الثلاثاء 24 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 25 فبراير 2003 بات واضحا ان اخبار وتطورات الحرب المقبلة على العراق تتحكم بمفاتيح الاقتصاد العالمى بصفة عامة والاقتصاد الالمانى بصفة خاصة. فمؤشر الداكس فقد ما يقرب من 15% من قيمته، فيما خسر مؤشر داو جونز حوالى 10% من قيمته منذ استصدار القرار 1441 فى مجلس الامن . وفى تناغم واضح بين الازمة العراقية والاسواق المالية العالمية ارتفع مؤشر داو جونز بمقدار مئة نقطة فورا حين طالب كبير المفتشين الدوليين هانز بليكس فى تقريره امام مجلس الامن الاسبوع الماضى بإتاحة الفرصة لمزيد من عمليات التفتيش واستبعاد الحل العسكرى حاليا. ومنذ تصاعد التوتر بسبب الازمة العراقية فى نوفمبر الماضى وحتى الان ارتفع سعر برميل النفط بحوالى 40% من قيمته وقفز الى مستوى 36 دولارا للبرميل، وهو اقصى ارتفاع له منذ عامين ونصف. ولا يخفى أن سعر النفط هو اعتبار مهم فى عمليات صنع القرار الاقتصادى فى كل البلدان الصناعية وكذلك فى مستوى نمو الاقتصاد العالمى. ولأن ألمانيا الدولة الصناعية الكبرى، تستورد كل احتياجاتها من النفط ولا يوجد فى اراضيها أية احتياطات منه، فانها تعتبر التطورات فى العراق ذات أهمية فائقة لاقتصادها وبالتالى لسياستها. على هذه الخلفية يمكن تفسير الانخراط المتزايد للسياسة الالمانية فى موضوع الازمة العراقية على الصعيد الدولى حفاظا على مصالحها الاقتصادية والوطنية فى المقام الأول وليس انحيازا للعراق أو ضد الولايات المتحدة الاميركية كما قد يتصور البعض. فى ألمانيا انقسمت البنوك ومؤسسات الابحاث الاقتصادية على ترجيح أحد سيناريوهين للحرب، بعد أن اختلطت محددات الاقتصاد بالسياسة والاستراتيجية: السيناريو الأول يفترض أن العمليات العسكرية ضد العراق ستكون أشبه بعملية جراحية سريعة تنتهى باطاحة نظام الرئيس صدام حسين بعد التمهيد لذلك بقصف مكثف من الجو وقطع الاتصالات بين قطاعات القوات العراقية المختلفة باستخدام التكنولوجيا المتقدمة والقاذفات المتطورة.. وبعدها تستطيع واشنطن تنصيب حكومة موالية لها فى بغداد تسمح للادارة الاميركية بالتحكم فى منابع النفط العراقية. أما السيناريو الثانى فينطلق من فرضية أن القوات العراقية ستتمكن من الصمود لأسابيع أمام الضربات الجوية وتدخل فى مواجهات برية وحرب مدن تكلف الولايات المتحدة مصاريف كبيرة وتطيل بالتالى أمد الحرب. وحسب صحيفة «دي فيلت» الألمانية واسعة الانتشار فان تكاليف الحرب فى حالة السيناريو الاول بحوالى 60 مليار دولار، وأن سعر برميل النفط سيستقر بسرعة عند مستوى 20 دولارا للبرميل، الامر الذى يعزز بالمحصلة من استقرار الاسواق المالية العالمية. واعتبر محللون اقتصاديون أن الحرب السريعة ستدفع الاقتصاد العالمى الى امام وبشكل يجعل الاثار الايجابية واضحة فى الربع الثانى من العام الحالى، بسبب ان الحذر والترقب السائدين حاليا لدى المستثمرين العالميين سيختفيان لمصلحة زيادة الاستثمارات العالمية. ولكن بعض المحللين الاقتصاديين يرون الامور بشكل مغاير ويتوقعون ان تستمر العمليات العسكرية لفترة طويلة00 فاستاذ الاقتصاد بجامعة ييل الاميركية ويليام نوردهاوس مثلا، يرى ان الحرب ستطول لفترة تتجاوز عدة اسابيع وان سعر برميل النفط، تبعا لذلك سيقفز الى مستوى 80 دولارا للبرميل فى حال تعرضت الابار فى المنطقة للخسائر وتمت اعاقة حركة الملاحة فى الخليج. أما مدير صندوق النقد الدولى الألمانى هورست كولر فقد رفض الانحياز الى اى من الفريقين ورهن التكاليف المقدرة للحرب بطول مدتها.. وشدد على اعتقاده بأن الحرب المرتقبة على العراق لن تؤدى على الارجح الى احداث ركود بالاقتصاد العالمى. وحسب تقديرات كوميرتس بنك الالمانى فان سعر برميل النفط سيبلغ حوالى 45 دولارا بعد بدء العمليات العسكرية مباشرة . وأرجع كوميرتس بنك تقديراته الى عوامل متداخلة اهمها عدم قدرة الدول الاعضاء بالاوبك على تعويض الامدادات النفطية العراقية فى حالة وقوع الحرب.. ومرد ذلك ان المملكة العربية السعودية «اكبر المنتجين فى الاوبك» تقوم الان بتعويض النقص فى الامدادات الفنزويلية بسبب الاضطرابات هناك.. الامر الذى يجعلها غير قادرة على سد فجوة النقص فى المعروض من النفط العراقى والفنزويلى فى وقت واحد. وتتوقع تقديرات دويتشه بنك «اكبر البنوك الالمانية» ان تبدأ الحرب خلال فترة زمنية تقع ما بين أواخر شهر فبراير الحالى واوائل شهر مارس المقبل.. وتبنى البنك فرضية ان الحرب ستكون قصيرة . من ناحيته توقع بنك هيبو فيراينز الالمانى ان تلقى الحرب بظلال قاتمة على الاقتصاد الالمانى وان تستمر تداعياتها السلبية لمدة سنتين مقبلتين على الاقل.. وطبقا لبيانات مركز الابحاث التابع للبنك ستشهد الميزانية الالمانية عجزا يقدر بحوالى 5% من الناتج المحلى الاجمالى فى العامين المقبل. وتتخوف اسواق المال العالمية من تبعات حرب طويلة الاجل على مؤشراتها ومن احتمال ان تمتد العمليات العسكرية الى خارج حدود العراق وأن تهتز انظمة سياسية مجاورة جغرافيا للعراق.. وبالتالى يتزعزع استقرار المنطقة بأسرها او ان يتم تنفيذ عمليات انتحارية فى دول الغرب. ويلاحظ خبراء الاسواق المالية أن السياسة تعد دائما بانتصارات سريعة قبل عمليات عسكرية مرتقبة ولكن الواقع يبعد فى احيان كثيرة عن هذه الوعود. وعلى سبيل المثال وعدت الادارة الاميركية شعبها ابان حرب فيتنام بعملية قصيرة الاجل تمتد لمدة شهرين على الاكثر ولكن الحرب استمرت لعدة سنوات بفضل مقاومة الشعب الفيتنامى للعدوان الاميركى عليه. كما بلغت تكاليف الحرب الفيتنامية اكثر من 15 ضعفا عما قدرته الادارة الاميركية قبل بدء العمليات العسكرية هناك.أ.ش.أ