السبت 5 محرم 1424 هـ الموافق 8 مارس 2003 أكد تقرير اقتصادى ان المواجهة السادسة المتوقع ان تشهدها المنطقة هى خليط من مباديء وصراع مصالح حول النفط. مشيرا الى الاجتماع الوزارى لأوبك الذى سيعقد يوم 11 مارس الجارى. وذكر التقرير الذى يصدره مكتب الشال للاستشارات الاقتصادية والذى سينشر اليوم «السبت» ان الإجتماع سيعقد في ظروف حرب دفعت بأسعار النفط إلى حافة الأربعين دولاراً أميركياً أي مستوى حرب الخليج الثانية، موضحا ان حالة الحرب تزامنت مع موجة برد عاتية وإنخفاض قياسي في مخزون الوقود الأميركي ودفعت بأسعار النفط إلى أعلى حتى لامست الأربعين دولارا أميركياً في وقت ما. واشار التقرير الى انه سيكون من الصعب على أوبك أن تأتي بأكثر من التطمين النفسي بأنها قادرة بفائض طاقتها الإنتاجية أن تعوض أي نقص في جانب العرض حال نشوب حرب، وذلك يعتمد بشكل رئيسي على السعودية ـ التى تبلغ حصة إنتاجها نحو 7.476 ملايين برميل يوميا، وتنتج حاليا نحو 8.5 ملايين برميل يوميا. إذ يفترض أن يكون العراق قد صدر مؤخرا نحو 2.2 مليون برميل يوميا وهو أعلى حدود قدرته حاليا، ويفترض نظريا أن طاقة الإنتاج السعودي تبلغ نحو 10.5 ملايين برميل يوميا طبقا لتصريحات مسئوليها. أي أن السعودية وحدها تستطيع تعويض الفاقد، أو زيادة إنتاجها بنحو 2.0 مليون برميل يوميا، ونحو نصف هذا الرقم قابل للإنتاج حالا ونصفه يحتاج إلى وقت في حدود 3 شهور لبلوغه. ولكن مع عودة الإنتاج الفنزويلي ومع قدرة دول أوبك الأخرى على زيادة إنتاجها يفترض مرة أخرى أن تستطيع أوبك أن تقرن الكلام بالفعل، ولكنها لا تستطيع أن تلغي الأثر النفسي للحرب على الأسعار. وأشار التقرير الى مانشرته مجلة «ميس» فى عددها الصادر يوم 3 مارس إلى ورقة للدكتور توماس ستوفر التى تعرض لتكلفة أزمات الشرق الأوسط على الولايات المتحدة منذ عام 1956، وكلها ذات علاقة مباشرة بالنفط. فحرب عام 1956 ـ طبقا للباحث ـ كانت إما ذات أثر محدود أو حتى مربحة للولايات المتحدة ـ لم تشارك فيها ـ، فقد أدت إلى زيادة واردات النفط المسعر بالدولار الأميركي من الولايات المتحدة وفنزويلا على حساب نفط الخليج المسعر بالإسترليني، وأدت إلى الضغط على الجنيه الإسترليني الضعيف وأدت إلى تخفيضه ولم تتسبب في زيادة أسعار النفط سوى لفترة قصيرة وبشكل محدود. وحرب عام 1967 والتي تسببت في إغلاق قناة السويس بعد إحتلال الإسرائيليين لشبه جزيرة سيناء تسببت في زيادة تكاليف النقل، وتسببت في التفريق في أسعار النفط ما بين شرق وغرب السويس. وأعطى ذلك هامش للمناورة أدى إلى زيادة أسعار النفط من قبل أوبك، وبسبب إنخفاض واردات الولايات المتحدة نسبيا من النفط تسبب ذلك في تكلفة محدودة من وجهة نظر الباحث بلغت نحو 40 مليار دولار أميركي للفترة 1970 ـ 1973. والتكلفة الحقيقية حدثت في حرب أكتوبر وما تلاها، إذ يقدر حدودها ما بين 750 ـ 1050 مليار دولار أميركي، فتدخل الولايات المتحدة تسليحا بقوة مع إسرائيل بعد تفوق أولي عربي في الحرب، أدى إلى إستخدام سلاح النفط في المعركة. وقد حدث حالا عجز بحدود 2 مليون برميل نفط يومياً في إمدادات النفط للولايات المتحدة مما أدى إلى حدوث ظاهرة الركود التضخمي في الإقتصاد الأميركي، وكانت ظاهرة جديدة في علم الإقتصاد، ويرجح ستوفر بأن خسارة الناتج المحلي الإجمالي الأميركي بسببها قد تراوحت ما بين 300 ـ 600 مليار دولار أميركي. وتكلفة المقاطعة النفطية بلغت نحو 450 مليار دولار أميركي ولكنها حجبت كمعلومة عن العامة في أميركا طبقا لستوفر. وقدر تكاليف تعطيل إنتاج النفط لفترة محدودة إبان الثورة الشعبية في إيران 1978 ـ وما تلاها من حرب بين العراق وإيران دامت 8 سنوات 1980 ـ إلى 1988 بنحو 355 مليار دولار أميركي لأنها تسببت في بداياتها بزيادة رئيسية في أسعار النفط. ولم تتسبب حرب تحرير الكويت بأية خسائر للولايات المتحدة، فأسعار النفط ارتفعت إلى معدل 35 دولاراً أميركياً للبرميل في أكتوبر من عام 1990، ولكنها عادت وبسرعة إلى مستوى 18 دولاراً أميركياً للبرميل بعد تحرير الكويت في فبراير 1991. وحتى تكلفة حرب التحرير البالغة 55 مليار دولار ـ طبقا له ـ تم تغطيتها بالكامل من الآخرين، ودفع منها 49 مليار دولار أميركي نقدا و6 مليارات دولار أميركي عينا. ودفعت الكويت 13.5 مليار دولار أميركي ودفعت السعودية 13.5 مليار دولار أميركي ودفعت الإمارات 3 مليارات دولار أميركي، ويعتقد أن هذه التكاليف قد تم تعويضها من زيادة حصة إنتاج تلك الدول بعد توقف الإنتاج العراقي بسبب العقوبات، كما تم تقدير تعويضات من العراق لبعض الدول. وهناك تكاليف غير مباشرة بسبب تلك الأزمات منها تكلفة الإحتفاظ بنحو نصف مليار برميل نفط كإحتياطي إستراتيجي، ومنها إلتزامات الولايات المتحدة النفطية وغيرها تجاه إسرائيل أو حتى شرائها للتأييد لها ودعمها بشكل مباشر وهو أعلى مكونات التكاليف. ويعتقد ستوفر أن برامج الولايات المتحدة للإستغناء عن نفط المنطقة كانت كلفة إضافية وفشلت كسياسة، سواء تلك المتعلقة ببدائل الطاقة أو بدائل نفط الشرق الأوسط، ويعتقد أنها أضافت 235 مليار دولار أميركي إلى جملة التكلفة. فالولايات المتحدة الأميركية كانت تستورد 6.6 ملايين برميل يومياً في عام 1973، وبلغت وارداتها 11.4 مليون برميل يومياً في عام 2000، ويعتقد أنه بدون تلك السياسات كان يمكن أن تبلغ واردات الولايات المتحدة 13 مليون برميل يومياً في عام 2000، أي أن مجمل الوفر على مدى 27 سنة كان فقط 1.6 مليون برميل يومياً. وحول تطورات أحداث المنطقة ذكر التقرير انه ليس في مجال الرصد والتفصيل في شرح تطورات الأحداث، ولكن الرغبة فقط في تقديم رؤية لتلك التطورات لأنها مؤثرة جداً في البيئة الإقتصادية العامة، ولأنها محك لقياس القدرات الإدارية لمختلف الفرقاء المشاركين والمتأثرين بها. ومن تطورات الأسبوع الفائت الرئيسية عقد قمة عربية عادية ـ القمة الخامسة عشرة ـ في شرم الشيخ لبلورة موقف عربي موحد تجاه الأحداث، ونحن نعتقد أنها فشلت وكان فشلها نتاج طبيعي، وكانت المفاجأة أن تنجح. وتقديرنا أن النظام الإقليمي العربي هو عمل تجميعي لأنظمة قطرية تعمل بأساليب لا تمت إلى العصر بصلة، فهي أنظمة مركزية في عالم يحكمه توزيع ومشاركة للسلطة، وهي دائمة في عالم يحكم إستمرار سلطاته أداء وآلية تغيير سلمية تخضع لإرادة أغلبية الناس. لذلك يعتبر مجرد إجتماعها متأخراً وبعد كثير من العشم الشخصي بين الرؤساء إنجاز، أما إفرازها فلا يمكن أن يحمل أي إنجاز لأن أهدافه ووسائل قياسه غير محددة أو مقنعة ومعروفة للعامة. فلو كان الزعماء العرب يمثلون إرادة الناس لإختلف اداؤهم ونظرة الخارج لهم كما هو حال زعماء أوروبا أو آسيا أو معظم أفريقيا حالياً أو حتى تركيا في حوارها الحالي مع الولايات المتحدة الأميركية. ولعل أبرز الأمثلة هو النجاح الذي أصابته القضية الفلسطينية عندما تولاها شعبها ورفعت جزئياً وصاية النظام العربي عليها. وأشار التقرير الى ان غرضه من تلك المقدمة هو الإفادة من دروس التجربة، فالأمر لن يتوقف على التغيير في العراق، ولا أحد يرغب في وصاية الخارج على المنطقة، ودرءاً لمخاطر أكبر لابد وأن يبدأ تغيير إرادي وجوهري من الداخل. وعالمنا اليوم تميزه إداراته على مستوى وحداته الإقتصادية الإنتاجية ـ الشركات ـ وعلى المستوى السيادي المسئول عن البيئة العامة أي الدول، ونحن في المنطقة العربية الأكثر تخلفاً. وإن إستمرت الأوضاع دون تغيير إرادي، سوف يحدث تغيير لا إرادي وربما عنيف وبتوقيت لا نحكمه، ومصادر التغيير خارجية وداخلية. وبات من المعروف كما ذكر وزير الخارجية الأميركي ورئيس الولايات المتحدة الأميركية مؤخراً 26 ـ فبراير ـ بأن المنطقة ستخضع لإعادة التشكيل بعد إنتهاء الحرب مع العراق، ولن يمنع ذلك إحتجاج الزعماء العرب في قمتهم الأخيرة. والتغيير حتمي لمعظمها من الداخل نتيجة الفشل السياسي والأهم فشل نماذج التنمية الإقتصادية للدول القطرية، ولعل أهم بذور حالة عدم الإستقرار المحتملة هو تلك المعدلات المرتفعة من البطالة 20% ـ رسمياً ـ في دول تتسع فيها قاعدة الهرم السكاني ـ 15 سنة وأقل وتبلغ ضعف العالم المتقدم ـ مما يعني مزيداً من التدفقات إلى سوق العمل دون مقابل من فرص العمل. بمعنى آخر، إن مقاومة التغيير من الخارج لا تحدث بالإحتجاج والصياح لأن البيئة العامة الإقليمية مواتية للتغيير، والمفاجأة ـ وهي للأسف صحيحة ـ ستحدث عند معرفة رد فعل الشعب العراقي حال التغيير من الخارج، إذ سيكون رد فعل غالبيته الساحقة مع ذلك التغيير نتيجة بؤسه ومعاناته التي لا يريد أن يفهمها أحد. إننا في منطقتنا نختزل الدولة والشعب في شخص الزعيم، حتى بتنا نعتقد أن مجرد تغيير الزعيم تعد على إرادة وسيادة الأمة، في الوقت الذي لا يمثل هو فيه إرادتها وقد يكون أودى بقدرها. لذلك نحن نعتقد أن المقترح الإماراتي بالإقصاء الإختياري للرئيس العراقي في إجتماع القمة هو أسلم المخارج.