الجمعة 11 محرم 1424 هـ الموافق 14 مارس 2003 تسابق الحكومة المصرية الريح لوقف الارتفاع الجنوني للأسعار الذي أرهق الأسرة المصرية من كل فئات المجتمع المصري، وعلى الرغم من حالة الركود والكساد، التي تميز الأسواق المصرية منذ ثلاثة أعوام تقريبا، الا ان الشهرين الماضيين شهدا موجة ارتفاع وصفت بالجنونية في الاسعار وذلك في تناقض واضح مع حالة الركود العامة®. ومع تعدد الأسباب التي أدت الى ارتفاع الأسعار، الا أن قرارات الحكومة بتحرير سعر الصرف، وتخفيض الجنيه امام الدولار هي التي خلقت موجة الارتفاع، ومع تقلبات الأحوال السياسية في المنطقة مع تفاقم الأزمة العراقية، والتوقعات المصاحبة لها بخسائر كبيرة في الاقتصاد المصري®. لم تجد الحكومة مفرا أمامها غير التدخل لحسم المشكلة على الرغم من تعارض ذلك مع سياسة التحرر الاقتصادي الذي تخضع في ظله السلع لمفهوم العرض والطلب®. ومن هذه الخلفية تعددت الاجتماعات الحكومية، وتنوعت التصريحات التي اشارت الى حتمية اتخاذ اجراءات صارمة لضبط الأسواق®. وبدأت الحكومة في الحديث عن احياء بعض الوسائل التي كانت تخلت عنها من قبل مثل ضخ السلع في المجمعات الاستهلاكية وأعلنت قائمة بهذه السلع ستخضع للتسعيرة الاجبارية، ويشمل ذلك الدقيق (120 قرشا) للكيلو والأرز (165 قرشا) النشا (160 قرشا) السكر المحلي (160 قرشا) المستورد (130 قرشا)، زيت القطن 425 قرشا، وزيت الصويا 400 قرش وزيت الذرة 500 قرش®. عبوة المسلى الصناعي زنة 4 كيلو بـ 50 جنيها، مكرونة معبأة نصف كيلو 85 قرشا®. وكيلو الجبنة البيضاء القديمة 850 قرشا®. الجبن المطبوخ 750 قرشا. كما شملت القائمة أسعار اللحوم فحددت سعر كيلو اللحوم المشفى كندوز 16 جنيها والجاموسي بـ 17.5 جنيها®. وتضمنت القائمة الصابون والمنظفات الصناعية فحدد سعر الصابونة التواليت 200 غرام بـ 45، والصابون 125 غراما بـ 75 قرشا والمنظفات الصناعية منخفضة الرغوة بـ 500 قرش. هذه الاجراءات التي تعتزم الحكومة اتباع أساليب جادة في تنفيذها فمن أين بدأت القصة؟ وهل ستنجح سياسة ضبط الأسعار؟ ومن اللحظة الحالية يمكن القول ان انخفاض سعر الدولار سيفسد على التجار حجتهم بأنه الدولار هو سبب الأزمة الحالية وتأكد للحكومة أنهم الطرف المدان في عدم استقرار السوق حتى أن الدكتور عاطف عبيد رئيس الوزراء أعلن في الرد على بيان الحكومة في مجلس الشعب انه يجب على التجار والصناع العودة بأسعار خمس عشرة سلعة أساسية إلى ما قبل 29 يناير وهو موعد تحرير سعر الصرف، وأكد على نشر هذه الاسعار لمدة ثلاثة شهور مقبلة وستقوم الحكومة بالمبادرة من جانبها بطرح جميع السلع التي تنتجها شركات قطاع الاعمال العام بأسعار ما قبل 29 يناير ولمزيد من التفسيرات وعدت الحكومة برد الزيادة في التكلفة لأي منتج أو مستورد لسلع تزيد تكلفتها على التكلفة قبل هذا التاريخ وسوف تعفى هذه السلع من الرسوم الجمركية اعفاء كاملا بل ستكون المحاسبة الجمركية على الـ 15 سلعة على أساس سعر ثابت للدولار الجمركي إبتداء من أمس الأول ولمدة شهر قابلة للتجديد وهو الأمر الذي طالب به المصنعون المحليون والمنتجون. وكانت العلاقة بين الحكومة والتجار ومنظمات الاعمال التجارية والصناعية قد شهدت توترا خلال الفترة الماضية بسبب الضغط الشعبي على الحكومة نتيجة ارتفاع الاسعار التي شملت كافة السلع الأساسية ومست طعام المصريين بشكل مباشر إلى جانب ارتفاع أسعار الأدوية والمنظفات والسلع الكهربائية والعديد من المنتجات