الخميس 12 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 13 فبراير 2003 لم تعد البنية الاساسية للارهاب هى الوحيدة التى تسعى الولايات المتحدة الى تفكيكها فى الاونة الراهنة.. فقد أعلنت واشنطن أنها تسعى لمحاربة مبيعات القمح الكندى لدول العالم الخارجى من خلال تفكيك بنية النظام المعمول به لتلك المبيعات. وتتناقل دوائر الاعلام الغربية تصريحات المسئولين التجاريين الأميركيين التى تؤكد عزم واشنطن التقدم بطلب لمنظمة التجارة العالمية يحول دون قيام كندا ببيع قمحها الى العالم الخارجى وفقا لنظام تبنته كندا منذ خمسة وستين عاما و حتى الان. وتنوى واشنطن نقل ملف نظام تصدير القمح الكندى الى ساحات المنظمات الدولية.. وسيؤدى ذلك الى تصعيد الخلاف عبر اثارة المشاكل حول هذا النظام الذى ترى أنه ينطوى على مساس بمصالح أميركا القومية و بمكانتهاالتجارية العالمية. ويقول محللون فى منظمة التجارة العالمية ان التوجه الأميركى الذى بدت معالمه فى التبلور مع بداية العام الجارى من شأنه تفجير خلاف كبير بين الولايات المتحدة وكندا التى تعتبر أكبر شريك تجارى لواشنطن. وكانت واشنطن قد أعلنت فى بداية عام 2002 الحرب على صادرات القمح الكندى لدول العالم الخارجى وفى مقدمتها الولايات المتحدة اذ فرضت واشنطن تعريفة استيرادية نسبتها 27% على الواردات الأميركية من القمح الكندى وهو ما اعتبره المسئولون التجاريون الكنديون صفعة لهم. ويقول روبرت زوليك الممثل التجارى الأميركى ان واشنطن تسعى لانهاء احتكار مجلس القمح الكندى لسلطة اتخاذ قرارات التصدير بالنسبة للقمح الكندى المنشأ ومنع هذا المجلس من سلطة التفاوض نيابة عن منتجى القمح الكنديين عند ابرام صفقات بيع القمح الكندى لدول العالم. ويبرر زوليك هذا التوجه الذى تتبناه الادارة الأميركية تجاه القمح الكندى بأن مجلس القمح الكندى يمثل سلطة احتكارية فى ميدان التجارة وهى سلطة تعمل وفق حسابات مصلحية خاصة بها وعادة ما يتأتى ذلك بالضرر على منتجى القمح الأميركيين من ناحية ويدمر تكامل نظام التجارة العالمى من جهة اخرى. وعلى مدى الأعوام العشرة الماضية كانت الولايات المتحدة تعانى ضغوطا شديدة ودائمة من منتجى القمح فى سهول الغرب الأميركى الشاسعة ومؤيدى مصالحهم من اعضاء الكونغرس الأميركى وذلك بهدف احداث تغييرات تفرضها الادارة الأميركية على نظام مبيعات القمح الكندى للعالم الخارجي. وترى الولايات المتحدة أنه بسبب اجبار المزارعين الكنديين على ايداع انتاجهم من القمح المستهدف تصديره للخارج لدى مجلس القمح الكندى ليقوم بالبيع والتفاوض وابرام الصفقات التصديرية نيابة عنهم فان ذلك يمكن مجلس القمح الكندى من اجراء خصومات سعرية ذات طابع استراتيجى للقمح المصدر. ولأن هذا النظام الكندى لبيع القمح للعالم الخارجى تحكمه لوائح وقوانين كندية تفرض على المزارعين الكنديين تجد الادارة الأميركية أنه لا مفر من هذا النظام الا بانهائه وتفكيكه تماما من خلال ادخال تعديلات جوهرية عليه. وتعتبر وزارة التجارة الأميركية أن استمرار هذا النظام الكندى فى تصدير القمح للعالم يتعارض مع مصالح منتجى ومصدرى القمح الأميركيين ويسحب الأسواق من تحت أقدامهم ط وفى هذا الصدد يشتكى مزارعو القمح الأميركيون من فقدانهم لبعض الأسواق المهمة فى بلدان العالم النامى بسبب المنافسة الكندية ومنها