الاحد 15 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 16 فبراير 2003 من المعلوم للجميع إن ظاهرة العولمة اصبحت حقيقة ملموسة في عالم اليوم وهي بالتالي لم تعد فكرة مطروحة للنقاش حول مدى شرعيتها وعدالتها ومن هنا فقد اصبح من الضروري العمل على التعامل معها وتعظيم اثارها الايجابية والحد من اثارها السلبية، ان هذه الظاهرة اصبحت تتمثل في الزيادة في درجة الارتباط المتبادل بين المجتمعات في العالم من خلال تسهيل وتسريع عمليات انتقال السلع ورؤوس الاموال وتقنيات الانتاج والاشخاص والمعلومات واصبحت في الحقيقة تتجسد في كل مجالات الحياة ومنها مجالات الاقتصاد والثقافة والسياسة. لقد ساعد عدد من العوامل على سرعة انتشار هذه الظاهرة منها التقدم التكنولوجي، زيادة قدرة عوامل الانتاج على الانتقال واتفاقات التجارة الاقليمية والدولية وادى ذلك الى ظهور امكانية لتحقيق زيادة كبيرة في الانتاجية وخلق الثروة، وكان المستفيد الاول من كل ذلك ولحد الان هو الدول المتقدمة بينما لايزال المجتمع الدولي يواجه تحديا كبيرا يتمثل في البحث عن طريق لادماج الدول النامية في الاقتصاد العالمي حيث يواجه العديد منها خطر البقاء خارج الاطار وبالتالي المزيد من التهميش في مجالات التجارة العالمية والاستثمار واسواق رأس المال، لقد اثبتت التجارب أن هناك الكثير من المزايا التي يمكن ان تجنيها الدول من خلال الانفتاح والاندماج في الاقتصاد العالمي من خلال العديد من التجارب، وبصورة عامة اصبح واضحا ان المجتمعات التي حققت معدلات سريعة في النمو الاقتصادي والتقدم في مجال المعرفة والتكنولوجيا هي تلك التي حققت نموا في علاقاتها وتفاعلها بشكل كبير مع الاقتصاد العالمي بينما كانت الدول الاقل ارتباطا في الاقتصاد العالمي والتي لم تعمل على اصلاح وتهيئة اقتصادها للاندماج مع الاقتصاد العالمي هي في الحقيقة التي لم تحقق درجة ملموسة من التقدم والنمو الاقتصادي، ان ذلك يتطلب من هذه الدول العمل على بناء طاقتها في مجالي الانتاج والاستثمار وتحسين المناخ العام والثقة بالاقتصاد المحلي بهدف الوصول الى الاسواق الخارجية وبما يتطلبه ذلك من تحسين وتوسيع البنى التحتية. ان ذلك يتطلب من هذه الدول ان تعمل بالدرجة الاساسية على خلق المناخ الملائم للقطاع الخاص حتى يأخذ دوره في التنمية وتبني سياسات اقتصادية كلية تهدف الى تشجيع الادخار المحلي واستقطاب الادخارات الاجنبية والتكنولوجيا والمعرفة وتحريك الطاقات لتحقيق التنمية المستدامة. ان اطار العولمة والسعي نحو استقرار اقتصادي كلي قد دفع بالعديد من الدول الى وضع وتبني برامج اصلاح هيكلي تشمل الحد من عجز الميزانية، تحرير اسعار الصرف، تخفيض والغاء القيود على الاسعار وخصخصة المؤسسات والمرافق العامة، لقد حققت العديد من هذه البرامج عدة نتائج ايجابية ادت في العديد من الحالات الى تحقيق خفض في عجز الميزانية والى انخفاض معدل التضخم وزيادة الاستثمارات الاجنبية. وبالرغم من تحقيق الكثير من الدول النامية لمعدلات نمو متقدمة على صعيد بعض المؤشرات الاقتصادية وتحقيق بعض من النجاح في السعي نحو الاندماج في الاقتصاد العالمي والنتائج الايجابية في برامج الاصلاح الهيكلي الا ان السؤال المطروح هو حول الاثار والابعاد الاجتماعية لهذه السياسات وحتى الانعكاسات الاجتماعية السلبية لبعض من هذه التجارب. لقد اظهرت النتائج في بعض الدول ان خدمات الصحة والتعليم لاتصل الى كافة المواطنين وانه مازالت هناك نسب عالية من الاميين وعدم وصول الماءالصالح للشرب الجميع وقصور كبير في اندماج المرأة وتعليمها، اضافة الى ظهور ازمات داخلية اقترنت بتطبيق برامج الاصلاح الهيكلي منها الازمات الاستهلاكية او زيادة نسب البطالة نتيجة لسياسات الاصلاح والخصخصة وفي بعض الاحيان ظهور طبقات فقيرة جديدة. ولدراسة الاثار الاجتماعية لهذه السياسات فقد دعت وزارة التخطيط وبالتعاون مع دائرة الشئون الاقتصادية والاجتماعية في