتراوح بين 2 ـ 5% خلال الفترة الماضية والأدوات الصحية من 5 ـ 10% وذلك حسب النوعيات وبلد المنشأ وان اتحدث عن القطاع الذي نتعامل فيه ولكن المنتج المحلي استقرت اسعاره على ما هي عليه وهذه الارتفاعات تشمل تجارة الجملة والتجزئة ويرجع ذلك الى عوالم اخرى بعيداً عن تكلفة الانتاج ويمكن ان نسميها تطوير الاجراءات التجارية بمعنى زيادة الرسوم على التجار عند انجاز المعاملات التجارية في المنافذ المتخصصة المختلفة وارتفاع الايجارات، والتوترات السياسية التي تحيط بالمنطقة والتي ترتب عليها زيادة اسعار الشحن نتيجة فرض رسوم تأمين اضافية على الشحن البحري وارتفاع اسعار المواد الخام ثم زيادة الطلب المحلي على مواد البناء وبكافة انواعها.. وفي ظل هذه الزيادة فان العرض تقلص امام الطلب والقاعدة المعروفة تقول كلما زاد الطلب قل العرض.. ولا أقول ان هناك نقصاً في المعروض ولكن الطلب المتزايد يرفع السعر ولا ننكر ان العام الماضي شهد نهضة عمرانية متزايدة ومشروعات كبيرة يستمر العمل فيها لسنوات، والسوق في دبي ودولة الامارات سوق مفتوحة يتحدد فيها السعر وفقاً للعرض والطلب، وحتى المصانع المحلية التي تحتاج الى مواد خام من بلاد اخرى تضر الى رفع اسعارها اذا كانت هذه المواد قد ارتفعت في دول المنشأ وانه في ضوء استمرار هذه العوامل فلا يتوقع ان يتراجع السعر بل ان الامر متروك لعوامل العرض والطلب، كما قلت ولا ننسى ان نضيف عوامل اخرى ساهمت في رفع الاسعار مثل التكلفة التشغيلية وزيادة رواتب العاملين بهذا القطاع وهذا كله يتم مراعاته في سعر المنتج النهائي والذي يتحمله المستهلك. وأشار الى ان دبي تتميز بالجودة ولذلك فان التجار فيها لا يلجأون الى وسائل اخرى لجلب البضائع الرخيصة بل نحن ملتزمون بتوفير البضائع ذات الجودة العالية والتي اعتدنا عليها في تعاملاتنا مع العملاء. اليورو أحد الأسباب ويقول جمال بجبع من وكالة أركوما لتجارة مواد البناء ان ارتفاع قيمة اليورو مقابل الدولار الأميركي اثر على اسعار البضائع المستوردة من القارة الأوروبية حيث ارتفعت الاسعار بشكل كبير في هذه الدول سواء على البضائع المستوردة منها وهي كثيرة وانعكس ذلك على الاسعار بالسوق المحلية فلا يمكن للتجار أو المصنعين بالداخل ان يتحملوا هذه الفروقات الجديدة فعلى سبيل المثال ارتفعت اسعار الاصباغ المستوردة ما بين 20 ـ 30% ونفس الامر لمستلزمات الاصباغ وقس على ذلك بقية المواد الاخرى المستوردة مثل المواد الحديدية والسيراميك. ويتفق بجبع مع أميري على ان معظم مواد البناء المحلية حافظت على استقرارها خاصة الاصباغ التي لاتزال تحافظ على وضعها السعري.. ولكنه يشير الى ان التجار وبمجرد رفع الاسعار عمموا السعر الجديد على مخزوناتهم من مواد البناء مما رفع الاسعار حتى على هذه المخزونات وطبعاً من لديه مخزون حقق ارباحاً كبيرة من الفروقات السعرية والتي تصل في بعض المواد الى 30%. ويشير بجبع الى ان ارتفاع اسعار الشحن البحري بنسبة 5 ـ 7% يعد من العوامل الاضافية لزيادة اسعار مواد البناء، واذا كانت معظم مواد البناء المنتجة محلياً مستقرة فان الاسمنت قد تم استثناؤه من هذه القاعدة حيث ارتفع بواقع 10%، ولكن لا ندري سبباً لرفع سعر الاسمنت العماني بنفس النسبة ويبدو ان ذلك تم تماشياً مع التوجه العام لرفع الاسعار. ويشير جمال الى ان من المواد التي ارتفعت بشكل كبير وملفت للنظر ومنذ ثلاثة شهور حديد التسليح ففي اسواق التجزئة يباع الحديد القطري بسعر 1700 درهم للطن مقابل 1300 درهم قبل الزيادة، والحديد التركي من 1200 ـ 1500 درهم للطن بينما ارتفعت سعر الخشب الوارد من تشيلي من 550 ـ 650 درهماً للمتر المربع ونفس الامر للأخشاب الرومانية. استقرار الاسعار ويؤكد سليم الصايغ المدير العام لشركة مصانع الاصباغ الوطنية ناشيونال انه رغم ارتفاع اسعار البترول والتي تعد من المكونات الرئيسية في تصنيع الاصباغ والدهانات إلا انه لم يتم رفع الاسعار حتى الان وذلك انطلاقاً من عدة عوامل تتعلق بالسوق من أهمها عامل المنافسة الموجود داخل السوق. كما تشير مصادر اخرى الى ان اصباغ جوتن لم ترفع ايضاً اسعارها وكذلك الأمر بالنسبة لمنتجات محلية اخرى من الدهانات مثل سوان وغيرها وانه لا يتوقع ان تلجأ هذه المصانع الى رفع الاسعار وان كانت هناك دراسات تجري حول الموضوع خاصة في ضوء المتغيرات المحتملة حول اسعار النفط وبالاضافة الى الاصباغ فان اسعار السيراميك المحلي ايضاً شبه مستقرة حتى الان مما يعزز التوجه لدى شركات المقاولات والاستشاريين بزيادة الطلب على المنتج المحلي والذي يتميز بالكفاءة والجودة ايضاً وينافس مثيله المستورد في هذا الاطار. التعريفة الجمركية الموحدة ويضيف عمر شحيبر مدير المبيعات في مؤسسة السوسي التجارية لتجارة مواد البناء وجميع لوازم التجارة واقفال الديكور سبباً آخر في ارتفاع الاسعار وهو ارتفاع الجمارك على الواردات طبقاً لمقررات تطبق التعريفة الجمركية الموحدة بدول مجلس التعاون ابتداء من أول يناير حيث كانت التعريفة الجمركية 4% وارتفعت الى 5%، كما زادت الرسوم على اذون التسليم وايضا اجور العمالة في الميناء والتي تقوم بتنزيل البضائع بالاضافة الى الاسباب الاخرى المعروفة مثل اسعار التأمين والشحن والمواد الخام مشيراً الى ارتفاع الاسعار بنسبة تتراوح بين 3 ـ 10% على اسعار الكالونات والاقفال والمقابض وان هذه الزيادة تختلف من سلعة الى اخرى حسب بلد المنشأ والجودة مؤكداً ان الجودة عامل اساسي في تحديد السعر. واشار الى ان المنافسة موجودة بالسوق ولكن الجودة هي الاساس وترتب على هذه ان الزبون أصبح يبحث عن السعر الارخص ولذلك نراه يذهب لشراء الارخص وليس الاجود والسوق مليئة بالماركات المقلدة حيث تباع البضائع المقلدة والتي تحمل اسم ماركات عالمية بأسعار تقل كثيراً عن مثيلاتها الاصلية.. ويستوى في هذا التوجه الى الارخص الاستشاريون وشركات المقاولات.. فبعض هؤلاء يهمه تحقيق الربح.. ولكن لا ننفي وجود شرائح اخرى تبحث عن الجودة بغض النظر عن السعر. الاسمنت تصحيح وضع وتشير مصدر باحدى شركات الاسمنت الكبرى الى ان أسعار الاسمنت سجلت تراجعاً خلال السنوات الماضية وكانت الاسعار السائدة تقارب سعر تكلفة الانتاج وذلك بسبب المنافسة الشديدة بين الشركات والمصانع على اقتسام الحصص بالسوق المحلية بالاضافة الى بعض الاسعار المتدنية التي دخلت بها بعض منتجات الاسمنت من دول مجاورة والتي كانت تبيع كيس الاسمنت بحوالي 5 دراهم «الاسمنت الايراني» وقد اضر ذلك بالصناعة الوطنية كثيراً وخاصة ان أسواق الامارات مفتوحة وتعتمد مبدأ المنافسة والجودة، كما ان حجم المشروعات لم يكن بالمستوى الذي يجعل الطلب يتفوق على العرض ولهذا وجدنا تراجعاً بالأسعار من 230 درهماً للطن تسليم المصنع الى مستويات سعرية متدنية، ولكن نظراً للطلب المتزايد خاصة في ظل وجود مشروعات عملاقة في دبي مثل مشروعات شركة اعمار كالنخيل وغيرها زاد الطلب على الاسمنت وحديد التسليح وغير ذلك من المواد، كما زادت نشاطات الاستثمار العقاري والبناء بشكل ملحوظ بالاضافة الى ارتفاع اسعار مكونات الانتاج كل هذا ادى الى ارتفاع اسعار الاسمنت المحلية، كما ان ارتفاع رسوم الشحن دفعت بالجهات الموردة الى الدولة لهذه المادة الى رفع اسعارها، واذا كانت المصانع المنتجة لديها سياسات خاصة للمحافظة على عملائها الذين يتعاملون معهم بصفة دائمة مثل الموزعين وشركات المقاولات فاننا نجد هؤلاء الموزعين يعملون على تحقيق هوامش ربحية ايضاً من خلال تجارة التجزئة أو الجملة فيعرضون بأسعار أعلى خاصة اذا كان هناك طلب قوي يختلف كثيراً عن سعر التسليم من المصانع، وقد ترتب على زيادة اسعار الاسمنت زيادة بأسعار الطابوق الاسمنتي والخرسانة المسلحة وبنسبة تصل الى 20% حالياً. ويرى هذا المصدر ان هذا الارتفاع بأسعار الاسمنت والذي يصل الى ما يتراوح بين 10 ـ 11% يعد تصحيحاً للأسعار والسعر الحالي مناسب جداً مقارنة مع التكلفة ونؤكد ان هذه الاسعار تقترب من السعر الحقيقي، وكما ذكرت فقد كانت الاسعار تدور حول معدل 230 درهماً للطن منذ عدة سنوات.. مؤكداً ان هناك نوعاً من الاتفاق بين منتجي الاسمنت بعدم النزول بالسعر الى حدود معينة وعن الاسعار الحالية للاسمنت بعد الزيادة اشار الى انها تختلف حسب النوع وهي حسب تسليم المصنع بالنسبة للاسمنت البورتلاندي العادي 175 درهماً للطن بنسبة زيادة قدرها 11%، للاسمنت السائب والمعبأ بسعر 195 درهماً للطن، والاسمنت المقاوم السائب 185 درهماً والمعبأ 205 دراهم، والاسمنت «تايب تو» 180 درهماً والمعبأ 200 درهم، ويشير الى ان هذه الاسعار لاتتضمن اسعار التحميل والنقل وهي تسليم المصنع اي ان هذا السعر قد يرتفع عند تاجر الجملة أو التجزئة. الطابوق الاسمنتي 80% زيادة اما سامي أحمد الاعرج مدير المبيعات في مصنع جمعة الماجد للطابوق فيؤكد ان الاسعار بدأت تسجل ارتفاعاً تدريجياً وكانت بداية الارتفاع منذ نهاية ديسمبر الماضي مشيراً ايضاً الى ان ذلك هو تصحيح اسعار وتعزيزاً للجودة، كما يوجد طلب كبير من السوق على الطابوق الاسمنتي وغيره من مواد البناء بسبب المشروعات الكبيرة التي تقام بالدولة خاصة في دبي بالاضافة الى عوامل اخرى مشيراً الى ان سعر الطابوق الاسمنتي ارتفع من 780 درهماً منذ 4 شهور الى 1400 درهم لقياس 8 بوصات، مؤكداً ان هذا هو السعر الامثل أي بنسبة 79.4% كما ارتفع سعر بلاط الانترلوك من 13 درهماً الى 17 درهماً للمتر المربع اي بنسبة 31% تقريباً، بينما استقرت اسعار الرمل المغسول عن معدلاتها حيث يبلغ سعر الطن 35 درهماً. حديد التسليح أكثر من 30% زيادة وتعتمد السوق المحلية كما تقول مصادر التجار على حديد التسليح المستورد في تلبية احتياجات اعمال الانشاء والتعمير وحقيقة توجد بعض المصانع المنتجة لحديد التسليح ولكن انتاجها لا يلبي احتياجات السوق وتتنافس بالسوق ثلاث جهات رئيسية وهي واردات حديد التسليح من قطر والسعودية وتركيا ثم الروماني وغير ذلك من بعض الجهات. وبرر مصدر بأحد مكاتب احدى الشركات في دبي ارتفاع الاسعار الى زيادة اسعار الشحن العالمي وارتفاع رسوم التأمين ضد مخاطر الحرب وارتفاع اسعار المواد الخام ووجود طلب أكثر من العرض بسبب تزايد المشروعات الجديدة مع وجود نوع من التقصير في زيادة المعروض من قبل الشركات والمصانع المنتجة بالاضافة الى ان الحديد يرتبط بسعر عالمي وارتفاع تكاليف الانتاج. كما ان الوكلاء الموزعين استغلوا هذه الظروف لتحقيق هوامش ربحية في ظل تنامي الطلب وقد أدت كل هذه العوامل الى ارتفاع مستمر بأسعار حديد التسليح، وعلى سبيل المثال فقد بدأ الحديد السعودي بالارتفاع من اخر ديسمبر من 1200 درهم للطن ووصلت الى 1270 درهماً في منتصف يناير ثم الى 1300 درهم مع نهايته، وفي بداية فبراير الى 1350 درهماً ثم 1420 درهماً في منتصف فبراير ثم وصلت الى 1450 درهماً للطن حالياً. وقال انه يتوقع ان تستمر هذه الاسعار الى منتصف العام بالنسبة للحديد السعودي وقد يعود بعدها الى الارتفاع مرة اخرى. اما بالنسبة للحديد القطري فيصل سعره عند تجار الجملة الى حوالي 1600 درهم وعند تجار التجزئة حوالي 1700 درهم، والحديد التركي يصل الى سعر 1380 درهماً للطن وتتراوح الزيادات بأسعار الحديد ما بين 21% الى 31% منذ بداية الصعود السعري في آخر ديسمبر الماضي. خلاصة ولعلنا نستطيع ان نجمل أسباب الزيادة الى العوامل التالية في نهاية هذا التحقيق: ـ زيادة الطلب بالسوق المحلية لقيام مشروعات عملاقة انعشت الاداء بالسوق ووازنت بين العرض والطلب. ـ ارتفاع قيمة العملة الأوروبية «اليورو» مقابل الدولار الأميركي مما رفع من اسعار البضائع المستوردة من دول الاتحاد الأوروبي. ـ ارتفاع الرسوم التي يدفعها التجار والوكلاء وغيرهم على الاذونات الخاصة بالمعاملات لدى الجهات المختصة. ـ التعرفة الجمركية الموحدة لدول الخليج والتي زادت من 4 ـ 5%. ـ زيادة الاجور للعمالة بهذا القطاع وارتفاع القيمة الايجارية. ـ توجه بعض التجار الى تحقيق ارباح غير مستحقة استغلالاً لظروف السوق. ـ ارتفاع اسعار المواد الخام والشحن البحري واسعار التأمين في ظل الظروف المحيطة بالمنطقة. تحقيق: مصطفى عويضة
