الاحد 6 محرم 1424 هـ الموافق 9 مارس 2003 في اجتماعاته الدورية منتصف وأواخر العام الماضي، أقر مجلس الوحدة الاقتصادية العربية استراتيجية جديدة للعمل الاقتصادي العربي المشترك، حتى عام 2020، وفي مقدمتها إنشاء آليتين جديدتين، احداها لتنمية الاستثمارات العربية البيئية التي لا تزيد عن 2% حتى الآن، والثانية لتنمية التجارة العربية البينية التي تستهدف الوصول بالتجارة العربية من 8% حاليا الى 20% خلال الخمس سنوات المقبلة، فهل ستكون هاتان الآليتان مرحلة جديدة للتعاون الاقتصادي العربي الجاد تنتهي بموجبها مراحل فاشلة ومتردية خلال النصف قرن الأخيرة؟ إن أحدا لا يعترض على أن التعاون الاقتصادي العربي يتطلب صحوة كبيرة وعملا شاقا بعد نقد عربي وعالمي لأحوال المنطقة العربية، وبعد تهميش عمل المنظمات العربية المشتركة التي لم تنجز ولا خطوة واحدة في مجال إنشاء السوق العربية المشتركة، وهو الهدف العملي والجاد لهذا التعاون منذ عام 1964 بعد أن صدر قرار مجلس الوحدة الاقتصادية العربية بإنشائها في ذلك العام. والحقيقة أن العالم العربي كان وما زال يعيش تعاونا اقتصاديا هشا وشكليا وهو ما يكرس التجزئة القطرية التي بدأت بعد خروج الاستعمار في منتصف القرن الماضي، ويمكن القول أن الأهداف الواردة في اتفاقية الوحدة الاقتصادية العربية لم تصغ من فراغ وإنما رؤي حينئذ الاسترشاد بالعواطف التي تشعر بها الشعوب العربية ووضعها في شكل قانوني بدأ بالتوصية الصادرة من مجلس الوحدة الاقتصادية العربية لإنشاء السوق العربية المشتركة. وسرعان ما تحولت هذه التوصية الى قرار اداري ثم الى اتفاقية كاملة لإنشاء السوق العربية المشتركة كان من المتصور أن يتم تنفيذها بعد أسابيع قليلة في العام المذكور، فإذا بها تتحول الى مجرد شعارات لتفريغ العواطف العربية وامتصاص ما يدور بعقول الشعوب العربية وتمنياتهم (القلبية) بينما لم تتحقق خطوات عملية على طريق إنشاء هذه السوق التي ان تحققت منذ ذلك الوقت لأدت الى وضع عربي مختلف كان يمكن أن يعالج الضعف والمهانة التي تعيش المنطقة العربية في ظلها حاليا. أقول انه في ذلك العام كان الطريق ممهدا الى تحقيق الوحدة الاقتصادية العربية بعد فراغ في الخمسينيات أدى الى مشاكل وتردي عربي عام وسحب للأموال العربية الى الخارج واستنزاف للثروة البشرية والمادية ونقلها الى الدول الأجنبية وخاصة الى تلك الدول التي كانت تستعمرها في الماضي حيث بلغت الأموال العربية المستثمرة في أوروبا حوالي 800 مليار دولار أميركي (حسب احصائية في عام 1990) ثم الاستفادة الخارجية منها بعيدا عن المنطقة العربية، كما ساهم عدد كبير من العلماء العرب في النهضة الأوروبية والأميركية. لقد كان ذلك أحد العوامل الهامة أمام المفكرين العرب ورجال الاقتصاد الذين سعوا الى اعداد المبادئ الواردة في اتفاقية الوحدة الاقتصادية العربية للحفاظ على ما تبقى من الأموال والثروات العربية المتعددة، ومنعها من الهجرة الى الخارج، ولذلك تضمنت المادة الثانية من الاتفاقية كل الأهداف التي تعمل على تحقيق سوق عربية مشتركة فعلية بين الدول العربية، لا يقل مستواها عن مستوى السوق الأوروبية المشتركة التي بدأ التمهيد لها في نفس العام بعد التوقيع على معاهدة روما في مارس 1957. ولقد كانت معاهدة روما التي أنشئت بموجبها الجماعة الاقتصادية الأوروبية والتي كان الهدف منها إقامة سوق مشتركة والتقارب بشكل تدريجي بين السياسة الاقتصادية والنقدية للدول الأعضاء وتشجيعهم على تدعيم التنمية المتناسقة بين القطاعات الاقتصادية بحيث يتوافر النمو المتوازن والمستدام بين الدول الأوروبية المختلفة، الغني منها والفقير، الكبير والصغير. لقد رأى المفكرون العرب الذين تألموا لعدم تحقيق انجازات في مجال التعاون الاقتصادي العربي حتى منتصف الستينيات بينما تحققت انجازات اقليمية عديدة في مناطق أخرى من العالم، رأوا أن تتضمن المادة الثانية من اتفاقية الوحدة الاقتصادية العربية الخطوات العملية والضرورية لقيام الوحدة الاقتصادية بين بلادهم وخلق سوق عربية مشتركة على غرار خطوات إنشاء السوق الأوروبية المشتركة التي بدأتها الدول الأوروبية بعد اتجاهها بقوة نحو التعاون الاقتصادي، ولذلك نصت على الخطوات التالية: ـ جعل البلاد العربية منطقة جمركية واحدة تخضع لادارة واحدة، وتوحيد التعريفة والتشريع والأنظمة الجمركية المطبقة في كل منها. ـ توحيد سياسة الاستيراد والتصدير والأنظمة المتعلقة بها. ـ توحيد أنظمة النقل والترانزيت. ـ عقد الاتفاقات التجارية واتفاقات المدفوعات مع البلدان الأخرى بصورة مشتركة. ـ تنسيق السياسة المتعلقة بالزراعة والصناعة والتجارة الداخلية وتوحيد التشريع الاقتصادي بشكل يكفل لمن يعمل من رعاية البلاد المتعاقدة في الزراعة والصناعة والمهن الأخرى شروط متكافئة. ـ تنسيق تشريع العمل والضمان الاجتماعي. ـ تنسيق تشريع الضرائب والرسوم الجمركية والبلدية وسائر الضرائب والرسوم الأخرى المتعلقة بالزراعة والصناعة والتجارة والعقارات وتوظيف رؤوس الأموال بما يكفل تكافؤ الفرص. ـ تلافي ازدواج الضرائب والرسوم على المكلفين من رعايا الدول المتعاقدة. ـ تنسيق السياسات النقدية والمالية والأنظمة المتعلقة بها في بلدان الأطراف المتعاقدة تمهيدا لتوحيد النقد بها. ـ توحيد أساليب التصنيف والتبويب الاحصائية. ولاشك أن هذه الأساليب لم تغفل شيئا من الخطوات المطلوبة والضرورية لتحقيق الوحدة الاقتصادية العربية والسوق العربية المشتركة، كما أنها تصلح للعمل بها في أي زمان ومكان وقد أخذ بأغلبها في إنشاء السوق الأوروبية المشتركة والتي أصبحت في طريقها اليوم لتحقيق الوحدة الاقتصادية الأوروبية والتي ستقود قريبا الى دولة أوروبية موحدة تحت اسم الولايات الأوروبية المتحدة، وهذه الأساليب اذا تم تفعيلها عن طريق مجموعات من الخبراء العرب فإنها ستقود حتما الى تحقيق الأهداف الواردة في اتفاقية الوحدة الاقتصادية العربية والسوق العربية المشتركة والتي تبلورت أهدافها في: ـ حرية انتقال الأشخاص. ـ حرية تبادل البضائع والمنتجات الوطنية والأجنبية. ـ حرية الاقامة والعمل والاستخدام وممارسة النشاط الاقتصادي. ـ حرية النقل والترانزيت واستعمال وسائل النقل والمواني والمطارات المدنية. ـ حقوق التملك والايصاء والإرث. وهي أهداف تغطي فعلا مشاعر الشعوب العربية كبديل عن تحقيق الوحدة الفعلية التي أهملت بعد قيام جامعة الدول العربية عام 1945 في ضوء تخطيط أجنبي لمنع قيام الوحدة العربية وحتى لا تصل الدول العربية المستقلة حينئذ، والتي استقلت فيما بعد، الى مستوى يتقارب مع الدول التي توحدت تاريخيا كألمانيا وايطاليا والولايات المتحدة الأميركية، وهو تخطيط أجنبي جاء من الفكر الصهيوني الذي وصل الى حد خطير بعد هزيمة المانيا في الحرب العالمية الثانية والذي رأي أن قيام الوحدة العربية سيمنع قيام دولة اسرائيل التي بدأ التخطيط لها في ذلك الوقت وإن كان التمهيد لها قد بدأ خلال فترة ما بين الحربين العالميتين. ولكي نستعرض المراحل السابقة للتعاون الاقتصادي العربي علينا أن نعرف أولا أن الوسائل التي حددتها اتفاقية الوحدة الاقتصادية العربية، وكذلك الأهداف الخمسة التي وردت بالاتفاقية والتي تحولت الى اتفاقية السوق العربية المشتركة، هذه الوسائل وتلك الأهداف لم يتحقق منها شيئا حتى الآن وخلال نصف قرن تقريبا، وهو ما يؤكد عدم جدية هذا التعاون وأنه لم يصل الى مرحلة الطموح التي يتمناها الشعب العربي. ولقد تحقق بديلا عن ذلك قيام مؤسسات أطلق عليها منظمات عربية مشتركة اكتظت بالعاملين والرؤساء الذين حصلوا على مرتبات ومزايا وصلت الى ملايين الدولارات دون أن ينجز شيئا محددا عن طريق الوسائل المذكورة ولم تحقق هدفا من الأهداف المقررة، وهو ما جعل المنطقة العربية في وضع سيئ، لأن التعاون بين دولها، إن تحقق كان يمكن أن يضع هذه المنطقة في وضع حضاري يتناسب مع تاريخها الطويل وقوتها السابقة وأصلها العربي الأصيل، وإنما ما تحقق يوضح للعالم أن المستوى الفكري والعقل العربي والصفات المادية التي اتسم بها أقطاب العرب في النصف قرن الأخير، لم يصل الى الحد المستنير الذي يستطيع وقف الأعداء عند حدودهم وعدم تمكينهم من الحصول على الحقوق العربية المشروعة. لقد كان من غير المنطقي أن تبنى مؤسسات وتشيد منظمات وتقام مؤتمرات وندوات وملتقيات خلال ما يزيد عن اربعين سنة، بينما لا يتحقق هدف واحد من أهداف اتفاقية الوحدة الاقتصادية العربية!! ولا تطبق وسيلة واحدة من الوسائل التي نصت عليها هذه الاتفاقية!!، وهو ما يعطي مؤشرا لضعف المنطقة العربية وتمسك حكامها بأوضاع التجزئة الحالية وبالتالي تظل أوضاع الأمة العربية على ما هو عليه، وتستمر حالات النهب والاستنزاف التي يقوم بها الأعداء وفي مقدمتهم اسرائيل. وفي نصف القرن الأخير ظلت مستويات العلاقات العربية - العربية على ما هو عليه فالتجارة العربية البينية لا تزيد حاليا عن 8% من اجمالي التجارة الخارجية العربية، والاستثمارات العربية البينية لا تزيد عن 2% من اجمالي الاستثمارات العالمية، ومازال حجم الفجوة الغذائية العربية حاليا يصل الى حوالي 13 مليار دولار أميركي بينما لا يزيد الناتج المحلي العربي عن 172 مليار دولار أمريكي وهو ما يمثل 2% فقط من اجمالي الناتج العالمي بالرغم مما تتمتع به المنطقة العربية من انتاج بترولي ومعدني ضخم، كما أن نصيب الفرد العربي من اجمالي الناتج المحلي مبلغ 2465 دولارا وفقا لاحصائيات عام 2001، أما تناقضات التنمية فمازالت تنتشر في المنطقة العربية حيث يبلغ متوسط الفرد في بعض البلاد حوالي 500 دولار في السنة بينما يزيد هذا الدخل في بلاد أخرى عن 30 ألف دولار أميركي سنويا!! أوضاع غريبة تسود المنطقة العربية وتؤكد أن التعاون الاقتصادي العربي لم ينجز شيئا خلال نصف القرن الأخير وأن أوضاع التجزئة تتحكم في عقول بعض قادة هذه الأمة والتي يسعون لتكريسها والاستفادة منها، بينما العصر الذي نعيشه لا يحتمل الأوضاع التي تقود الأمة العربية الى الهلاك الحتمي والذي بدأ بغزو العراق للكويت، وهو ما يؤكد بشكل واوضح أن هذه الأمة تواجه فعلا حالة الموت البطيء والتي سوف تستمر ما لم يكن هناك صحوة عربية عاجلة. هذه الصحوة لن تتحقق إلا في ضوء فكر عربي متقدم يقوم على استثمار كل الثروات والامكانيات العربية لصالح المواطن العربي في أي دولة عربية - فهل تكون آليات مجلس الوحدة الإقتصادية الجديدة بداية لهذه الصحوة ولهذا الفكر المتقدم؟ أم تكون مجرد هياكل جديدة تضاف الى الهياكل القديمة التي نجحت في إضاعة الوقت ووقف تنفيذ التعاون الجاد الذي كان يمكن أن يتحقق على غرار التعاون الأوروبي وغيره من التنظيمات الاقتصادية الاقليمية التي نجحت في مناطق أخرى من العالم؟؟