الامم المتحدة وبرنامج الامم المتحدة الانمائي الى ورشة عمل دولية في مدينة ابوظبي باللفترة 16 ـ 18 ديسمبر تحت شعار «الابعاد الاجتماعية للسياسات الاقتصادية الكلية في ظل العولمة» حيث شارك فيها ممثلو دول اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي اسيا، وقد استعرضت اوراق العمل العربية القطرية مسيرة التنمية الاقتصادية في الدول العربية وبيان اثرها على الاهداف الاجتماعية لهذه الدول وضرورة تفعيل الجهود الرامية الى تحسين الوضع العام لرفاهية هذه المجتمعات، ان ذلك يستوجب ان تنظر هذه الدول الى الابعاد الاجتماعية بشكل جدي بهدف الاندماج في الاقتصاد العاملي والتهيؤ لمواجهة تحديات العولمة المتمثلة بالاهداف الاجتماعية وعلى الاخص في مجال تنمية الموارد البشرية. ان الجانب الاجتماعي للسياسات الاقتصادية تطور باتجاه التشديد على مفهوم التنمية البشرية ليشمل عددا من المقاييس اضافة لمعدل نصيب الفرد من الناتج المحلي الاجمالي والتي يمكن من خلالها التعرف بشكل واضح على مدى التقدم الاقتصادي المتحقق نتيجة للسياسات الاقتصادية الكلية المتبعة ومقارنة هذه السياسات ونتائجها مع مستوى التقدم والرفاهية لهذه المجتمعات اي ان تقارير التنمية البشرية تعكس الى حد كبير الابعاد الاجتماعية للسياسات الاقتصادية الكلية لتلك البلدان مما يتطلب تحسين دور المؤسسات لضمان الحريات المدنية والشراكة الاجتماعية والضمان الاجتماعي. والسؤال الذي يطرح نفسه هو: ماذا عن الاستثمار البشري ووضع القدرات البشرية لمواجهة تحديات السياسات الاقتصادية الكلية في ظل العولمة حيث استثمرت البلدان العربية في تطوير رأسمال مادي اكثر مما استثمرت في تطوير رأسمال بشري؟ ان تقارير التنمية البشرية العربية تشير الى وجود ثلاثة نواقص رئيسية تواجه الدول العربية هي: ـ وجود قصور في تمكين المرأة العربية. ـ قصور في جوانب الصحة والتعليم حيث ان جانب كبيراً من فئات السكان لا تحصل على خدمات صحية مقبولة وعدم حصول نسبة كبيرة على خدمات الماء الصالح للشرب اضافة الى وجود فجوة كبيرة بين مخرجات النظم التعليمية ومتطلبات سوق العمل. ـ نقص في الحريات وقصور في المعرفة وتقنية الاتصالات. وبهدف معالجة هذه النواقص وفي سبيل تفعيل التنمية وتحقيق نتائج افضل على طريق النمو، يحث التقرير الحكومات العربية على النشر الكامل للتعلم الاساسي واطالة مدته الزمنية الالزامية الى عشر سنوات كما دعا الى الاستثمار في المعرفة من خلال وضع برنامج واضح للاستثمار في مجال العلوم والثقافة والبحث والتطوير مع زيادة هذه الحصة من الناتج المحلي الاجمالي، ودعا الى ضرورة اعتماد المنطقة العربية على بعض التجارب الناجحة في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات كتجربة مدينة دبي في دولةالامارات العربية المتحدة. ويعد الاخذ بالعلم والمعرفة وتزايد دوره من الامور الهامة في العصر الحالي حيث اصبحت دول العالم تصنف حسب امتلاكها لناصية العلم والمعرفة الذي غدا يشكل الاساس القوي لبناء القوة التكنولوجية التي تعد العنصر الفاعل في عملية المنافسة الدولية ومحاولة التفوق حتى يمكن ان يكون للدولة نصيب في المكاسب الاقتصادية المتوقعة. ويتوقف مدى الاستعداد لنقل وتوطين التكنولوجيا على مدى توافر الخبرات المحلية القادرة على التعامل مع هذه التكنولوجيا وصيانتها وتطويرها، ومن هنا تأتي اهمية التدريب والتأهيل المستمر للموارد البشرية الناشئة حيث تعدالمصدر الاساسي للخبرة وفي مراحل تالية تؤدي الى تراكم الخبرات عبر الزمن. ان اكتشاف النفط وانتاجه تجاريا في دولة الامارات العربية المتحدة اوجد اوضاعا اقتصادية جيدة تمثلت في توافر موارد مالية كبيرة من جهة وسعي الدولة في استثمار هذه الموارد في تطوير مختلف الجوانب الاقتصادية والاجتماعية وفقا لمباديء اساسية تضمنتها وثيقة الاهداف العامة الرئيسية للتنمية من جهة اخرى، ومن المباديء الهامة التي تضمنتها الوثيقة مايلي: ـ تتم التنمية الاقتصادية على اساس متوازن بالنسبة للدولة ككل وعلى مستوى الامارات، ويتم النمو الاجتماعي جنبا الى جنب مع التنمية الاقتصادية ليتوافر في كل الاحوال مستوى حضاري واحد بين الامارات. ـ دعم الاقتصاد القومي وتعزيز قدراته على الاعتماد الذاتي وتغيير الهيكل الانتاجي وتنويع انشطته. ـ الانسان في دولة الامارات هو الغاية والخدمات الاجتماعية على اختلافها حق اساسي من حقوقه. ـ تحقيق رفاهية المجتمع كهدف اساسي للتنمية وذلك على اساس من العدالة الاجتماعية مع تأكيد الرفاهية للاجيال القادمة بتوجيه قدر متزايد من الدخل للاستثمار بما يضمن اطراد النمو وتزايد الدخل. ـ تنمية القوى العاملة الوطنية وتكوين الكوادر المدربة منها والقادرة على النهوض باحتياجات التنمية. وبناء على هذه المباديء واصلت الدولة مسيرتها الاقتصادية والاجتماعية محققة نتائج كبيرة جعلتها في مقدمة الدول المتقدمة في المنطقة بحيث انها اصبحت مؤهلة للاندماج في الاقتصاد العولمي والتعامل مع ظاهرة العولمة ومواجهة تحدياتها والاستجابة لمتطلباتها، ويرجع ذلك الى ان دولة الامارات تأخذ اساسا بسياسة الانفتاح الاقتصادي وحرية السوق وتمتلك العديد من مرافق البنية الاساسية المتطورة وفي الوقت نفسه تعتبر من اقل دول العالم من حيث الرسوم الجمركية والرسوم غير الجمركية على الواردات، كما ان الدولة تتمتع بالكثير من المزايا النسبية التنافسية في مجال الانتاج والتصدير للعديد من السلع الصناعية وعلى الاخص البيتروكيماوية منها اضافة الى ان القطاع الخاص يتمتع بالعديد من المميزات والتي تؤهله للقيام بدور مستقبلي اكثر فعالية لمواجهة الظروف والمتغيرات الاقتصادية مما يتطلب من الدولة تقديم المزيد من الدعم لهذا القطاع من خلال الاستمرار في تهيئة المناخ الاستثماري اللازم لتعميق دور القطاع الخاص في عملية التنمية الاقتصادية والاهتمام ببرامج التخصيص الكلي والجزئي للشركات الحكومية وشركات القطاع العام بما يساهم في توسيع الطاقة الاستيعابية وتخفيف الاعباء عن اجهزة الادارة الحكومية وتحقيق الاستخدام الامثل للكفاءات والموارد المتاحة. ان الاسراع في تكوين السوق الخليجية المشتركة يتيح العديد من المزايا لهذه الدول واهمها تدعيم الموقف التفاوضي لهذه الدول مع العالم الخارجي وتدعيم التجارة البينية والاستثمارات، لقد جاء اعلان الاتحاد الجمركي بين دول مجلس التعاون خطوة على الطريق السليم للتخلص من الحواجز الجمركية بين دول المجلس والعمل بتعريفة جمركية موحدة تجاه العالم الخارجي استكمالا لاقامة السوق الخليجية المشتركة. ان ظاهرة العولمة بالاضافة الى كونها ظاهرة اقتصادية فإن دولة الامارات حالها حال الدول النامية الاخرى تواجه تحديات العولمة في مجال التنمية البشرية في الابعاد الاخرى المتمثلة في الابعاد الثقافية والاستراتيجية والامنية، ولمواجهة هذه التحديات علينا اعادة النظر بشكل جدي الى نظام التعليم حيث ان هذا النظام يكون المعرفة وهي التي تقود الى تكوين المهارات وبالتالي يجب الاهتمام اساسا بنظام التعليم والتدريب والتأهيل وبما يتطلبه سوق العمل وهذا ما تم ادراكه اخيرا نتيجة للاحصاءات التي افرزت حقيقة التركيبة السكانية وعلى الاخص في القطاع الخاص، وعمليا يمكن ملاحظة اوجه القصور هذه مثلا في النظام المتعلق بكليات التقنية والنظام التعليمي بشكل عام من حيث عدم مواكبته لمتطلبات سوق العمل مما ادى الى ان تكون مخرجات التعليم مبعثرة ولاتساهم في سوق العمل وهذا يعني هدرا كاملا للطاقات البشرية، وعليه يجب اقتراح استراتيجية واضحة للتنمية في الدولة لتوضيح الاحتياجات البشرية والتقنية المستقبلية مما يستدعي في المقابل اعداد استراتيجيات تعليمية تلبي متطلبات التنمية الاقتصادية وانشاء وزارة للتقنية تقوم بتحديد الموارد والرؤى وتوحيدها في اعداد استراتيجية واضحة للتدريب والتأهيل للموارد البشرية مع تشجيع البحوث واعمال التطوير. بقلم: د. وسام جميل الامارة