السبت 12 محرم 1424 هـ الموافق 15 مارس 2003 تشكل القرصنة الخطر الأكبر الذي يهدد صناعة البرمجيات العالمية والعربية على حد سواء. وعلى الرغم من ان قرصنة برامج الكمبيوتر تعد ظاهرة عالمية ، لا تكاد تخلو منها دولة في دول العالم إلا ان هذه الظاهرة كانت أكثر انتشارا واستفحالا في العالم العربي بشكل خاص حتى بدأت الدول العربية الواحدة تلو الاخرى تدرك مخاطر هذه الظاهرة ليس فقط على صناعة البرمجيات وإنما تمتد حتى تهدد مناخ الاستثمار في هذه الدول. وخلال السنوات القليلة الماضية نشطت جهود العديد من الهيئات والمؤسسات الدولية والاقليمية بالتعاون مع الحكومات والمؤسسات العربية لمواجهة هذه الظاهرة التي تلحق بهذه الصناعة خسائر سنوية تقدر بعشرات المليارات من الدولارات. وتكشف المتابعة الأولية انه كلما زادت درجة تقدم الدولة أو تحولها الى الاعمال الالكترونية كلما قلت نسبة القرصنة في هذه الدولة رغم ان الاعمال الالكترونية تعني استخداما اكثر للحلول والبرمجيات. وكانت الامارات في المقدمة في مجال مكافحة القرصنة وخفض معدلاتها الى المستويات العالمية تماما كما كانت سباقة في استخدام تقنية المعلومات والتحول الى الاعمال الالكترونية. فماذا عن احدث الاحصاءات العالمية حول معدلات القرصنة في العالم العربي والشرق الاوسط وما هو موقع الامارات في هذا السبيل؟ ما هو الدور الحكومي المطلوب لمواجهة القرصنة وهل مواجهة هذه الظاهرة مسئولية الشركات المنتجة للبرامج أم انها مسئولية حكومية أيضا؟ وما هو الدور الذي تبذله الاتحادات الاقليمية والدولية مثل الاتحاد العالمي لمنتجي برامج الكمبيوتر أو الاتحاد العربي لبرامج الكمبيوتر في مواجهة الظاهرة؟ الاستثمارات في البداية يقول جواد الرضا المدير الاقليمي في الشرق الاوسط للاتحاد الدولي لبرامج الكمبيوتر ان القرصنة تشكل خطرا كبيرا على صناعة البرمجيات وبالتالي على صناعة تقنية المعلومات والاعمال الالكترونية بشكل عام. بل وتهدد الاستثمارات في أي بلد تنتشر فيه لان الشركات العالمية لا يمكن أن تستثمر في بلد لا يحترم الملكية الفكرية ويطبق قوانين حماية الملكية الفكرية. ولهذا فان الحكومات ذاتها عليها مسئولية في مواجهة الظاهرة. وبدأت العديد من حكومات المنطقة تدرك ان مكافحة القرصنة ليس مسئولية الشركات فقط. كما ان مكافحة القرصنة ليس لحماية أرباح الشركات المنتجة فقط وانما حماية لاستثمارات هذه الدولة. فهذه الشركات أنفقت المليارات على البحوث والتطوير وبالتالي من حقها الحصول على عائدات انتاجها من البرامج. وأضاف جواد الرضا ان الشركات العربية في البداية لم تكن تدرك مخاطر الظاهرة ولكن الآن وبعد أن تأثرت أعمالها كثيرا بسببها بدأت تبذل كل ما في وسعها لمواجهتها. وقد شهد الاتحاد الدولي لبرامج الكمبيوتر زيادة في عدد الشركات العربية الاعضاء بالاتحاد. العصر الذهبي ويقول جواد الرضا ان السنوات القليلة المقبلة ستشهد العصر الذهبي لبرامج الكمبيوتر العربية نظرا للاقبال عليها من ناحية والتطور التقني المذهل وانتشار استخدام الانترنت. كما ان جهود مكافحة القرصنة بدأت تؤتي ثمارها وتشهد العديد من الدول العربية انخفاضا ملحوظا في معدلات القرصنة بها عاما بعد آخر. ويعد العامل الرئيسي في هذا الانجاز حملات التوعية المستمرة التي تقوم بتنظيمها الى جانب تعاون الحكومات والتطبيق الحازم لقوانين حماية الملكية الفكرية. وقد بدأ الوعي يؤتي ثماره. وحول أكثر الدول العربية نجاحا في هذا المجال يقول جواد الرضا ان الامارات في مقدمة دول المنطقة للعام السابع على التوالي حيث نجحت في خفض معدلات القرصنة الى معدلات عالمية بل تفوقت على العديد من الدول الاوروبية. وقد حدث هذا الانجاز خلال سنوات قليلة ولكن بالتصميم والحسم في تطوير القوانين وتطبيقها. وأتوقع أن تواصل الامارات تحقيق