الاحد 29 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 2 مارس 2003 ماذا يعني أن يكون اقتصادنا اقتصادا وطنيا؟! كيف السبيل لجعل اقتصادنا اماراتيا وكيف نعزز هوية الاقتصاد الاماراتي في ظل كل هذه التحديات الداخلية منها والخارجية؟! وإذا كانت عناصر الانتاج في اقتصادنا أجنبية المنشأ والصنع فهل لنا الحق أن نطلق على اقتصادنا بأنه اقتصاد وطني أو اماراتي؟! ثم ماذا تعني موافقة مجلس الوزراء في جلسته التي عقدها في ديسمبر من العام الماضي على خطة لتوطين الوظائف العامة في الوزارات والجهات الاتحادية؟! وماذا تعني نسبة الاماراتيين العاملين في وزارات الدولة والتي تتسم بالتدني؟! وهل يعني رفع نسبة المواطنين في مؤسسات الدولة توطينا للاقتصاد؟! وهل يأتي هذا القرار بناء على متغيرات معينة ومنها رفع الحصار المفروض على سوق القوى العاملة في الامارات من قبل عمالة وافدة تحقق أهدافها وطموحاتها على حساب عمالتنا المواطنة ومكتسبات مجتمعنا؟! هل هذا القرار يأتي اعترافا بأهمية اعطاء الفرصة للعمالة المواطنة؟! إذا كانت عناصر الانتاج الاقتصادي تتكون من رأس المال المادي، ثم الأرض، ثم التكنولوجيا، ثم القوى العاملة، فإن قراءتنا لحقيقة الاقتصاد وعناصر الانتاج فيه تجعلنا نؤكد على ان اقتصادنا ليس وطنيا ولا يحمل هوية الامارات، لا سيما بعد ان اصبحت الامارات منطقة حرة لعناصر الانتاج الأجنبية، فمعظم رؤوس الأموال المستثمرة أجنبية بعد ان سيطرت الاستثمارات الأجنبية على سوق الامارات، ثم التقنية أو التكنولوجيا أجنبية المنشأ أو الصنع فهي ليست اماراتية وإنما مستوردة ولا يتم التعامل معها إلا من خلال وظائفها، أما عنصر الأرض فإنها وان كانت اماراتية فهي تسير باتجاه الملكية الأجنبية في ظل معطيات السوق حيث أصبحت الأرض معروضة للبيع والتملك باسم الانفتاح والاقتصاد الأجنبي!! هذا فضلا عن الوجود الأجنبي الذي يهيمن عليها بعد أن أصبح الاماراتيون هم القلة الضئيلة على الأرض!! أما العنصر الأخير وهو القوى العاملة أو رأس المال البشري فإن المؤشرات والاحصائيات تؤكد على مدى هيمنة العمالة الأجنبية على سوق العمل سواء في القطاعات الحكومية أو القطاعات الخاصة!! وشهدت سوق العمالة على تباين حاد بين عمالتنا الاماراتية والعمالة الوافدة فميزان القوى في هذه السوق يميل وبشكل حاد لصالح العمالة الوافدة ولا سيما وحدات القطاع الخاص فيما تتطلع الدولة إلى قيادة حقيقية للقطاع الخاص لاحداث تنمية اقتصادية فعلية في الامارات!! هنا نتناول هذا العنصر من خلال حصار العمالة الأجنبية للعمالة الوطنية بعد ان تناولنا فيما سبق حصار رأس المال الأجنبي لرأس المال الوطني في سوق الانتاج بدولة الامارات!! إن قرار مجلس الوزراء المشار إليه آنفا تم تخصيصه ميزانية للتوطين والاحلال بتحويل الميزانية المرصودة لملاك الخريجين البالغة 40 مليون درهم إلى ميزانية لدعم عملية التوطين والاحلال وانشاء وظائف لتعيين المواطنين المتقدمين للعمل وفق خطة التوطين المقرر تنفيذها على مدى خمس سنوات فهل يأتي ذلك اعترافا بأن هناك خللا كبيرا في سوق العمل تحتم معالجته؟! ثم هل يأتي هذا من منطلق ترجمة لتوجيهات سامية من صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله؟! وهل يعني هذا الاقرار بأهمية العنصر الوطني المؤهل في خدمة وطنه واقتصاد وطنه لا سيما إذا وضعت لذلك القرار آلية تنفيذ دقيقة تعتمد على ربط مخرجات التعليم بسوق العمل، ووضع رؤية فعلية للتنمية البشرية تستند إلى الاقرار بأهمية التوطين والاحلال، ثم التدريب