الاحد 22 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 23 فبراير 2003 إذا كانت أموالنا محاصرة في أسواقنا المحلية بحكم المنافسة الأجنبية من قبل رؤوس الأموال الأجنبية وبحكم غياب القوانين والتشريعات التي تحمي أموالنا، وبحكم غياب المسوحات عن الفرص الاستثمارية في الدولة، ثم غياب الرؤى والاستراتيجيات. وإذا كانت أموالنا محاصرة في الأسواق العالمية بحكم التآكل والتهديد والمصادرة والتجميد، وبحكم انخفاض أسعار الفائدة والتضخم ثم بحكم محدودية قدرة رؤوس أموالنا على منافسة رؤوس الأموال الأجنبية هناك، فما هو السبيل نحو الخروج من هذا الحصار؟! كيف يمكننا أن نحقق العائد الجيد والأمان المناسب لاستثماراتنا وأموالنا؟! كيف نفسر وجود رؤوس أموال أجنبية تستفيد من المناخات الاستثمارية المتوفرة في الامارات فيما أموالنا واستثماراتنا تعاني من حصار شديد؟! وكيف نفسر تحرك رؤوس الأموال والاستثمارات الأجنبية بانسيابية وحرية كاملة فيما رؤوس أموالنا الوطنية تعاني من المعوقات والتجزئة والحصار في أسواق الامارات؟! لماذا هذه العزلة المفروضة على رؤوس أموالنا الوطنية وغيابها عن المساهمة في التنمية؟! إذا كنا قد تعرضنا في الحلقتين الماضيتين للأسباب التي جعلت أموالنا واستثماراتنا محاصرة وتعيش في عزلة عن الاقتصاد الوطني، فإننا نحاول هنا أن نضع رؤيتنا حول كيفية رفع الحصار عن أموالنا واستثماراتنا وسبل دمجها في الاقتصاد كي تحقق العائد المناسب والفائدة المرجوة في الاقتصاد الوطني. ونشير إلى ان هناك محددات طبيعية يفرضها الواقع وطبيعة التكوين الاقتصادي في الامارات وهناك محددات غير طبيعية لا مبرر لوجودها بعد مضي أكثر من واحد وثلاثين عاما على قيام الدولة، ويمكن من خلال الإرادة الصادقة والرؤية العلمية الوافية ومن خلال التقاء القطاعين العام والخاص تجاوز كل المحددات غير الطبعية وأيضا التقليل من تأثير المحددات الطبيعية على مسيرة الاستثمارات الوطنية وهنا نستطيع أن نحرر أموالنا المحاصرة ونحقق لها العائد المناسب ونمكنها من اقتصادنا الوطني وحتى يتحقق هذا لابد من ترجمة حقيقية لتلك الإرادة من خلال مجموعة من الاجراءات نذكر منها: ـ أهمية وجود رؤية تنموية أو استراتيجية للتنمية الاقتصادية ذات آجال طويلة تعتمد الشفافية في الأهداف والوضوح في الآليات ويكون لرأس المال الوطني الأولوية في تمويل مشاريع الاستراتيجية وفي ضوء ذلك يتعين على الحكومة الاتحادية ثم الحكومات المحلية طرح سندات تنمية ذات آجال متوسطة وطويلة، وتأسيس شركات تمويل مساهمة برؤوس أموال وطنية، حينها يكون رأس المال الوطني قد كسر طوق الحصار وحقق العائد المناسب وساهم بدوره في تنمية الاقتصاد والمجتمع. ـ أهمية أن تكون هناك سياسة ائتمانية تعتمد على توجيه الائتمان المصرفي نحو قطاعات اقتصادية حقيقية بهدف تنميتها وتراعي السياسة الائتمانية اتساق السياسة هذه مع أهداف استراتيجية التنمية والدور المطلوب من القطاع المصرفي في ترجمة الأهداف وتحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية في الامارات، ثم يجب أن تراعى تلك السياسة اعتبارات أخرى منها خلق فرص استثمارية لرؤوس الأموال والسيولة المتضخمة لدى الجهاز المصرفي، وان هناك سيولة سوف تتدفق إلى السوق المحلية ومنها رؤوس أموال وطنية ترغب بالعودة إلى السوق المحلية، كما يجب أن تراعى هذه السياسة إلى ان وجود الفائض الضخم في السيولة المحلية في القطاع المصرفي قد دفع المصارف ومنها الوطنية إلى التنافس المحموم على الاقراض الشخصي المحفوف بالمخاطر لا سيما في ظل الضغوط الشديدة التي أصبحت تعاني