الأخرى وهو ماأدى بالحكومة الى التفاوض مع التجار بالرجاء والمناشدة بخفض الاسعار بعد أن اكتشفت أنها لا تملك أدوات حقيقية لمواجهة جشع التجار خاصة بعد غياب التسعيرة الجبرية ، وتلكؤ الحكومة نفسها في إصدار قانون الاحتكار فضلا عن افتقادها لأية آليات فاعلة لضبط إيقاع السوق وجعلت هذه الحقيقة الفرصة سانحة للجميع للتلاعب بالاسعار وقام رئيس الوزراء بعقد العديد من الاجتماعات أولها مع إتحاد الغرف التجارية الذي يمثل نحو 3.5 ملايين تاجر ووعد رئيس الإتحاد خالد أبو إسماعيل بالتفاهم مع التجار وتصعيد الأمر بالشطب لكل المخالفين وفقا لميثاق الشرف الذي يحكم علاقات الإتحاد ورغم ذلك لم يلتزم أعضاء الإتحاد بوعد رئيسهم وشهدت الأسعار زيادة أكبر رغم التزام موزعي السلع الكبار بخفض هامش الربح. وفي خطوة جنحت نحو الرغبة في هيمنة الدولة على القضية، بعد أن شهدت في السنوات الماضية انسحابا لها في ذلك، شهدت وزارة الصناعة اجتماعا حضره العديد من التجار والصناع وعدد من الوزراء من بينهم وزير قطاع الاعمال ووزير الصناعة ووزير التموين ووزير الإنتاج الحربي وهم الاطراف الأساسية في قضية الأسعار وفي هذا الاجتماع إنتقلت الحكومة من المناشدة إلى التهديد والوعيد بعد أن اكتشف فشل الاسلوب الأول وقام وزير التموين بالتهديد باستخدام قانون الطوارئ لإجبار التجار على خفض الاسعار متهما اياهم بالجشع والثراء على حساب المستهلك كما اتهمهم بالإتجار في قوت البسطاء وأصر وزير التموين على ضرورة حضور هذا الاجتماع مساعد وزير الداخلية لمباحث التموين وكذلك رئيس مصلحة الضرائب إشارة إلى عزم الحكومة على مطاردة التجار والصناع ضريبيا وقد أكد ذلك د. عبيد رئيس الوزراء فيما بعد. ووصل الأمر إلى التهديد بحرمان الصناع والتجار من التسهيلات المصرفية والعديد من المزايا التي تمنحها الدولة في حالة الزيادات السعرية غير المبررة. لغة التهديد رفضها التجار والصناع مؤكدين أن قانون الطوارئ لا يجب تطبيقه سوى على الإرهابيين والمجرمين وهم غير ذلك وزاد الأمر بإتهام التجار للشركة القابضة للصناعات الغذائية بأنها أول من رفع الاسعار بمجرد صدور قرار تحرير سعر الصرف حيث قامت شركة السكر والصناعات التكاملية برفع اسعار السكر المحلي من 1450 إلى 1740 جنيها للطن وانتقد التجار قرار رئيس الشركة بقصر توريد السكر على المصانع دون التجار كما حذروا من إنهيار صناعة الحلوى خلال الفترة المقبلة والتي تعتمد فى صناعتها على مصانع صغيرة ستتمتنع الحكومة عن توريد السكر إليها كما برر بعض المنتجين زيادة أسعار الحلاوة الطحينية وهي غذاء أساسي للمستهلك البسيط بإرتفاع أسعار السمسم حيث ارتفعت أسعاره من 490 دولاراً إلى 900 دولار للطن بما يساوي ضعف الاسعار وهو يمثل 85% من الخامات الرئيسية المستخدمة في صناعة الحلاوة كما رفضوا تحمل المسئولية في زيادة الاسعار مبررين أن الاسواق تعاني من الركود والكساد والمنافسة التي لا تتبع زيادة هامش الربح. هذا الاجتماع لم يتم التوصل فيه إلى صيغة إتفاق إلا أنه أسفر عن إعلان أسعار شمل سلع أساسية للمستهلك لمدة شهرين وهي السلع التي تنتجها شركات قطاع الاعمال وتعرض في المجمعات الإستهلاكية فقط وتشمل زيت الطعام والسمن الصناعي، السكر، الأرز، الشاي، الحلاوة الطحينية والمنظفات الصناعية بينما تجاهل الإتفاق السلع المهمة مثل الفول، الدقيق، المكرونة، الألبان اللحوم وهو ما يعني التزام شركات قطاع الاعمال فقط دون الزام القطاع الخاص.