والتأهيل، ثم أخيرا هل هذا القرار يأتي في سياق الاقرار بالحقوق الدستورية التي نص عليها دستور الامارات ولا سيما المادة (20) التي تؤكد على مبدأ أحقية أبناء الامارات في الحصول على وظائف مناسبة بظروف ملائمة، ثم المادة (25) من الدستور التي تنص على مبدأ المساواة وعدم التمييز حينما أكدت على أحقية كل مواطن بالحصول على وظيفة يساهم من خلالها في تنمية مجتمعه وصيانة وطنه وتطور أفراد بلده؟! إن هذا القرار قد جاء بعد أن أصبحت سوق القوى العاملة تعاني من تضخم في العمالة الوافدة فيما تعاني العمالة المواطنة من تزايد معدلات البطالة ولا سيما بين الخريجين وهذا ما أكده معالي الدكتور محمد خلفان بن خرباش وزير الدولة لشئون المالية والصناعة في معرض تعليقه على قرار مجلس الوزراء حيث أشار وبكل وضوح إلى ان رقم البطالة بين الخريجين متضخما وان هناك مخاوف مبررة من انعكاسات خطيرة على الخريجين سواء من النواحي الاجتماعية النفسية وحتى المالية، مؤكدا معاليه على ان الانسان إنما يتعلم ليعمل ويخدم مجتمعه ووطنه! وإذا كان عدد العاملين في الوزارات الاتحادية كما جاء في تقرير ديوان المحاسبة المرفوع لمجلس الوزراء قد ارتفع من 60 ألفا و461 موظفا في نهاية 2000 إلى 67 ألفا و710 موظفين في آخر سبتمبر 2002 فإن ميزان القوى العاملة في هذه الوزارات يميل لصالح الوافدين إذ مازالت نسبة العاملين الاماراتيين في الوزارات أقل من نسبة العمالة الوافدة وعدد الاماراتيين لا يزيد عن 33 ألفا و802 موظف، فكيف هو الحال حينما يتأكد لنا بأن نسبة العمالة المواطنة في سوق العمل بالدولة لم تتجاوز 20% ألا يعني ذلك أمرا غريبا وله دلالات خطيرة على الاقتصاد الوطني الذي يشهد تخريبا حقيقيا، واستنزافا لسيولته وتحجيما للعمالة الوطنية وحصارها في وظائف محدودة أو خارج السوق! وإذا كانت هناك عمالة مواطنة مؤهلة ومتخصصة ولديها استعداد للقيام بالأعمال الإدارية والفنية وفي مختلف ميادين العمل، فلماذا لا يتم الاعتراف بها؟! لماذا لم يأت هذا القرار الوزاري من قبل؟! لماذا يصبح حديث بعض المسئولين عن لجان قد شكلت، وقرارات قد اتخذت مجرد فقاعات اعلامية لا يقصد بها سوى الاستهلاك الاعلامي وتخدير سوق العمل الوطنية بها فيما الواقع يشهد تناقضات خطيرة وانعكاسات وخيمة وتفاعلات قد تهدد كل مكتسبات الوطن؟! وإذا كانت تلك الأحاديث الصحفية قد أصابت القوى العاملة المواطنة من خريجين ينتظرون دورهم للعمل بصدمة عنيفة، فهل تتفاءل هذه القوى بقرار مجلس الوزراء؟ وهل سوف تجد الخطط القصيرة والمتوسطة المعلن عنها ترجمة حقيقية تحقق الاستقرار النفسي والاجتماعي لأبناء الوطن؟! إن خطة التوطين والإحلال يجب أن تبنى على أساس تحقيق تنمية بشرية فعلية يراعى فيها نوعية التعليم وتحقيق ركيزة أساسية له، ثم تصبح مخرجات التعليم تتسق وأهداف التنمية الشاملة وتفي باحتياجات سوق العمل من القوى العاملة المؤهلة وتحمل تخصصات مختلفة تتناسب مع احتياجات العمل ومتطلباته، وأهم من كل ذلك ازالة كل أشكال الحصار المفروض على عمالتنا الوطنية من خلال اجراءات وسبل تضمن للمواطن أحقيته في العمل، وأولويته في الترقي وتحقيق طموحه المشروع، وأن تتولد لدى المسئولين في مؤسسات الدولة العاملة منها والخاصة القناعة التامة بقدرة العناصر المواطنة على إدارة دفة مشاريع التنمية في وطنهم، وانهم الأولى والأقدر والأحق بالعمل في وطنهم، وبشيء من الثقة نستطيع تجاوز كافة أشكال الحصار المفروض على عمالتنا الوطنية والتي سوف نأتي إليها في الأسبوع المقبل. بقلم: نجيب عبدالله الشامسي