الاحد 29 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 2 مارس 2003 الشيء الذي يمكن قوله عن حرب في العراق لو وقعت، هو انها تجعل العالم مكانا آمنا للعولمة، أو انها تثبت أن العولمة لا تناسب هذا العالم. فالحروب تنتج مفاجآت، إيجابية أو سلبية. لا أحد كان يتوقع أن تكون الحرب العالمية الأولى ضربة قاضية للنظام الاقتصادي العالمي السائد حينها أو ان الحرب العالمية الثانية بداية لأكبر رخاء عالمي شهده التاريخ. والسؤال الآن هو فيما إذا كانت الحرب في العراق، على الرغم من كونها أصغر من سابقتيها بكثير، قد تطلق آثارا جانبية سلبية ضخمة. قبل بضع سنوات فقط بدت العولمة لنا حركة لا يمكن إيقافها. فقد كنا جميعا (كما قيل) نشهد طوفانات من حركة التجارة العالمية والاستثمارات الدولية. بعد الحرب العالمية الثانية، كانت الدول أساسا اقتصادات محتواة داخليا فيما تركز التجارة الدولية على المواد الخام (أغذية، وقود، خامات معدنية) وبعض المنتجات الصناعية المتطورة. غير ان هذا العالم ما عاد موجودا اليوم. ففي عام 2000، كانت الصادرات تمثل 23% من الناتج الاجمالي العالمي (مجموع الناتج المحلي للدول)، كما يقول البنك الدولي. وهذه النسبة كانت ضعف معدلات عام 1960 (7,12% من الناتج المحلي للدول). وأصبحت الاستثمارات العابرة للحدود شيئا روتينيا. ويقول صندوق النقد الدولي ان الملكية الأجنبية للأسهم والسندات قد بلغت في اجماليها 5,12 تريليون دولار عام 2001: الأميركيون امتلكوا 2,2 تريليون دولار في الدول الأخرى، اليابانيون 3,1 تريليون دولار، الألمان 792 مليار دولار. العولمة تواجه أصلا الآن مصاعب لا علاقة لها بالعراق: الاعتماد المفرط على الاقتصاد الأميركي (يمثل 64% من النمو الاقتصادي العالمي بين عامي 1995 و2002، كما يقول ستيفن روتش من مؤسسة مورغان ستانلي)، تهديد التضخم (تدني الأسعار) الذي تسببت به السلع الرخيصة الآتية من الصين وآسيا، عدوانية بعض الجماعات العمالية والبيئية. ومع ذلك كان الاعتقاد ان العولمة لن تتوقف. فالتجارة الحرة ووسائل النقل الرخيصة والاتصالات تجعلها كذلك. ربما. لكن التاريخ يحذو نحو توخي الحذر. فالعولمة ازدهرت أيضا في القرن التاسع عشر ـ ثم تهاوت. إذ ان سكك الحديد والسفن التجارية وكابلات الاتصالات تحت البحر (امتد أولها عام 1851 تحت القنال الانجليزي) وقناة السويس (1869) كلها شجعت توسعا هائلا في حركة التجارة والاستثمارات والهجرة العالمية. يقول عالما الاقتصاد جيفري وليامسون من جامعة هارفارد وكيفن أوبروك من جامعة ترينيتي كوليدج الايرلندية في كتابهما «العولمة والعالم»: «بحلول عام 1914، قلما كانت توجد قرية في أي مكان في العالم لم تكن الأسعار فيها تتأثر بالأسعار السائدة في الأسواق الأجنبية البعيدة أو لم تكن البنى التحتية فيها لم تمول برأسمال أجنبي أو لم تكن الخبرات الهندسية والصناعية وحتى التجارية مستوردة من خارج البلاد». وحتى قبل الحرب العالمية الأولى، أدت الحركة الاحتجاجية ضد الواردات بين المزارعين وعمال المصانع لفرض رسوم جمركية أعلى. الحرب العالمية الأولى والكساد العظيم (19291939) كانت القاضية عليها. فقد تدهورت التجارة والاستثمارات العالمية. وارتفعت حدة السياسة الحمائية. وبحلول عام 1950 كانت حصة التجارة في الناتج الاجمالي المحلي لدول العالم أقل من حصتها عام 1870. المؤشر الطيب هذه المرة هو ان التاريخ لن يعيد نفسه بالضرورة. فاحدى نتائج الحرب الممكنة هو تعزيز العولمة، إذا ما كان النصر الأميركي سريعا والخسائر البشرية المدنية منخفضة واحتفل العراقيون عموما بتحريرهم ولم تنقطع امدادات النفط وجرى التحديث السياسي والاقتصادي في الشرق الأوسط واختفى مناخ الراديكالية. أما المؤشر السيء فهو ان العولمة قد تتراجع لتتضرر الدول التي تعتمد على التجارة والاستثمار الدولي. يقول ستيفن ريشتر من مركز البحوث العالمي ان هناك توازيا مقلقا مع الوضع عام 1913 حينما بالكاد كان هناك من يتخيل تهاويا للاقتصاد العالمي. ويحذر ريشتر قائلا: «الخطر الآن هو ان اللاعبين الاقتصاديين الرئيسيين منقسمون على قضايا غير اقتصادية وفقدوا الثقة في بعضهم البعض». وذكرت فاينانشيال تايمز اللندنية الاسبوع الماضي ما يثبت صحة قول ريشتر حينما قالت ان قادة الشركات الأوروبية يخشون من ان الخلاف الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا سيتوسع ليصبح نزاعات تجارية. وبالفعل فإن الشركات الألمانية قد سجلت تراجعا بين زبائنها الأميركان كما تقول الصحيفة. وبعض المستثمرين الأميركان أحجموا عن الاستثمار في سندات فرنسية. عالم المال والأعمال يستطيع عادة التوصل لصفقات بناء على الحسابات المالية. غير ان الحرب والارهاب أوجدا شكوكا جديدة تقيد الحسابات العادية وربما تثبط الالتزامات العالمية. قد يكون من المجدي لأحدنا أن يستثمر في شركات كورية جنوبية. لكن كم يا ترى ستكون المجازفة لأن يكون هذا المستثمر شريكا في شركة على مرمى حجر من عاصمة نووية؟ والتجارة تزدهر حينما تسود الثقة الاقتصادية والاستقرار الاقتصادي. وقيد لاعادة اعمار الاقتصاد العالمي بعد الحرب العالمية الثانية النجاح لان الولايات المتحدة وفرت هذين العاملين. فقد مدت مظلتها العسكرية فوق أوروبا واليابان. كما قادت عملية وضع قوانين التجارة العالمية. لقد ساعد الاقتصاد الأميركي بشكل حيوي باقي العالم. وأحلام العولمة افترضت ان نهاية الحرب الباردة ستعني تحقيق المزيد من هذه البركات. وان المثل الأميركية (الديمقراطية والأسواق الحرة) ستنتشر وتحقق اجماعا سياسيا عليها. وان التجارة والاستثمارات العالمية المتنامية ستبني الثقة الاقتصادية. غير ان الأمر ليس بهذه البساطة. فالتناقضات ما أكثرها. القيادة الأميركية لهذه الحركة تبدو قوية ... والدول في كل أنحاء العالم تلعنها. الضغوط الاقتصادية تشد الدول لبعضها ... والخلافات الثقافية والسياسية تبعثرها. بعض التقنيات تعزز التجارة الدولية ... وأخرى تشد من عضد الارهاب. منطق الالتصاق يقاوم قوة التشظي. وربما كانت الحرب المنتظرة هي التي ستحدد لمن اليد العليا بينها. بقلم: روبرت صامويلسون