معدلات أفضل في العام الحالي. كما أتوقع أن تحقق السعودية ومصر والاردن انجازات في هذا المجال. هناك تجاوب كبير من قبل جميع الحكومات بالمنطقة ونحن نلمس هذا. الاسعار وحول دور الشركات في مكافحة الظاهرة يقول جواد الرضا اننا نبذل جهودا مع الشركات لتقديم عروض اسعار وخصومات بحيث تكون أسعار البرامج الاصلية غير مرتفعة. ويكفي ان الشركات اعضاء الاتحاد تقدم خصومات للقطاع التعليمي تصل الى 97%. كما ينظم الاتحاد مع الشركات العديد من التداولات والدورات التدريبية على مدار العام لتوعية المستخدمين بأهمية استخدام البرامج الأصلية ليس فقط لتجنب عقوبة مخالفة القوانين وانما ايضا لحماية استثماراتهم واجهزتهم وبأسعار متقاربة. وذكر جواد الرضا ان الاتحاد هو مؤسسة تمثل الشركات المنتجة للبرامج سواء كانت عالمية أو اقليمية في مكافحة قرصنة البرامج والمتاجرة غير المشروعة بها. وطريقة عملنا تتركز على العمل مع الحكومات المحلية لشرح المخاطر الاقتصادية الناتجة عن قرصنة البرامج وأهمية اصدار تشريعات لحماية الملكية الفكرية. اما مع المستخدمين، سواء كانوا شركات أو افراد، فمهمتنا الاساسية هي التوعية وتعريف الجميع بماهية الاضرار التي يتعرضون لها عند استخدام أو شراء برامج غير مشروعة. هناك من يعتقد انهم لا يخسرون شيئا عندما يستخدمون برامج غير مشروعة ومهمتنا ان نوضح لهم ماذا يخسرون فعلا. وحول الشركات العربية ورؤيتها لجهود الاتحاد قال ان الشركات العربية المنتجة للبرامج تدرك منذ البداية مخاطر القرصنة واهمية مكافحتها باعتبارها كانت ضحية هذه الاعمال غير القانونية منذ البداية. ويوجد لدينا في عضوية الاتحاد عدد جيد من شركات البرمجة العربية من كل من الامارات والكويت والسعودية ومصر والاردن ولبنان وهم ممثلون في مجلس الادارة الاقليمي للاتحاد ويعملون معنا جنبا الى جنب. وحول التنسيق مع الحكومات بالمنطقة أكد ان في الامارات التنسيق بيننا وبين وزارة الاعلام هو على أعلى المستويات حيث نعمل معا بروح الفريق الواحد، وهذا شيء طبيعي باعتبار الدولة كانت من أوائل الدول في المنطقة التي تنبهت لمخاطر القرصنة. وعملنا مع وزارة الاعلام وخاصة مكتب الرقابة الاعلامية وكذلك مع بقية حكومات المنطقة يشمل حماية الملكية الفكرية ومكافحة القرصنة اضافة الى بعض القضايا المرتبطة بهذه الامور والتي تؤثر في صناعة البرمجيات مثل التجارة الالكترونية والاتصالات والتشفير والتعرفة الجمركية. ولا يتوقف التعاون عند هذه المواضيع وانما نقوم في معظم الحالات بتقديم مجموعة من الخدمات المتخصصة في كشف ومكافحة عمليات الاستخدام غير القانوني لبرامج الكمبيوتر. ومن حيث التجاوب، أستطيع القول ان كل الحكومات التي اتصلنا بها في المنطقة كانت دائما متجاوبة معنا وتعاونوا سواء في مكافحة القرصنة أو في تسهيل القضايا المرتبطة بالبرامج بشكل عام. وتركز حملات التوعية التي نقوم بها، سواء في الامارات أو في بقية البلدان المجاورة على تعزيز الوعي القانوني والتجاري بقضايا الملكية الفكرية وذلك من خلال تنظيم ندوات تعريفية تشرح فوائد وميزات استخدام برامج الكمبيوتر المشروعة لحث الجمهور على استخدام البرامج القانونية في كل التطبيقات التي يحتاجونها. وحول مسألة الأسعار أوضح ان المسألة لا تتعلق بالسعر من ناحية عملية، وليس أدل على ذلك من انه عندما قدمت الكثير من الشركات تخفيضات سعرية كبيرة على برامجها لم تقل القرصنة. نحن أمام ممارسة خطيرة تأخذ في بعض الاحيان صفة جريمة، ولا يتعلق الامر بارتفاع او انخفاض الاسعار فقط. ومن ناحية اخرى، فالشركات المختلفة تقوم دائما بتخفيضات متواصلة كما تفعل مايكروسوفت و«اوتو دسك» مثلا التي يوجد لديها سياسة تسعير خاصة بالطلاب حيث تقدم لهم اسعارا منخفضة جدا. كما قامت معظم شركات البرامج العربية بتخفيض اسعارها الى درجات كبيرة وخاصة برامج الوسائط المتعددة ومع ذلك للاسف لا يزال هناك من يقوم بنسخها بشكل غير قانوني ويبيعها حتى بأسعار توازي السعر القانوني. وحول جهود الاتحاد لمكافحة القرصنة على الانترنت قال جواد الرضا نعمل حاليا مع الجهات الرسمية المعنية وكذلك مع الهيئات المشرفة على تنظيم قطاع الاتصالات وموفري خدمات الانترنت لوضع اطار يمكن من خلاله مكافحة هذه الظاهرة بدون التأثير على انتشار الانترنت او الحد من الاستفادة المثمرة منها. ويلخص الجدول المرفق بعض المعلومات عن حجم عمليات القرصنة في البلاد العربية حيث بلغ اجمالي خسائر المنطقة عام 2001 بسبب القرصنة نحو 140 مليون دولار. توحيد الجهود من جانبه اشاد سكوت باكلر رئيس الاتحاد العربي لمكافحة القرصنة بدولة الامارات وجهودها في مكافحة الظاهرة. وذكر ان الاتحاد العربي لمكافحة القرصنة تأسس عام 1996 عن مجموعة سابقة كانت متخصصة في مكافحة قرصنة اشرطة الفيديو ونسخها بشكل غير شرعي، ثم تطورت الى الاتحاد العربي لمكافحة القرصنة الذي يركز جهوده في مكافحة قرصنة الافلام، وبطاقات الساتلايت والالعاب التفاعلية اضافة الى برامج الكمبيوتر التجارية. ونعمل جنبا الى جنب مع اتحاد منتجي البرامج التجارية وخاصة لجهة التعاون مع الحكومات حيث نتولى ابلاغ الجهات الرسمية عن اي مخالفة كما اننا ننسق في تنظيم الندوات والحملات التعريفية والترويجية. كما نتعاون مع حكومات المنطقة وخاصة في دول الخليج ضمن اطارين الاول تعزيز وتقوية الفهم القانوني لتجريم القرصنة ومتابعة المخالفين والثاني هو التوعية والاعلام وتعريف الجهود والشركات بمخاطر القرصنة ولماذا يجب ان يتوقفوا عن استخدام اي برامج او منتجات غير قانونية. ونلقى تعاونا ممتازا من جميع حكومات المنطقة. وحول مكافحة القرصنة على الانترنت قال باكلر نحن الآن نتحدث عن البرامج التجارية، ولكن القرصنة عبر الانترنت موضوع خطير وسوف نوحد جهودنا مع اتحاد منتجي البرامج التجارية والهيئات الحكومية المعنية لوضع الضوابط القانونية المناسبة لهذا الموضوع. وأضاف: في الوقت الذي نشكر فيه حكومات المنطقة، وفي مقدمتها حكومة الامارات ممثلة بوزارة الاعلام، على تجاوبها الكبير مع جهودنا لمنع ومكافحة القرصنة، فاننا ندعم مستخدمي الكمبيوتر سواء كانوا في الشركات أو افرادا الى ان يدركوا حقيقة مهمة وهي انهم هم ايضا يخسرون ويتضررون من استخدام البرامج غير الشرعية، وذلك من خلال فقدان حقهم في الدعم الفني والترقيات المجانية والتدريب وغير ذلك من الميزات التي يحصل عليها مستخدمو البرامج الاصلية. وحول موقف الشركات من القرصنة تقفز دائما شركة مايكروسوفت الى الذكرة باعتبارها عملاق صناعة البرمجيات في العالم. ويقول عبداللطيف الملا المدير الاقليمي للشركة في منطقة الخليج ان الشركة تستثمر نحو 6 مليارات دولار سنويا في الابحاث وبالتالي فان من حقها ان تحصل على عائدات برامجها ولا تذهب هذه العائدات الى احد آخر لم يستثمر ولم ينتج. وان القرصنة تسبب لشركات البرامج خسائر سنوية بالمليارات. ان المستهلك يوفر على نفسه مبالغ ضئيلة جدا ولكنه يخسر الكثير من الاستثمارات لبلده لان احترام حقوق الملكية الفكرية امر مهم جدا لجذب الاستثمارات. وحول ارتفاع اسعار البرامج الاصلية يقول الملا ان هذا الامر غير صحيح. فالشركات والحكومات لديها عقود مع مايكروسوفت وتحصل على اسعار خاصة بخصومات تصل 60%. اما القطاع التعليمي فيحصل على خصومات تتراوح بين 90-97% وهذا يعني ان كل افراد المجتمع يحصلون على هذه الخصومات لان المجتمع كله أو معظم الاسر لديها افراد في مراحل التعليم المختلفة وبالتالي يحصلون على هذه الخصومات. وختم الملا بالاشادة باحترام حقوق الملكية الفكرية في الامارات مؤكدا ان القرصنة في الدولة في تراجع مستمر. تحقيق: عبدالفتاح فايد