منها مصارفنا بسبب انخفاض الفوائد على الودائع واندفاع المودعين نحو سحب ودائعهم بالعملة الوطنية (الدرهم) وتحويلها إلى عملات أجنبية أخرى تحقق لها العائد الأفضل، ثم سحب الودائع من المصارف الوطنية أو الأجنبية العاملة في الامارات إلى مصارف أجنبية غير مقيمة، ثم قيام المصارف التجارية العاملة في الامارات بتحويل الجزء الأكبر من سيولتها إلى مصارف خارج الدولة أو استثمارات خارجية لا تخدم الاقتصاد الوطني!! ـ أهمية قيام المؤسسات الاقتصادية المعنية بالتنمية والتطور الاقتصادي في الامارات باجراء مسوحات شاملة عن الفرص الاستثمارية في امارات الدولة لخلق قنوات وفرص استثمارية ذات عائد مناسب لرؤوس الأموال الوطنية لكسر طوق الحصار الداخلي وهذا يحدث في ظل دراسات للجدوى والبحث عن فرص غير تقليدية وعدم الاعتماد على قنوات تقليدية مثل سوق العقار والتجارة الاستهلاكية والخدمات والتي وصلت إلى درجة التشبع.. وبدور هذه المؤسسات نكون قد حققنا كسر الحصار وخلق الفرص ذات العائد ثم تمويل مشاريع التنمية ذاتيا وخلق قاعدة انتاجية حقيقية للاقتصاد. ـ أهمية اقرار الحكومات المحلية بعدم جدوى التجزئة الاقتصادية التي تشكل وشكلت طوال السنوات الماضية أهم المعوقات والتحديات التي واجهت وتواجه انسيابية رأس المال الوطني أو الاستثمارات الوطنية ولا سيما الخاصة بين أسواق الامارات المحلية فيما هو العكس بالنسبة للاستثمارات ورؤوس الأموال الأجنبية التي وجدت ومازالت تجد كل التسهيلات والمزايا والفرص في أسواقنا المحلية وقد اغتنمت هذه الفرصة السانحة لتحقق العائد الكبير والقياسي على حساب الاقتصاد والمجتمع!! فيما بقي رأس المال الوطني محاصرا في مصارف وطنية وأجنبية داخل وخارج الدولة!! وهنا نؤكد ان هناك امارات تتسم بالفائض في رؤوس الأموال لديها وتتسم في الوقت ذاته بمحدودية الفرص الاستثمارية وتشبع القنوات الاستثمارية المتوفرة لديها ومعظمها تقليدية، فيما هناك أسواق محلية أخرى تحتاج لاستثمار الفرص الاستثمارية المتوفرة لديها ومعظمها غير تقليدية حيث تتوفر فيها مواد طبيعية خام ولكنها تفتقر الى السيولة اللازمة!! ـ إذا كان رأس المال الأجنبي قد مارس حريته وحقق عوائد ضخمة من السوق المحلية طوال العقود الأربعة الماضية ومازال يمارس تلك الحرية ويحقق عوائد مستمرة في ظل التسهيلات المتاحة له واستغلاله للثغرات القانونية حتى أصبح فارضا هيمنته على السوق المحلية وبالتالي على الاقتصاد الوطني، فإنه يتحتم على المؤسسات المحلية منها الاتحادية أن تعيد التوازن لسوق الفرص الاستثمارية لتصبح الكفة لصالح المال الوطني المحاصر في مصارف تجارية داخل وخارج الدولة، وحتى يتحقق ذلك لابد من الجهات والمؤسسات الحكومية محلية واتحادية أن تقدم الحوافز المادية والمعنوية لرأس المال الوطني وتقدم له كافة الاغراءات والتسهيلات كالأراضي المجانية أو بأسعار رمزية لاقامة مشاريع صناعية وزراعية عليها، ثم شراء نسبة مشجعة من انتاج الشركات والمؤسسات الوطنية ثم تسهيل اجراءات انتقال رؤوس الأموال والأيدي العاملة بين الأسواق المحلية، ثم تخفيض الرسوم الجمركية مع اعفاءات ضريبية على السلع الوسطية الداخلة في المشاريع الوطنية، ثم توفير الدعومات اللازمة كالحماية وتقديم دراسات الجدوى الاقتصادية مجانا أو بأسعار رمزية، ويأتي كل هذا من أجل تعزيز وجود رأس المال الوطني في السوق المحلية واستثمار فائض السيولة لدى الجهاز المصرفي وتحقيق العائد المناسب لرأس المال الوطني، واحداث تطور نوعي في القاعدة الانتاجية للاقتصاد الوطني واحداث تنمية اقتصادية واجتماعية حقيقية كما يأتي هذا في اطار تعزيز الشركات والمؤسسات الوطنية لمواجهة المتغيرات العالمية المستجدة ولا سيما منظمة التجارة العالمية والعولمة الاقتصادية. ـ أهمية وجود بيئة تشريعية واستثمارية مناسبة من شأنها أن تحقق الأمن المطلوب للمستثمرين الاماراتيين، والاستقرار لرؤوس الأموال الوطنية كي تتمكن من الخروج من الحصار المفروض عليها وهذا يتطلب مراجعة دقيقة للتشريعات والقوانين الاقتصادية المعمول بها حاليا واصدار تشريعات جديدة تحفز رأس المال الوطني وتجعله أكثر قدرة على كسر الحصار، ثم الشفافية المطلقة في العمل الاداري والاقتصادي. في اطار التحول نحو خصخصة بعض أو جزء من مؤسسات وشركات ووحدات القطاع العام لاتاحة الفرصة أمام رأس المال الوطني الخاص ليساهم في خدمة الاقتصاد الوطني فإنه يتحتم أن تعتمد رؤية الخصخصة على مفاهيم حديثة واجراءات واضحة وسليمة من شأنها أن تعزز رأس المال الوطني لأخذ دوره في تنمية الاقتصاد الوطني وتحقيق العائد المناسب وذلك للحيلولة دون انتهازية رأس المال الأجنبي الذي قد يجد في الخصخصة فرصة سانحة له كي يحقق أرباحا كبيرة على حساب الاقتصاد واستقرار المجتمع، وهنا يتطلب الأمر تأسيس شركات مختلطة عامة وخاصة تناط إليها إدارة مؤسسات الدولة وشركاتها المراد خصخصتها وان تكون هناك ضوابط وأهداف محددة للخصخصة الوطنية، وعندها تصبح هناك فرصة جيدة أمام رأس المال الوطني كي يخرج من حصاره ويساهم بدوره في خدمة الاقتصاد والمجتمع، وحتى نضمن نجاح الخصخصة في اقتصادنا ونحفز رأس المال الوطني فإنه يتحتم ان تتولد قناعة تامة وأكيدة لدى المعنيين بالشأن الاقتصادي وأصحاب القرار الاقتصادي بالدور الذي يمكن أن يلعبه القطاع الخاص في ضوء تحرير رأس المال الوطني من قيود الحصار المفروضة عليه وهنا يتطلب اعادة هيكلة القطاع الخاص الوطني بوحداته ومؤسساته الانتاجية والخدمية والتمويلية وذلك وفق رؤية تنموية وأهداف واضحة ومتوازنة بين مصلحة الاقتصاد الوطني وعوائد وفوائد رأس المال الخاص الوطني فإذا كانت رؤوس الأموال الوطنية جزءا كبيرا منها مستقر في هيئة ودائع في مصارف عالمية لا تخدم الاقتصاد الوطني فيما الجزء الصغير منها قد وظف في مشاريع القطاعات التقليدية كالقطاع العقاري وقطاع الأسهم وقطاع الودائع المصرفية، فإن الأمر يتطلب اعادة تأهيل المال الوطني ليصبح ذا فاعلية أكبر ويحقق عائدا أكبرا واستقرار أفضل وهذا يتم من خلال فتح القطاعات غير التقليدية كالقطاع الصناعي، ثم الزراعي والقطاعات الخدمية الأخرى المحتكرة من قبل الحكومة ـ الحكومات المحلية، وهذه القطاعات هي أكثر استيعابا للسيولة الفائضة والتي يتسم الاستثمار فيها بالآجال الطويلة والعائد المناسب فيما القطاعات التقليدية أصبحت أكثر تشبعا وأصبح العائد منها في تراجع مستمر أكدته السنوات الماضية الأخيرة. كما يتطلب هنا وجود سياسات وآليات تنموية يجب أن تضطلع بها مؤسسات الدولة بمشاركة القطاع الخاص بحيث تكون الرؤية مشتركة والسياسات متسقة بين أهداف المجتمع ومصالح القطاع الخاص أو رأس المال الوطني الذي يجب أن نؤكد على ضرورة دعمه ومساعدته للخروج من الحصار المفروض عليه، كما يجب أن تكون هناك صناديق تنمية أو صناديق استثمارية مشتركة لتمويل مشاريع التنمية في مختلف الامارات ودون أن تكون حكرا على امارة أو امارات معينة دون أخرى. وهنا نحقق العائد المناسب لرأس المال الوطني ونعزز وجوده وحضوره في الاقتصاد الوطني وذلك بدلا ان يتدفق الى الاسواق العالمية حيث الحصار ومخاطر التجميد والمصادرة وحيث التآكل والتضخم والتراجع في قيمته الحقيقية وعوائده بقلم: نجيب عبدالله الشامسي