الاحد 29 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 2 مارس 2003 تعزى زيادة الإنفاق الفعلي أو جموده في مواجهة انخفاض الإيرادات في دول المجلس إلى جمود أو نمو الإنفاق الجاري الذي ازدادت نسبته إلى اجمالي الإنفاق من 33% عام 1992 إلى 86% عام 2000 وذلك بسبب نمو التوظيف الصافي في القطاع الحكومي وبالتالي بند الأجور والرواتب وزيادة بند خدمة الدين العام ضمن الإنفاق الجاري. وتتراوح نسبة الإنفاق الجاري إلى الناتج المحلي في دول المجلس بين 26% للإمارات و 32% للسعودية لعام 2000. أما السبب الثاني في زيادة الإنفاق الفعلي فيعود إلى استحواذ الإنفاق العسكري على جزء هام من الإنفاق العام حيث أن نسبته إلى الناتج المحلي لدول المجلس مجتمعه قد بلغت عام 2001 حوالي 5,9% وتراوحت النسب بين 8,4% للبحرين و 4,14% لعُمان، 1,14% للسعودية و 1,12% للكويت و 5% للإمارات و 1,7% لقطر، وجميعها أعلى من المعدل العالمي المقدر ب 5,2%. وأدى وضع المالية العامة هذا إلى استمرار عجز ميزانيات معظم دول المجلس خلال الجزء الأكبر من العقدين الماضيين، وتذبذب نسبته إلى الناتج المحلي خلال الفترة بين 2% عام 1997 و 12% في العام الذي تلاه. وفي المتوسط يقدر معدل العجز إلى الناتج المحلي خلال عقد التسعينات (باستبعاد عامي 1990 و1991) في دول المجلس مجتمعه بحوالي 8,7% سنوياً، وأدى تراكم العجز إلى ارتفاع حجم الدين العام وكذلك نسبته إلى الناتج في معظم دول المجلس، حيث يقدر صندوق النقد العربي نسبته إلى الناتج المحلي عام 2000 في السعودية بحوالي 85% والكويت 34% وقطر 31% والبحرين 5,12% وعمان 6%. ويؤدي استمرار الزيادة في الدين العام وتمويله بالاقتراض المحلي إلى التأثير على مناخ الثقة في الاقتصاد ومزاحمة الحكومة للقطاع الخاص في سوق الائتمان. وفي ظل عدم وجود نظام ضريبي فعال في معظم دول المجلس وعدم توقع زيادة ملموسة في الإيرادات غير النفطية (من رسوم وغيرها) وارتفاع أو جمود معدل الإنفاق العام إلى الناتج المحلي فإن إيجاد حلول فعالة لمأزق المالية العامة وتراكم الدين العام يصبح إحدى الضرورات الأساسية لأي برنامج للإصلاح الاقتصادي في دول المجلس. النمو السكاني وأسواق العمل كان من نتائج سنوات الطفرة النفطية طفرة في المواليد ٍُُ ٌّقف بسبب تحسن مستويات المعيشة والخدمات الصحية وغيرها، حيث بلغ متوسط معدل الزيادة السكانية في دول المجلس حوالي 3% سنوياً وهذا المعدل هو الأعلى عالمياً خلال العقدين الماضيين. وخلال عقد واحد ازداد سكان دول المجلس مجتمعه (مواطنين ووافدين) بحوالي 9 ملايين نسمه (من 22 مليونا عام 1990 إلى 31 مليون نسمه عام 2000) وتشير التقديرات إلى أن حوالي ربع السكان المواطنين في دول مجلس التعاون قد ولدوا بعد حرب الكويت عام 1990 (حوالي 34% بالنسبة للسعودية)، وأن حوالي 46% من أجمالي السكان هم دون سن 19 عاماً وحوالي 65% دون سن الثلاثين. ويلاحظ أن الزيادة في أعداد السكان مواطنين ووافدين خلال العقد الماضي تواكبت مع معدل نمو متواضع في الناتج المحلي الأمر الذي انعكس سلبا على معدلات نمو الدخل الحقيقي للفرد. وعلى أساس معدلات النمو السكاني التي سجلتها دول المجلس خلال العقدين الماضيين ومعدلات النمو المتوقعة مستقبلا، فان معدل نمو القوى العاملة المواطنة من المقدر أن يتراوح بين 4-5% سنويا خلال العقدين المقبلين. وهذه الزيادات المتوقعة في أعداد الداخلين إلى سوق العمل من المواطنين يستوجب إيجاد البيئة الملائمة لنمو اقتصادي قابل للاستدامة، وتشخيص لهيكليه سوق العمل في كل من دول المجلس ومحددات الأجور وسياسات وممارسات التوظيف فيها، ومهارات الداخلين إلى سوق العمل من المواطنين وإنتاجيه وظروف عمل العمالة المواطنة مقارنه بالوافدة وغير ذلك من عوامل. وعلى الرغم من اوجه التشابه في العديد من خصائص هياكل أسواق العمل في دول المجلس، إلا أن هناك اختلافات عده بينها، ومن ذلك اختلافات معدلات النمو السكاني ونسب العمالة المواطنة العاملة في القطاع العام ومعدلات أجورها مقارنه بعماله القطاع الخاص، ومرونة تنقل العمالة قطاعيا وجغرافيا، ومخرجات التعليم والتدريب وغير ذلك. فمعدلات النمو السكاني تتفاوت بين 2% في البحرين والكويت إلى 5,3% في السعودية وعمان. وتقدر نسب العمالة المواطنة في القطاع العام إلى أجمالي العمالة المواطنة بخوالي 90% في الإمارات و 75% في الكويت و60% في عمان و 44% في كل من البحرين و السعودية. وتعاني أسواق العمل في معظم دول المجلس من ثنائيات عده، فهناك ثنائية العمل في القطاع العام وفي القطاع الخاص وثنائية سوق العمالة المواطنة والوافدة وثنائية عمل الذكور والإناث وتتداخل تلك الانقسامات في سوق العمل فيما بينها وتختلف حدتها بين الدول، حيث ترتفع نسبة العمالة المواطنة في القطاع العام وبوجه الخصوص العمالة النسوية المواطنة في معظم دول المجلس. وبينما ترتفع نسبة العمالة المواطنة في القطاع الخاص إلى إجمالي العمالة في البحرين والسعودية تنخفض تلك النسبة بشكل كبير في كل من الكويت وقطر والإمارات. وخلال سني العائدات النفطية المرتفعة، وبسبب ضعف القاعدة السكانية حينذاك وضعف تأهيل العمالة الوطنية وارتفاع الطلب على العمالة عموماً، تبنت معظم دول المجلس سياسات استقدام مرنه للعمالة من الخارج من مختلف المهارات للمساهمة في بناء البنية الأساسية والوفاء بحاجات القطاع الخاص المتنامي. ولكن النمو السكاني من جهة والتطور الكمي في التعليم والتدريب من جهة أخرى أدى إلى زيادة أعداد المواطنين الداخلين إلى سوق العمل وتزامن هذا مع انخفاض الإيرادات النفطية وانخفاض معدلات النمو الاقتصادي عموماً وتضخم الجهاز الحكومي. ومع أن تغير المناخ الاقتصادي وتغير دور الحكومة ابتدأ في منتصف عقد الثمانينات، الأمر الذي كان يستتبع إعادة نظر في سياسات التوظيف والعمالة، إلا أن حكومات دول المجلس عموماً كانت بطيئة في ذلك لأسباب عده، أولها طول الفترة الزمنية التي تغير فيها دور الدولة من راعية للاقتصاد في السبعينات إلى منظم وموجهة له حيث ابتدأ ذلك وبالتدريج وبشكل متفاوت بين دول أما ثاني الأسباب فيعود إلى أن سياسات الاستقدام التي اتبعت لأكثر من عقدين تقريباً جعلت معدلات الأجور متدنية بالنسبة للقطاع الخاص وخصوصاً في قطاعات الخدمات مما عمل على خفض معدلات التضخم طوال الفترة وجعل السلطات أكثر حذراً من تبني سياسات للتوظيف تؤثر على تكاليف القطاع الخاص ونموه وتكاليف معيشة المواطنين إضافة إلى مقاومة القطاع الخاص لتوجه كهذا في مرحلة كانت تستدعي زيادة في دور ذلك القطاع وقدرته على المنافسة. المجلس في أواسط عقد التسعينات ولا يزال في طور التغير حتى الآن. أما ثاني الأسباب فيعود إلى أن سياسات الاستقدام التي اتبعت لأكثر من عقدين تقريباً جعلت معدلات الأجور متدنية بالنسبة للقطاع الخاص وخصوصاً في قطاعات الخدمات مما عمل على خفض معدلات التضخم طوال الفترة وجعل السلطات أكثر حذراً من تبني سياسات للتوظيف تؤثر على تكاليف القطاع الخاص ونموه وتكاليف معيشة المواطنين إضافة إلى مقاومة القطاع الخاص لتوجه كهذا في مرحلة كانت تستدعي زيادة في دور ذلك القطاع وقدرته على المنافسة. أما ثالث الأسباب فيعود إلى أن مخرجات سوق العمل لم تتناسب مع طلب القطاع الخاص في مرحلة العولمة وانفتاح الأسواق مما كان يتطلب إعادة النظر مبكراً في نظم التعليم العام والعالي، ولهذا في بعض دول المجلس أبعاداً اجتماعية وسياسية آثرت تلك الحكومات الانتظار عوضاً عن اتخاذ القرارات الصعبة لتغييرها. وخلال السنوات القليلة الماضية وشعوراً من حكومات دول المجلس بفداحة المشكلة بادرت معظمها إلى اتخاذ خطوات لزيادة مجالات توظيف القوى العاملة المواطنة وإحلالها محل الوافدة. وتركزت التوجهات نحو زيادة تكلفة استقدام العمالة الوافدة وكذلك تخفيض تكلفة توظيف وتدريب العمالة المواطنة بالنسبة للقطاع الخاص إما عن طريق زيادة أو فرض رسوم على استقدام أو استبقاء العمالة الوافدة، أو المشاركة من خلال صناديق تشرف عليها الحكومات في تمويل التكاليف الإضافية الناتجة عن توظيف وتدريب العمالة المواطنة في القطاع الخاص. وعلى الرغم من أهمية تلك السياسات، إلا أن هناك شعوراً عاماً بأن أهم الإصلاحات في سوق العمل وابلغها أثراً يجب أن تنطلق من السياسات السكانية ونظم التعليم وهيكلة الاقتصاد. إذ أن مدخلات ومخرجات النظام التعليمي ونظم العمل وحوافزه تتطلب إعادة نظر من حيث مدى ملائمة المناهج والتخصصات لحاجات سوق العمل. ففي السعودية مثلا شكل خريجو الجامعات البالغ عددهم 115 ألفاً حوالي ثلث الداخلين إلى سوق العمل خلال الفترة 1995-1995 ولم تشكل العلوم الهندسية والطبية سوى 18 ألفا أو حوالي 16% من خريجي الجامعات. أما مجال الإصلاح الآخر فيرتكز على توسعة قاعدة الاقتصاد الوطني بإعادة هيكلته وتنويعه وفي هذا المجال حققت دول المجلس بعض النجاحات وإن اختلفت من حيث ملاءمة الإمكانات والسياسات. بقلم: د. ماجد عبدالله المنيف