أسواق الجزائر البرازيل والفلبين وهى أسواق فضلت الاستغناء عن القمح الأميركى واتجهت الى القمح الكندى الأرخص سعرا. وتعتزم الولايات المتحدة التقدم بشكوى الى منظمة التجارة العالمية ضد القمح الكندى تدفع فيها بعدم عدالة هذا النظام وعدم شرعية الصفة الاحتكارية الغالبة عليه كما ستدفع واشنطن بعدم مشروعية ما تقدمه الحكومة الكندية من دعم لعمليات نقل القمح عبر السكك الحديدية الكندية للأسواق الأميركية. وتعد الولايات المتحدة أكبر مصدر للقمح فى العالم تليها كندا وتشير الاحصائيات الصادرة عن منظمة الغذاء العالمى الى أن صادرات الحبوب الأميركية وفى مقدمتها القمح قد تجاوزت معدلات ارتفاعها صادرات كندا خلال الأعوام الخمسة الماضية برغم ضآلة فارق التفوق الأميركى على صعيد أسواق استيراد الحبوب فى العالم. كما تجرى السلطات الأميركية التجارية تحقيقات شاملة لا تزال فى منتصف الطريق حول قيام كندا بتبنى سياسات اغراقية عند تصديرها للقمح الى السوق الأميركى وهو ما دفع اتحادات مزارعى القمح فى داكوتا الشمالية بالولايات المتحدة الى التقدم بشكاوى عديدة للسلطات الأميركية حول هذا الاغراق الكندى لأسواق القمح الأميركية. أما الكنديون فيرون أن اعلان الولايات المتحدة (لحرب القمح) ضدهم هو أمر ينطوي على جوانب خطيرة تشكل تهديدا اقتصاديا واجتماعيا للكنديين حيث يرى منتجو القمح الكنديون أن نظام تصدير قمحهم الى الخارج عبر مجلس القمح الكندى هو صمام الأمان بالنسبة لهم. وقد تأسس مجلس القمح الكندى فى عام 1935 فى خضم ظروف عالمية صعبة عصفت بأسواق القمح ومنتجيه الكبار فى كندا وأعجزتهم عن مواصلة التفاوض التصديرى الى العالم الخارجى لمنتجات حقولهم وابرام الصفقات وكان الحل أمامهم للخروج من هذا المأزق انذاك هو اللجوء الى نظام التفاوض التصديرى وابرام الصفقات بشكل جماعى مع المستوردين الأجانب. وعندما رأى منتجو القمح الكنديون أن فى اتحادهم قوة حقيقية قاموا بتأسيس مجلس القمح الكندى ليكون ذراعه وآليتهم العملية فى السوق العالمى لاستيراد القمح. وقد نجح مجلس القمح الكندى عبر خمسة وستين عاما فى تحقيق مصالح منتجى القمح الكنديين والحفاظ على لقمة عيشهم وتأمين الأسواق لصادراتهم فى أوقات الكرب وأوقات الرخاء. ويعتبر مجلس القمح الكندى بمثابة أكبر جهة بائعة للقمح فى العالم اذ يسيطر وحده على نسبة 20% من سوق القمح المعروض عالميا وتبلغ حجم مبيعاته السنوية ما يتراوح بين 4 الى 6 مليارات دولار كندى أى ما يتراوح بين 6،2 الى 8،3 مليارات دولار أميركى (5،2 الى 7،3 مليارات يورو أوروبي). ويرى بعض منتجى القمح فى كندا أنهم لو استطاعوا تصدير انتاجهم مباشرة الى السوق العالمى بدون تدخل مجلس القمح الكندى فان ذلك سيعود عليهم بأرباح أكثر ومن هنا فانهم متحمسون للمساعى الأميركية للقضاء على مجلس القمح الكندى ويرى بعضهم أن السوق العالمى الأن يختلف عنه قبل 65 عاما هى عمر هذا المجلس. وعلى المستوى الرسمى أعلنت كندا أنها لن تقف ساكنة أمام تلك السياسة الأمريكية الجديدة وأعلن سيباستين سيبرج الناطق باسم وزير التجارة الدولية الكندى بيير بيتجرو أن بلاده ستتصدى للهجمة الأميركية مؤكدا على أن نظام عمل مجلس القمح الكندى لا يوجد فيه ما يتعارض مع قواعد العمل المقررة والمجازة فى منظمة التجارة العالمية برغم المزاعم الأميركية. أ.ش.أ