الخميس 26 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 27 فبراير 2003 تشهد ليبيا حاليا تحولا اقتصاديا واسعا وتغييرا شاملا في شتى مناحي الحياة عبر رحلة تتلمس الانطلاق باتجاه اقتصاد السوق وبالتفكير في تغيير آليات الحياة الاقتصادية واعادة رسم دور الدولة واعطاء دور أكبر للقطاع الخاص. والزائر إلى ليبيا حاليا يلمس هذا التغيير الكبير للوهلة الأولى حيث هناك حركة اعمار كبيرة شهدتها المدن الليبية خلال العامين الماضيين، وأصبحت مدينة طرابلس مدينة يتهافت عليها أصحاب الشركات ورجال الأعمال والمستثمرين وأصحاب الشركات الأوروبية والآسيوية في تسابق على السوق الليبية حاليا من خلال المشروعات المطروحة من قبل الدولة الليبية والتي تزيد على مئة مشروع في شتى القطاعات الاقتصادية المختلفة والتي تقدر قيمتها بـ 35 مليار دولار. وفي حديث مع أمين اللجنة الشعبية العامة للاقتصاد والتجارة في ليبيا د. شكري غانم ـ الحاصل على دكتوراة من جامعة هارفارد الأميركية والخبير السابق في منظمة الدول المصدرة للبترول «أوبك» ـ حول التغيرات التي طرأت على الحياة الليبية والدور الذي يلعبه في اطار اعادة هيكلة الاقتصاد الليبي والذي يضع الآن على قضبان قطار المتخصصين بعد ان كان اقتصادا مركزيا مخططا وموجها لا يسمح بالمبادرات الفردية، كذلك الاخطاء التي وقعت في السابق وسبل تصحيحها مبينا بأن الاقتصاد الليبي يتجه نحو تفعيل التخصيص الذي سيشمل قطاع المصارف اضافة الى تغيير في آلية السوق. ومن تقييمه للاقتصاد الليبي في الوقت الراهن وهل هو جاذب أم طارد للاستثمار الاجنبي قال د. شكري غانم: بين.. بين الاقتصاد الليبي يعاني من مشاكل كثيرة ولديه نقاط جاذبة وأخرى طاردة للاستثمار، واصلاح هذا الوضع يحتاج إلى فترة طويلة وبالنسبة للنقاط الجاذبة هي ان ليبيا قريبة من أوروبا وبها طاقة رخيصة وفيها امكانيات كبيرة للزراعة والصناعة، وعدد قليل من السكان فضلا عن الامكانيات المالية والوضع الجغرافي المتميز في شمال افريقيا، كما ان الدولة وضعت قانونا لتشجيع الاستثمار. أما النقاط الطاردة للاستثمار في ليبيا على رأسها بيروقراطية الادارة وصعوبة تأشيرات الدخول وهي ملاحظات حول ما يسمى بالاطار القانوني لتشجيع الاستثمار، حيث ان المستثمر يبتعد دائما عما يسمى بالروتين والبيروقراطية، ومن هنا يأتي دور هيئة تشجيع الاستثمار من ناحية ودور أمانة الاقتصاد من ناحية ثانية في السعي لتذليل بعض الصعوبات والطريق ليس سهلا وليس مفروشا بالورود، لانك تغير عقلية كاملة باعتبار ان مشكلة الدولة النفطية هي انها أحيانا تشعر بأنها تستطيع أن تعيش بدون استثمارات أجنبية وانها لا تحتاج إلى العالم الآخر، وهذا أحد المفاهيم المطلوب تصحيحها لان النفط في حاجة الى استثمارات أجنبية ليستكشف ويطور ولذلك حتى تغير عقلية الشعب في دولة بأن هؤلاء الناس أغنياء وغير محتاجين إلى استثمار تحتاج فترة لتغيير عقلية تؤمن بأن الأجانب جاءوا ليستغلوك ويكسبوا من وراءك وانت لن تكسب من ورائهم، إذن القضية هي ان ما يسمى بلعبة الصفر التي يخسر فيها الجميع في حين ان النشاط الاقتصادي يقوم على ان الجميع لابد ان يكسب ولذلك أقول ان الاقتصاد الليبي بين بين ليس طاردا تماما وليس جاذبا بنفس الدرجة. وعن العوامل الطاردة يقول د. غانم: من البنية التحتية.. ليبيا كدولة غنية ولكنها تعاني بقدر عال من مشكلات البنية التحتية مثل مسألة الاتصالات. وهل لديكم خطة واضحة للانتهاء من هذه المشكلات؟ ـ البنية التحتية في ليبيا فيها كثير من الجذب وكثير من الطرد حيث كان التركيز دائما على البنية التحتية على الطرق والموانئ وبالفعل تم انشاء موانئ كبيرة وعملاقة تستوعب طاقات عالية جدا، بالنسبة للاتصالات فقد كانت الدولة دائما ومازالت هي المنوط بها القيام بهذه الأعمال ونتيجة لاتساع النشاط الاقتصادي والحاجة للكثير من رأس المال لاستثماره فان البنية التحتية أصبحت غير قادرة على أن تلبي جميع الاحتياجات، فضلا عن انه مازال هناك مشاكل كبيرة في هذا القطاع الخاص للعمل في مجال الاتصالات ولذلك هناك مشاكل للحل لكن قد تأخذ بعض الوقت وعموما البنية التحتية فيما يتعلق بالطرق والكهرباء والطاقة متقدمة جدا. وعن حجم الاستثمارات المرصودة في اطار خطة البنية التحتية بليبيا يقول: ميزانية التحول نضعها سنويا ولكن لا يحضرني الرقم الكلي لكنه يصل الى 4 مليارات دينار سنويا يتم انفاقها اما على الموانئ أو الاتصالات أو الطرق والكهرباء والهدف منها تحويل الاقتصاد الليبي الى اقتصاد يطور الانطلاق. وعن وصول الاقتصاد الليبي الى اقتصاد السوق في المرحلة المقبلة يقول نحن نخطط ولا نريد أن نضع أنفسنا في قالب معين ولكن نحن يجب أن نشجع القطاع الخاص «الأهلي» بصورة كاملة وهذا لا يعني في نفس الوقت عدم تدخل الدولة بدعم بعض الفئات أو بعض النشاطات ولكن ذلك لن يستمر لمدة طويلة، فقد كان الاقتصاد الليبي يعتمد أساسا في السابق على الدولة.. والتخطيط الشامل في جميع النواحي الاقتصادية والآن نشعر بأنه آن الأوان لاشراك القطاع الأهلي في معظم النشاطات إن لم يكن كلها، وهذا لن يتم في يوم وليلة ويجب تضافر الجهود بين الدولة وبين القطاع الخاص لتصحيح الأخطاء لان المنافسة الكاملة لابد أن يأتي معها كثير من الاستقلال أحيانا. وأوضح د. شكري غانم حول خطة تطوير الجهاز البيروقراطي قائلا: لا شك ان هناك حلولا مختلفة تدريجية كما ان هناك حلولا حاسمة قوية ونأمل التغلب على الكثير من المشاكل خطوة خطوة، يعني محاربة الجوانب السلبية في بيروقراطية الادارة بتطبيق القوانين ليس الجانب التشريعي فقط لكن التطبيق العقلي للقانون بوجود نوع من الثواب والعقاب. موضحا انه في النهاية سيكون الاقتصاد الليبي بين بين. وقال غانم ان هناك مزايا مقدمة للمستثمرين العرب مثل حرية التنقل والدخول بدون تأشيرة وهناك اعفاءات كثيرة مثل الاعفاء من الرسوم والضرائب والحق في استيراد المواد الأولية مثلا وكذلك تحويل العملة بصورة تكاد تكون حرة الآن. أما عن موضوع العملة فقال لم يعد حاليا وجود سوق سوداء في ليبيا بعد توحيد سعر الصرف والفرق هو ان هناك ضريبة بسيطة مفروضة على التحويلات للقطاع الأهلي في حين ان الدولة معفية من ذلك ولا يوجد سعر مواز ولكن السعر يتغير حسب صعود وهبوط الدولار وهو يساوي دينارا ونصف الدينار حاليا لان سلة العملات ساعدت في اختصاص التغير من سعر الدولار، ولا توجد اي مشكلة لدى المستثمر الاجنبي في التعامل فيما يتعلق بتحويل أمواله بالدولار للخارج. وأضاف غانم حاليا ليبيا صنفت للسنة الثالثة على التوالي كأحسن دولة للاستثمار في العالم من قبل مكتب استشاري عالمي. أما عن تطوير القطاع المصرفي في ليبيا قال ان القطاع المصرفي يعاني من مشاكل كثيرة ويحتاج الى تحديث وقد بدأ بالفعل تطوير هذا القطاع لكنه لا يزال يحتاج الى الكثير وهناك خطة عاجلة بدأت بتحديث المصرف المركزي الليبي ونأمل ان تؤتي خطة تحديث وميكنة المصارف ثمارها قريبا بخصخصة عدد من المصارف وانشاء العديد من المصارف الأهلية ولكن موضوع الخصخصة للمصارف في ليبيا يحتاج إلى وقت. وأشار د. شكري غانم الى موضوع خصخصة بعض المشروعات وتمليكها ليس فشلا ولكن كل الدول في العالم التي قامت بمشاريع اقتصادية كبيرة تواجهها مشاكل تتمثل في ان الدولة حين تقوم بمشاريع لا تختار المشاريع الأكثر ربحية بل تضع في تفكيرها البعد الاجتماعي دائما وليبيا ليست استثناء عن العالم وتجربة الخصخصة لابد من خوضها في ليبيا ولا يمكن ان نستمر في الدعم الى ما لا نهاية. أما عن تقييمه لتجربة التخصصية قال هناك مصانع كثيرة تعاني من مشاكل كبيرة ولا بد ان توجد لها حلول مناسبة حتى لا تتوقف عن العمل لان المنافسة الاجنبية صعبة جدا وهذه الصناعة غير قادرة على الوقوف على قدميها في المنافسة بالاغراق والصناعات في الغرب بعضها لديها دعم بطريق مباشر أو غير مباشر رغم انها صناعات متطورة ولديها ما يسمى بالصناعات المشاركة والحل عندنا هو مزيد من اشراك القطاع الاهلي في الصناعة. طرابلس ـ سعيد فرحات: