الجمعة 13 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 14 فبراير 2003 اكدت دراسة نفطية حديثة أن ارتفاع الطلب على الطاقة سيشمل النفط بشكل خاص الذي سيحتفظ بالصدارة طيلة العقود المقبلة بواقع حوالي 40 بالمئة من استهلاك الطاقة مشيرة الى أن التوقعات بهذا الشأن لا تختلف الا في حجم الارتفاع الذي سيتأثر بكيفية استخدام النفط وبالاعتبارات البيئية. واظهرت الدراسة التي اعدتها د. صباح نعوش انه لتغطية الطلب المتزايد على النفط سيتم الاعتماد على خمس دول وهي السعودية والامارات والعراق والكويت وايران مشيرا الى أنه في عام 2020 على هذه البلدان أن ترفع انتاجها الى 49 مليون برميل يوميا اي بنسبة 158 بالمئة قياسا بعام 2000. وأوضحت أن الدراسات الجيولوجية الحديثة تثبت تعذر بلوغ هذا المستوى نظرا لهبوط الاحتياطيات بمعدل سنوي قدره 35 بالمئة اعتبارا من عام 2005. وأكدت الدراسة التي وردت بالعدد الجديد من نشرة اخبار النفط والصناعة الصادرة عن وزارة النفط والثروة المعدنية انه في حال التوجه الى تقليص الصادرات النفطية يجب أن يتم ذلك عندما تتوافر مقوماته الاقتصادية منسجما مع الاتفاقات التجارية المتعددة الأطراف، والمهم ايضا أن تحصل البلدان النفطية من المؤتمر الوزاري المقبل لمنظمة التجارة العالمية على قرار يؤكد بما لا يقبل الشك والتفسيرات المتناقضة على حقها في تحديد صادراتها وفق مصالحها في الدرجة الاولى. ويستحسن أن تشترط الدول الراغبة في الانضمام الى هذه المنظمة ادراج النفط ضمن الموارد الطبيعية التي يحق لها التصرف بتجارتها وفق الفقرة السابعة من المادة 20. وبهذا الصدد يمكنها الاستفادة من تجربة المكسيك التي لم تنضم الى الجات في عام 1986 الا بعد الموافقة على شرطها الواضح الذي يشير الى سيادتها على مواردها من الطاقة. وذكرت انه حسب اتفاقية الائتمان يحق للمكسيك «فرض قيود على التصدير تتعلق بالحفاظ على الموارد الطبيعية خاصة قطاع الطاقة» مشيرة الى أن قابلية النفط للنضوب لا تكفي لتقليص الصادرات بل يتعين مراعاة شرطين. اولهما عام ينطبق على جميع السلع المصدرة وثانيهما يخص الموارد الطبيعية ويتمثل الشرط الاول احترام مبدا عدم التمييز، فلا يجوز تخفيض الصادرات النفطية المتوجهة لدولة او دول معينة بل يجب أن يكون التخفيض شاملا. والمعاملة التمييزية غير جائزة حتى وأن كانت تهدف الى الحفاظ على الموارد الطبيعيةمن النضوب، وفي حالة وجود هذه المعاملة يحق للبلدان المعنية بالتخفيض رفع دعوى امام جهاز فض المنازعات التابع لمنظمة التجارة العالمية الذي يطلب من الدول المصدرة العودة الى ما قبل هذه المعاملة. وعند عدم الامتثال يسمح الجهاز للدول المستوردة المتضررة فرض عقوبات انتقامية، تستند اوبك على عدة مباديء في مقدمتها مبدأ ضمان الامدادات النفطية، وقد جرى الاعتماد على هذا المبدأ نتيجة ضغوط مارستها وتمارسها الدول الصناعية الكبرى ولا علاقة له بتنظيم التجارة العالمية. وقد لا توجد دولة او منظمة دولية غير اوبك تضمن امدادات سلعة او مادة معينة، لاشك أن النفط مادة استراتيجية تختلف عن الكثيرمن المواد الأخرى، لكن هذا المركز لا يبرر ضمان الامدادات، وبالمقابل يربك عدم الضمان السوق العالمية، ويعرض الاقتصادات الغربية للخطر، عندئذ سوف لن تلجأ الدول الصناعية الكبرى الى جهاز فض المنازعات والانتظار عدة اشهر لاصدار قرار يدعو البلدان النفطية الى العودة الى ضمان الامدادات بل ستحسم الامور بضغوط سريعة وقد تكون عنيفة. في حين يمكن بسهولة تقليص الصادرات النفطية للدول النامية التي لا تملك وسائل الضغط، بل وقد لا تعترض لدى منظمة التجارة العالمية بسبب ارتباطها بالبلدان النفطية بعلاقات استثمارية ومالية. عندئذ يصبح مبدا عدم التمييز مطبقا لصالح الدول الصناعية فقط. اما الشرط الثاني فيتمثل في ضرورة تخفيض الاستهلاك المحلي، اذ أن عدم انقاص الاستهلاك المحلي والحد من الصادرات قد يفسران بأنهما اهدار للموارد الطبيعية ووسيلة لرفع الأسعار في السوق العالمية، وتخفيض الاستهلاك يتم بتقليص الانتاج، وليس على الدولة اثبات العلاقة بين هذا التقليص والحفاظ على النفط فهذه العلاقة بديهية حسب الاتفاقات المتعددة الأطراف. ولكن من الناحية المنطقية يتعين أن تتناسب معدلات هبوط الصادرات مع تخفيض الانتاج. رفع الصادرات وأكدت الدراسة أن للبلدان العربية الخليجية القدرة على رفع صادراتها النفطية وتلبية حاجاتها المحلية في آن واحد خاصة وأن الطلب الداخلي لا يمثل سوى نسبة ضئيلة من حجم الانتاج. وهذا مسموح به في النظام التجاري العالمي. وأضافت انه في فترات تباطؤ أسعار النفط العالمية يمكن للبلدان النفطية تخفيض صادراتها لتنمية صناعاتها التحويلية خاصة وأن هذه الصناعات اصبحت مهمة جدا وشهدت تقدما ملموسا في السنوات الأخيرة. ففي بلدان مجلس التعاون الخليجي كانت قيمة هذه الصناعات 9403 ملايين دولار في عام 1980 اي 4.9% من الناتج المحلي الاجمالي. ثم ارتفعت الى 30436 مليون دولار في عام 2000 اي 9.5% من الناتج المحلي الاجمالي، وتضاعفت اذن بمعدل 3.2 مرات من حيث قيمتها وبمعدل 1.9 مرة من حيث مساهمتها في الناتج المحلي الاجمالي. ومقارنة ببلدان اوبك تحتل دولة الامارات مركز الصدارة في تقدم صناعتها التحويلية التي انتقلت خلال تلك الفترة من 1130 الى 7855 مليون دولار ومن 3.8% الى 11.9% من الناتج المحلي الاجمالي. وأشارت الى أن سماح الاتفاقات التجارية المتعددة الأطراف بتقليص الصادرات لتنمية الصناعات المحلية يثير بعض المشكلات الجانبية. فالميزة السعرية النفطية التي تتمتع بها هذه الصناعات تعد اعانة حكومية قد تضر بالدول الأخرى. وهذا مرفوض في النظام التجاري العالمي، لأن المكاسب المالية والتجارية التي تحققها دولة ما يجب الا يكون على حساب خسائر تتحملها دولة اخرى، والاعانة بتأثيرها على كلفة الانتاج تقود الى تسويق المنتجات الصناعية بأسعار منخفضة قياسا بنفس المنتجات المصدرة من قبل دولة اخرى لا تمنح اعانة لصادراتها. لذلك يمنع منح الاعانة لقطاعات تصديرية. وقد تحدث الخسائر حتى في حالة انصراف الاعانة لصناعات تقتصر على الاستهلاك الداخلي. لأن تحقيق الاكتفاء الذاتي بسبب تنمية الصناعات يؤدي الى توقف الواردات، أي تتضرر صادرات البلدان الأخرى. اربعة اصناف واوضحت أن البلدان النفطية امام النظام التجاري العالمي يمكن تقسيمها الى اربعة اصناف الصنف الاول: البلدان النفطية غير الراغبة في الانتماء الى منظمة التجارة العالمية (العراق وليبيا). لها مطلق الحرية في منح ميزة سعرية لصادراتها لانها غير ملتزمة بالاتفاقات المتعددة الأطراف. وبالمقابل ليس لها الحق في الاعتراض امام جهاز فض المنازعات على ممارسات تجارية مضرة بمصالحها تقوم بها دول اخرى. الصنف الثاني: البلدان الراغبة في الانتماء الى منظمة التجارة العالمية (السعودية والجزائر). يتطلب الانضمام عدة مراحل أهمها نجاح المفاوضات الثنائية، ويستطيع اي عضو مفاوض عرقلة انتماء دولة ما لم تقم بالغاء الاجراءات المضرة به ومن بينها الميزة السعرية. الصنف الثالث: البلدان النفطية ذات الدخل الفردي المنخفض والأعضاء في منظمة التجارة العالمية (اندونيسيا ونيجيريا)، بموجب المادة 27 من الاتفاق المتعدد الأطراف الخاص بالاعانات، يحق لهذه البلدان بصورة استثنائية تصدير منتجاتها الصناعية الحاصلة على ميزة سعرية نفطية وغير نفطية لمدة ثماني سنوات تبدأ من تاريخ انشاء المنظمة في عام 1995، ولها تمديد هذه المدة تحت شروط معينة وعليها تقليصها وفق مستلزمات خططها التنموية. الصنف الرابع: البلدان النفطية الأعضاء في منظمة التجارة العالمية (جميع دول اوبك باستثناء البلدان المذكورة في الأصناف الثلاثة السابقة). عليها الالتزام بالاتفاقات التجارية المتعددة الأطراف التي وقعت عليها. فاذا صدرت منتجات صناعية حاصلة على ميزة سعرية يجب عليها تعويض الدول المتضررة في حالة اعتراض هذه الدول على التصدير. ويقع عبء اثبات وجود الميزة السعرية على الدول المتضررة. وعلى هذا الأساس يتعين اجراء مقارنة بين المكاسب المالية والتجارية التي تحققها الميزة السعرية وحجم التعويضات التجارية. فاذا كانت المكاسب اكبر من التعويضات يمكن الاستمرار بتصدير المنتجات الصناعية رغم مخالفتها النظام التجاري العالمي. ويصبح اذن من المنطقي التنازل عن هذه الميزة اذا كانت التعويضات اكبر من المكاسب، وفي اغلب الحالات لا تحتاج صادرات الصناعة التحويلية الى ميزة سعرية نفطية بسبب انخفاض اسعار المنتجات النفطية خاصة في بلدان الخليج، وهي وان وجدت لا تؤثر كثيرا على شروط المنافسة في السوق العالمية، وبالتالي لا تسبب ضررا للغير. وأشارت الدراسة الى أن الضمانات التي تقدمها اوبك لا تتوقف على الامدادات، بل اصبحت تضمن ايضا ما يسمى بالسعر المعقول او الطبيعي للبرميل الذي يقع بين حدين، حد ادنى يجب عدم النزول عن مستواه حتى لا تتضرر مالية البلدان المصدرة، وحد اعلى يجب عدم تخطيه حتى لا تتضرر المصالح الاقتصادية للدول المستوردة، ويتحقق هذا الضمان عن طريق سقف الانتاج، فعندما يهبط سعر البرميل الى اقل من 22 دولارا، تخفض اوبك حجم الانتاج، وعندما يتجاوز السعر 28 دولارا، ترفع حجم الانتاج، في الحالتين يتم التدخل لتعديل الأسعار فقط وهذا لا ينسجم مع الاتفاقات التجارية المتعددة الأطراف لكنه يجد قبولا له في البلدان المستوردة خاصة الدول الصناعية الكبرى لانه من عناصر استقرار الأسعار الذي يسمح للبلدان المستوردة بتنظيم موازينها الخارجية وميزانياتها العامة. لذلك لا أحد يعترض على هذا التدخل رغم اصطدامه بأحكام الاتفاقات. وأضافت أن المالية الداخلية للبلدان النفطية اصبحت تعاني من عجز مزمن وباتت ماليتها الخارجية تتسم بارتفاع المديونية وضعف الاستثمارات الاجنبية. وقد تضطر تحت تأثير الضغوط الخارجية الى الابقاء فترة طويلة على الحدين المذكورين للأسعار حتى في حالة تغير المعطيات الاقتصادية العالمية. لمواجهة هذه المشكلة يتعين تقليص الصادرات عندما تتدهور الأسعار. ويجب أن يتم ذلك تحت عنوان الحفاظ على المورد الطبيعي من النضوب او تنمية الصناعات المحلية. وبالمقابل على البلدان النفطية أن تتجنب الزيادة التلقائية للصادرات عندما ترتفع الأسعار وأن تترك الامر لقوى السوق. وهذا التحليل الذي يخدم مصالح هذه البلدان لا يتعارض مع تنظيم التجارة العالمية. وذكرت أن الاتفاقات التجارية المتعددة الاطراف خاصة «الجات» وضعت عقبات كثيرة امام حرية البلدان النفطية في تحديد حجم صادراتها. اذ لا يجوز أن تقيد صادراتها الا في حدود ضيقة وتحت شروط معينة. ونجم هذا الوضع عن الأساس الذي يرتكز عليه النظام التجاري العالمي، وهو تحرير المبادلات من القيود الكمية، وكذلك عن ضعف دور البلدان النفطية في المفاوضات. واصبح من اللازم على هذه البلدان الأعضاء وغير الأعضاء في «اوبك» تنسيق وتوحيد مواقفها بهدف التمتع بمركز تفاوضي مؤثر في المحافل التجارية الدولية للدفاع عن مصالحها. تحرير المبادلات وأشارت الدراسة الى أنه في السنوات القليلة المقبلة ستنضم اغلبية بلدان اوبك الى منظمة التجارة العالمية، ويترتب على هذا الانضمام الالتزام بجميع الاتفاقات التجارية المتعددة الأطراف التي تدعو الى تحرير المبادلات من مختلف اشكال القيود الكمية فلا يجوز تخفيض الصادرات النفطية اذا كان الهدف رفع الأسعار، لكن النفط مورد طبيعي قابل للنضوب من جهة ومادة اولية يمكن استخدامها لتنمية الصناعات المحلية من جهة اخرى، ووفق هذين المؤشرين فقط وبعد أن تتوافر الشروط اللازمة يسمح للبلدان النفطية بتقليص صادراتها. وأوضحت أن الاتفاقات التجارية المتعددة الاطراف تشمل الاتفاق العام للتعرفة والتجارة «الجات»، واتفاق تجارة الخدمات واتفاق حقوق الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة. وهناك اتفاقات اخرى تتعلق بقطاع معين كالزراعة والمنسوجات او بتنظيم معين كالاعانات وفض المنازعات. ولكون «الجات» تهتم بالتجارة السلعية، فهي تحكم صادرات النفط دون أن تخاطبها مباشرة، وظهرت في عام 1947، ولا تزال مطبقة حتى الان بعد أن اجريت عليها تعديلات خلال المفاوضات التجارية، خاصة جولة اوروغواي التي انبثقت عنها منظمة التجارة العالمية ويتعين على الأعضاء في هذه المنظمة الالتزام بالاتفاقات التي تسعى الى تحرير التجارة العالمية من العقبات الكمية، وبات من اللازم ازالة القيود القديمة والامتناع عن فرض قيود جديدة. فلا يجوز تحديد الصادرات او الواردات حيث وضعت الفقرة الاولى من المادة 11 من الجات، هذا المبدأ العام، حيث نصت على ما يلي «يمنع على الدولة تقييد وارداتها او صادراتها سواء بشكل حصص او اجازات الاستيراد او التصدير او اية وسيلة اخرى باستثناء الرسوم الجمركية والضرائب الأخرى»، بتطبيق هذا النص على النفط يتضح بأن تخفيض سقف الانتاج ينعكس مباشرة على الصادرات، ووفق هذا السياق يجب الامتناع عن التخفيض والاستعاضة عنه برسوم جمركية، وهنالك نصوص اخرى في الاتفاقات المتعددة الأطراف تدعو الى تقليص الرسوم الجمركية تدريجيا حتى تحرر التجارة الخارجية كليا. وأضافت أن التحرير المطلق للتجارة الخارجية يحرم الدولة من اداة اساسية لتنظيم اقتصاداتها، ويسبب مشكلات كثيرة ترتبط بميزان المدفوعات والميزانية العامة والقيمة التعادلية للعملة وحركات رؤوس الأموال الأجنبية، ناهيك عن انعكاساته السلبية على الحياة الاجتماعية. لذلك جاءت المادة 20 من الجات بعدة فقرات استثنائية على المبدأ العام، سمحت بتقييد التجارة الخارجية لأسباب تتناول الأخلاق العامة اوالصحة او حماية الثروة الفنية والمواد الأثرية، ويمكن أن تسري على صادرات النفط الفقرتان السابعة والتاسعة، وحسب الفقرة السابعة يجوز اتخاذ الاجراءات «المتعلقة بالحفاظ على الموارد الطبيعية القابلة للنضوب شريطة أن تطبق تلك الاجراءات في آن واحد مع قيود الانتاج او الاستهلاك المحليين»، وبمقتضى الفقرة التاسعة تستطيع الدولة تبني الاجراءات «التي تتضمن قيودا على صادرات المواد الاولية المنتجة محليا والضرورية للصناعات التحويلية المحلية خلال فترات يكون فيها سعر تلك المواد اقل من السعر العالمي بموجب خطة حكومية للاستقرار». أبوظبي ـ عبد الفتاح منتصر: