الاحد 22 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 23 فبراير 2003 نعود مرة اخرى للحديث عن التكامل الاقتصادي العربي وأهميته خاصة بالنسبة لدول الخليج العربي، حيث باتت الاقطار العربية كافة تواجه رياح العولمة والتحرير الاقتصادي وقيام التكتلات الاقتصادية الكبرى مع دخولها الالفية الجديدة، وهي لا تزال تعيش حالة من التشتت والضعف. اننا نعتقد ان احد العوامل الرئيسية التي سهلت بروز تلك الحالة واستمرار تفاقمها وكذلك احتمالات ظهورها مجددا في المستقبل حتى في حالة اتمام مصالحة سياسية عربية هو ضعف البنى المادية والاقتصادية التي يستند اليها العمل العربي المشترك في ميادينه الاخرى. ان دول الخليج العربية والتي باتت مستهدفة وبصورة متزايدة من قبل نوايا عالمية غير مشروعة بامكانها ان تتبنى وبصورة مشتركة استراتيجية فعالة لمواجهة تلك النوايا وذلك من خلال تعزيز وتوثيق تكاملها المادي والاقتصادي مع الدول العربية الاخرى. ان هذه الاستراتيجية تمثل ضمانة فاعلة تساعد دول الخليج العربية ومعها الدول العربية الاخرى على التخلص من التفكك في علاقاتها وبنائها على اسس اوطد. إن الحديث عن السوق الشرق اوسطية غالبا ما يتم ربطه - بصورة او بأخرى - بتدفق التمويلات الخليجية التى تسهم في اقامة مختلف المشروعات المطروحة في اطار تلك السوق. اننا نستذكر هنا موقف دولة الامارات العربية المتحدة والذي حذر بكل وضوح من هذه المسألة وعدم جدواها، بل وخطورتها الاقتصادية. فلا يوجد هناك ما يبرر قيام رؤوس الاموال الخليجية بتمويل مشروعات تنافس وتهدد الكثير من الصناعات التي اقامتها بنفسها في بلدانها. وعوضا عن ذلك فانه بامكان دول المنطقة ان تتبنى استراتيجية ناجحة تهدف الى ربط تدفق تمويلاتها ومعوناتها التنموية في الاقطار العربية بموضوع تشجيع تصدير الكثير من السلع والخدمات المصنعة في بلدانها الى هذه الاقطار. فمن المعروف ان دول الخليج العربية ونظرا لتشابه هياكلها الاقتصادية انتج العديد منها نفس الصناعات القائمة على النفط والغاز ومشتقاتهما. كما ان هناك المئات من الصناعات الخفيفة والغذائية المتشابهة في هذه الدول. واذا ما اخذنا بالاعتبار محدودية حجم الاسواق المحلية يصبح من الطبيعي ان تبحث منتجات جميع تلك الصناعات عن اسواق خارجية. ان هذه المنتجات ونظرا لملاءمة اسعارها وجودتها بامكانها ان تجعل من الاسواق العربية منفذا تسويقيا رئيسيا لها خصوصا اذا ما تم اعادة صياغة البرامج التسويقية الموجهة لهذه الاسواق في اطار وجود اشكال اوثق من التعاون الاستثماري والتجاري والاقتصادي مع الدول العربية كوجود البنوك المشتركة والاتفاقيات المتبادلة لضمان الصادرات والاستثمارات ووسائط النقل والشحن والتأمين المشتركة. إن الاموال الخليجية يجب ان توجه بالدرجة الاولى الى هذه الاشكال لتخدم بصورة اكبر التوجهات التنموية الخليجية. بهذا المعنى فأن التكامل الاقتصادي العربي يصبح عنصرا رئيسيا في استراتيجية التنويع الاقتصادية والتنمية في دول الخليج العربية، وبالتالي اساسا حيويا لأمنها الاجتماعي على المدى البعيد. وبقدر ما تتعقد جهود ومحاولات توحيد الصفوف العربية وتعزيز التضامن العربي يبقى الاقتصاد هو المدخل الاكثر عملية وفاعلية لتحقيق هذه الاهداف ولعل سياسة الزيارات المكوكية للوفود التجارية العربية التى تشهدها اكثر من عاصمة عربية في الوقت الحاضر هو شاهد على ما نقول. كما ان دول الخليج العربية اذا ما ارادت ان يكون لها دورها الريادي والمؤثر في تحقيق اهداف توطيد وتعزيز الصفوف العربية فأن ما تتبناه من سياسات اقتصادية تكاملية مع الدول العربية يمكن ان تجسد بصورة فاعلة هذا الدور. كما ان دول المنطقة تمتلك الكثير من الامكانات التي يمكن ان تستثمر لصالح التكامل الاقتصادي العربي وليس المقصود هنا فقط الفوائض المالية وخاصة لدى القطاع الخاص بل والامكانات الصناعية والخدمية والتصديرية والسياحية التي يمكن ان تتشابك مع ما تتمتع به الدول العربية الاخرى لتوليد مشروعات ذات جدوى اجتماعية واقتصادية اكبر. وحتى الان كان الجانب الابرز في التعاون الاقتصادي العربي هو التبادل التجاري، ولا يغيب عن البال ان الاتحاد الاوروبي هو الشريك التجاري الاول وان الدول العربية تشكل بالنسبة له سوقا ذات الـ 225 مليون مستهلك، ولكننا نحتاج الى تحسين شروط نفاذ المنتجات العربية الى السوق الاوروبية، وعلى الاخص المنتجات الزراعية والمنسوجات والصناعات البتروكيماوية والالمنيوم. بقلم: حسن العالي