الاحد 22 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 23 فبراير 2003 نحن من واشنطن نقوم بتكوين لغة خاصة بنا. وتأتي عبارة «حديث الميزانية» كمثال لهذه اللغة. فهذه العبارة تعد من المفردات الجديدة الخاصة التي يستخدمها السياسيون وأهل الصحافة عند حديثهم ومناقشاتهم المتعلقة بالميزانية، وتعني اجراء مناقشات شاقة بشأن ميزانية الدولة، يحاول خلالها كل طرف احراج الأطراف الأخرى المشاركة في النقاش وذلك من دون حتى أن يوجه حديثه إلى لب القضية التي يتم مناقشتها. والفكرة من وراء هذا الجدل هو ان تظهر المناقشة على انها نقاش أمين على الرغم من حقيقة انها مناقشة غير أمينة بالمرة، وهي الحقيقة التي يمكن أن تحرج وتزعج الناخبين. ومثل هذا النقاش يدور حاليا في واشنطن. فمنتقدو مشروع ميزانية 2004 الذي اقترحه الرئيس بوش يرونه مشروعا بشعا، ولهم وجهة نظرهم في هذا الأمر. فسياسة بوش تقوم على الخفض الضريبي وزيادة معدلات الانفاق، وخفض معدلات الضرائب المفروضة على الأفراد لم يكن كافيا للوفاء بوعود بوش الانتخابية. لذا فانه يريد الآن مزيدا من الخفض الضريبي يتمثل في الغاء الازدواج الضريبي الذي تخضع له أرباح الشركات، واصلاح جذري لحسابات المدخرات المعفاة من الضرائب. وإذا كانت هذه التخفيضات الضريبية أفكارا جيدة، فربما كان تبرير بوش لها يتمثل في اقتراح تخفيضات تعويضية في معدلات الانفاق. ولكن شيئا من هذا لم يحدث. فبدلا من اقتراح خفض في معدلات الانفاق، يقر بوش مشروعا جديدا للرعاية الطبية تقدر تكاليفه على مدار عشر سنوات بحوالي 400 مليار دولار. وإذا تم سن هذا المشروع وتطبيقه فإنه سوف يوفر على كبار السن ما لا يزيد عن 25% من فواتير الأدوية التي يحتاجونها، على حد تعبير ماريلن مون من المعهد المدني الأميركي. وقد تم التقليل من التقديرات الخاصة بتكلفة المشروع الأبدية وذلك لانه بمجرد ان يقوم الكونغرس بسن هذا البرنامج الطبي فانه سيكون هناك ضغوطات للتوسع فيه. إذاً هل يمكن لنا أن نضع ثقتنا في الديمقراطيين؟ ليس ذلك بالضبط. فسياسة الديمقراطيين الحقيقية تتمثل في زيادة معدلات الانفاق (حتى بشكل يفوق ما يقترحه بوش) وفي النهاية رفع الضرائب بشكل كبير. واقتراحات الديمقراطيين بشأن مشروع الرعاية الطبية تزيد في تكلفتها عن اقتراحات بوش بمقدار الضعف، حيث تصل إلى 800 مليار دولار خلال عشر سنوات، كما انها أيضا لا تغطي إلا جزءا من التكاليف العلاجية لكبار السن. ففي مجالات الصحة والتعليم والتدريب الوظيفي يتفوق الديمقراطيون على بوش بشكل عام في معدلات الانفاق التي يقترحونها. هناك عامل مشترك بين بوش ومنتقديه يظهر من خلال هذا الحديث عن الميزانية، ألا وهو فقدان الطرفين للصراحة. الصفة المميزة لهذا العامل تتمثل في جنوح الطرفين لتحويل جميع المناقشات الخاصة بالميزانية إلى حديث عن الفوائض والعجوزات، الأمر الذي ينتقص مما ينبغي أن تكون عليه مناقشة القضايا الرئيسية، المتمثلة في التساؤلات الآتية: ما هو حجم الانفاق الذي ينبغي أن تعتمده الحكومة؟ وإلى أين ينبغعي توجيه هذا الانفاق؟ والأهم من ذلك كله هو كيف يمكن لنا الاستعداد للتكاليف الباهظة الخاصة بتقاعد أبناء طفرة المواليد؟ وهذا السؤال الأخير هو الذي بالفعل يتمنى كل من الجمهوريين والديمقراطيين تجنبه. فمكتب الميزانية التابع للكونغرس يتوقع في الفترة من عام 2000 الى 2030 أن تزداد تكاليف الأمن الاجتماعي والرعاية الطبية والمساعدات الطبية من 6,7% من الناتج الاجمالي المحلي إلى 9,13%. وهذا الأمر قبل تطبيق قانون الرعاية الطبية. أما الزيادة في تكاليف التقاعد فتساوي تقريبا أربع مرات تكاليف الفائدة الحالية الخاصة بالديون الفيدرالية أو تقريبا ثلث جميع الضرائب الفيدرالية حتى قبل تطبيق الخفض الضريبي الذي يقترحه بوش. وفي ضوء ارتفاع سن أبناء طفرة المواليد، فإن معدلات الانفاق والضرائب الحكومية المستقبلية سوف ترتفع. ولكن ترتفع إلى كم؟ وإلى متى سوف نلقي بالأعباء على كاهل عمال الغد الذين هم أطفال اليوم وشبابه؟ ينبغي لنا أن نخفض من هذا العبء عن طريق رفع الحد السني للقبول في برامج التقاعد بشكل متدرج، وخفض الفوائد التي يحصل عليها الأثرياء من متلقي هذه البرامج والتخلص من بعض البرامج الحكومية، غير الفعالة التي يتم تطبيقها حاليا. فستكون هناك وفرة في الانتاج الغذائي من دون دعم فيدرالي لمزارع الأغذية. وسيتمكن الشعب من السفر من دون خدمات نظام «امتراك». نحن لا نتحدث عن القيام بهذه الأشياء. فحتى الحديث عنها سوف يغضب الكثيرين من الناخبين. فالسياسيون البراغماتيون الذين يتمتعون بنزعة قوية للبقاء يرفضون ان يخوضوا في هذه اللعبة. وبدلا من ذلك فهم يناقشون ما يدعون بانها مساوئ عجوزات الميزانية. مثل تلك المناقشات لا يمكن أن تكون حاسمة لان الطرفين المتجادلين كليهما على حق. فمنتقدو بوش على حق لان ميزانية الرئيس المقترحة تزيد عجز الميزانية سوءا وتزيد من الدين الفيدرالي، الذي تكون نتيجة عجوزات الميزانية السابقة. فإذا تم تطبيق مشروع ميزانية بوش، فإن الدين الفيدرالي سوف يرتفع إلى 5 تريليونات من الدولارات عام 2008 بعد ان كان 5,3 تريلونات دولار في 2002. غير ان رد الادارة الأميركية على هذا النقد لم يجانبه الصواب كذلك. فعجوزات الميزانية المرتفعة تعكس بشكل جزئي ضعف الاقتصاد (وهو الأمر المتمثل في انخفاض ايرادات الضرائب)، وعجوزات الميزانية تساعد هذا الاقتصاد الذي يعاني (وهو الأمر الذي يوافق عليه معظم الديمقراطيين)، وعجوزات الميزانية لم تؤد إلى رفع معدلات الفائدة بشكل ملحوظ. فمعدل الفائدة على سند لوزارة الخزانة مدته 10 سنوات يبلغ الآن 4%، وهو أقل معدل منذ عام 1963. فتأثير عجوزات الميزانية على معدلات الفائدة عادة ما يتأثر بعوامل أخرى مثل التضخم وحالة الاقتصاد والطلب على الائتمان. كما ان الدين هو الآخر لم يصل إلى معدلات لا يمكن السيطرة عليها. فصحيح ان 5 تريليونات دولار مبلغ كبير، ولكن بحلول عام 2008، فإن الناتج الاجمالي المحلي يتوقع أن يصل إلى 8,13 تريليون دولار، ولذا فان الدين الفيدرالي سيمثل 36% من هذا الناتج. وهذا الوضع يماثل وضع عائلة دخلها يبلغ 100 ألف دولار وعليها ديون بـ 36 ألف دولار. وبعد الحرب العالمية الثانية، كان الدين الفيدرالي يمثل 109% من الناتج الاجمالي المحلي. هذا التزايد في حجم الدين يؤدي بشكل رئيسي إلى تزايد مشكلة ارتفاع الانفاق الخاص بالتقاعد، وهي المشكلة التي ستظل موجودة حتى في عدم وجود مشكلة الدين. هذا النقاش حول الميزانية يولد كثيرا من الذم والبغض وقليلا من التبصر. أحد الطرفين ربما يكسب ميزة سياسية على حساب الآخر ولكن التخبط والارتباك الشعبي هو النتيجة الأكثر احتمالا. فالشعب سوف تنتابه الحيرة والتخبط بسبب كل هذه الارقام الكبيرة للميزانية وتلك النظريات الاقتصادية المعقدة. وسوف ينتهي الحال بالجمهوريين والديمقراطيين أثناء محاولاتهم لتجاهل حقيقة التكاليف الباهظة لتقاعد أبناء طفرة المواليد في المستقبل وهم غارقون في حالة من تراشق الألفاظ والحروب الكلامية. فالأمر عبارة عن تمثيلية تحذيرية بين حزبين سينجح فيها من سيستطيع اخفاء حقيقة الأمر. بقلم: روبرت صامويلسون