الاحد 6 محرم 1424 هـ الموافق 9 مارس 2003 نحن الأميركيين بشر أيضاً.. وهو أمر يتعين على منتقدينا الأجانب ان يتذكروه، ومنذ الحرب العالمية الثانية، تمتعت العولمة الاميركية، بدعم شعبي ثابت، ففي عام 1945، اعتقد 71% من الاميركيين انه سيكون من الافضل لو شاركنا بفاعلية في الشئون الدولية، وفي عام 2002، كان 71% من الاميركيين لايزال يحمل هذا الاعتقاد، ولكن هذا الدعم ليس امرا مقدرا، وتعتبر الانعزالية والحمائية بدائل زاحفة تتضمن قائمة الخاسرين فيها كلا من الالمان والبلجيكيين والصينيين وحتى الفرنسيين «من بين شعوب أخرى».انهم يقللون من اهمية مخاطر ردة الفعل، فالأميركيون يكرهون تعريض ابنائهم وبناتهم للخطر فقط من اجل كسب رضا ما يسمى بالحلفاء، وعلى الرغم من ان الولايات المتحدة لا ترغب في ان تصبح امبراطورية، الا ان سياستها الخارجية تسعى إلى تعزيز نظام اقتصادي وسياسي عالمي، ونحن نعتبر مصالحنا وهذه المصالح الاوسع شيئا واحدا، ولا تستطيع اي دولة اخرى «أو كتل مثل الاتحاد الاوروبي أو الامم المتحدة» ان تعوض الان ما تقدمه الولايات المتحدة. شرطة عالمية: مع ان الاجانب يميلون إلى رؤية الولايات المتحدة كراعي بقر متحمس، الا ان معظم الاميركيين يمقتون هذا الدور، وقد اظهر استطلاع حديث للرأي ان 65% من الاميركيين يعتقد ان «الولايات المتحدة تلعب دور شرطي العالم اكثر مما ينبغي». سوق عالمي: ليس هناك دولة كبرى أخرى مفتوحة لصادرات الدول الأخرى مثل الولايات المتحدة، وهذا دعم قوي لاقتصاداتها، ففي عام 2002، شمل العجز التجاري القياسي للولايات المتحدة «في السلع» 484 مليار دولار عجزا بقيمة 103 مليارات دولار مع الصين و82 مليار دولار مع الاتحاد الاوروبي و70 مليار دولار مع اليابان و13 مليار دولار مع كوريا الجنوبية. عملة عالمية: يظل الدولار هو العملة الدولية الرئيسية المستخدمة في التجارة والاستثمار العابر للحدود، ويضع الاجانب مدخرات هائلة في الولايات المتحدة، وقد بلغت قيمة ممتلكاتهم من الاسهم والسندات الاميركية في عام 2001 (1,3) تريليونات دولار. وعلى العموم، فان الاميركيين يعتقدون ان فوائد هذه الالتزامات تفوق خسائرها، ويبلغ الامر إلى درجة تحملنا النزعات المعادية للنمط الاميركي، وفي الشرق الاوسط، يعتبر هذا الشعور «المعادي لأميركا» على اشده، وفي الاماكن الاخرى من العالم، نعرف ان المثقفين الاجانب يروق لهم وصفنا بالمستأسد العالمي والقوة الامبريالية المتحدة، ومع ذلك، فان مظاهر التنديد الاخيرة تبدو مختلفة، ففي فرنسا، يحمل 34% من البالغين موقفا معاديا من الولايات المتحدة حسبما يفيد مشروع بيو لتوجهات الرأى العالمية، وفي المانيا، تبلغ تلك النسبة 35%، وفي كوريا الجنوبية، تصل إلى 44%. احد الدروس المستفادة من ذلك هو ان التاريخ لا يساوي الكثير، فقد افترض الاميركيون ان الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة اكسبتنا اساسا وطيدا من النوايا الحسنة، فكوريا الجنوبية ما كانت لتبرز إلى حيز الوجود لولا وجود الـ 34 الف اميركي الذين قضوا دفاعا عنها، وفي القرن الماضي، انقذت الولايات المتحدة اوروبا ست مرات على الاقل هي: الحرب العالمية الاولى، حيث قدمت 35 الف قتيل و204 آلاف جريح، والحرب العالمية الثانية التي قدمت فيها 292 الف قتيل و671 الف جريح «بما في ذلك ساحة الباسيفيك» وعملية اعادة البناء في فترة ما بعد الحرب، خطة مارشال، والحرب الباردة، حماية اوروبا من الدبابات السوفييتية، وحرب الخليج، حماية اوروبا من اسعار النفط المرتفعة وحرب البوسنة وكوسوفو. ولكن جيل الحرب العالمية الثانية مات او يحتضر، فيما عدا اوساط سكان اوروبا الشرقية، يبدو ان الحرب الباردة لا اهمية لها، فما تم طرحه إلى جانب التاريخ هو المصلحة الشخصية المتنورة، ما هي بالضبط التدخلات العسكرية الاميركية الاخيرة التي ينكرها الفرنسيون والالمان وغيرهم؟ هل هي حرب الخليج؟ التي منعت المزيد من العدوان العراقي، ومنعت صدام حسين من ان يصبح قوة نووية وخفضت اسعار النفط، هل هي البوسنة وكوسوفو وهو صراع تدخلت فيه الولايات المتحدة بشكل اساسي من اجل اظهار التزامها نحو اوروبا؟ هل هي حرب افغانستان، التي اضعفت القاعدة؟ ان منتقدي اميركا الاجانب لديهم جوابان على ذلك، الاول هو ان الصداقة مع الولايات المتحدة لا يمكن ان تتطلب طاعة عمياء للسياسات الاميركية أو لجورج دبليو بوش، والثاني هو اننا لسنا معادين لاميركا وانما للحرب فقط، ان هذين الرأيين يستحقان بعض الاحترام، ففي الحقيقة، ان ملايين الاميركيين يشاركونهم شكوكهم حول الحرب مع العراق، ولكن الاراء تلك كان يمكن ان تكون اكثر اقناعا لو انها بدت اقل ميلا للمصلحة الذاتية. فرنسا وروسيا تصران على عمليات التفتيش الخاصة بالامم المتحدة، ولكن فرنسا وروسيا عملتا في التسعينيات على اضعاف العقوبات الاقتصادية التي كانت تهدف إلى انجاح عمليات التفتيش، والصين وروسيا تحثان على التحرك المتعدد الاطراف، ولكن عندما تطلب الولايات المتحدة مساعدتهما في التعامل مع التهديد النووي لكوريا الشمالية، فانهما تكونان غائبتين، أما المانيا، فهي مؤهلة لمعارضة العمل العسكري الاميركي، ولكن جيرهارد شرويدر ما كان عليه ان يلجأ إلى النزعة المعادية لأميركا من اجل انقاذ حملته الانتخابية المتداعية، فهو والرئيس الفرنسي جاك شيراك لم يكتفيا بالاختلاف مع السياسة الأميركية، وانما قاما ايضا باذكاء مشاعر العداء لأميركا. ولدى التمحيص في الامر، فان العديد من الاعتراضات المتحضرة على القوة الاميركية تبدو مجرد اقنعة لاستياء مبسط من القوة الاميركية، وهذه ليست سياسة، وانما هي مشاعر غيظ، ولكي نكون منصفين، نقول انه غيظ اثير في جانب منه من قبل ادارة بوش، التي كانت لهجتها الخطابية العسكرية استفزازية ومثيرة بصورة لاداع لها، ولكنه لايزال غيظا غير متكون بفعل اعجاب بالدمار الشامل المحتمل. وبالفعل، بدأت النكات المعادية للفرنسيين بالانتشار، ويمكن لردة الفعل هذه ان تزداد سوءا اعتمادا على ما ستؤول اليه الأزمة العراقية، والمظلة العسكرية والاقتصادية الأميركية تعتمد على الحد الادنى من الثقة ومن خلال اثارتهم للمشاعر المناهضة للتوجه الاميركي، فان منتقدينا الاجانب يخاطرون بعواقب غير مقصودة، الانهزام الذاتي للجميع، للضغط الاميركي.