الاثنين 9 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 10 فبراير 2003 اكد الدكتور وليد خدوري الخبير في شئون النفط اهمية مد جسور التعاون بين دول النفط العربية من جهة والدول الاسيوية ودول العالم الثالث من جهة اخرى، لان الاخيرة ستستوعب نحو ثلثي اسواق النفط الجديدة خلال الاعوام العشرين المقبلة. وقال خدوري في حوار خاص ان ما تشيعه بعض الدوائر الغربية عن عدم الأمان بخصوص الامدادات النفطية العربية ليس الا نسج خيال ، كما ابدى اندهاشه من عدم وجود شركات نفطية عربية كبرى رغم وجود عشرات الالاف من الكوادر المدربة وهذا نص الحوار: ـ إلى أي حد انخفضت حصة النفط من مجمل سوق الطاقة العالمية نتيجة للسياسات التي تبنتها الدول الصناعية الغربية لتقليص اعتمادها على النفط عموماً والنفط العربي بشكل خاص؟ ـ انخفضت حصة النفط من مجمل سوق الطاقة العالمي بعد حرب 1973 نتيجة للسياسات التي تبنتها الدول الصناعية الغربية لتقليص اعتمادها على النفط بشكل عام وبالأخص النفط العربي، فبعد أن كان يشكل حوالي 50 % من مجمل سوق الطاقة العالمي في السبعينيات، انخفضت هذه النسبة إلى 45% في الثمانينيات وحوالي 40% في التسعينات، كما يبلغ إنتاج الأوبك حالياً حوالي 25 مليون برميل مقارنة بمجمل الإنتاج العالمي البالغ 76 مليون برميل يومياً، هذا ومن المتوقع أن يحافظ النفط على مساهمته في سلة الطاقة عند معدل 40% خلال العقدين المقبلين وذلك نتيجة للزيادة المتوقعة في استهلاك وقود المواصلات من بنزين وديزل ووقود الطائرات في الدول النامية، وبالذات الصين والهند، حيث يتوقع ارتفاع مستوى المعيشة إلى مستويات أعلى بكثير مما هي عليه حالياً إضافة الى الأعداد الكبيرة من السكان . ومما يساعد على زيادة الاستهلاك هذا هو عدم توفر عوامل المنافسة للطاقة في قطاع المواصلات بشكل واسع خلال العشرين سنة المقبلة، على عكس قطاع الكهرباء حيث حل الغاز الطبيعي والفحم والطاقة النووية محل الفيول أويل بصورة تدريجية خلال العقدين الماضيين، هذا ومن الجدير بالذكر أن حصة كل من الطاقة النووية والطاقة الكهرومائية من مجمل الاستهلاك العالمي قد استقر على معدل 6% لكل منهما في الأعوام الأخيرة . وتتوقع أحدث دراسة أصدرتها منظمة الأوبك حول أوضاع السوق النفطية عام 2020 أن يشكل الطلب الجديد على النفط من دول العالم الثالث والصين حوالي ثلثي مجموع الاستهلاك الإضافي بينما يشكل الطلب الجديد من دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حوالي الثلث ومن هنا تنبع أهمية تكثيف العلاقات مع الدول الآسيوية لأنها قد شكلت وستستمر تشكل السوق الأساسي للنفط في المرحلة الجديدة . وأضاف من المعروف أن استهلاك النفط في الدول الأوروبية قد استقر على مستويات ثابتة تقريباً في الأعوام الأخيرة، إذ تراوح الاستهلاك 15 مليون برميل يومياً عام 1991 فيما وصل إلى 16 مليون عام 2001، أي بزيادة مليون برميل يومياً فقط خلال العقد الماضي، والسبب في ذلك هو الضرائب العالية التي فرضتها هذه الدول على المنتجات البترولية والتي تصل إلى 100 دولار تقريباً للبرميل الواحد في بعض الأحيان مما خفض كثيراً من استهلاك النفط . وهذا يعني أن هناك سوقين مهمين أمام النفط الجديدة، فهناك من ناحية السوق الاميركي الذي يشكل اليوم حوالي 25% من سوق الاستهلاك العالمي للنفط الخام والسوق الآسيوي . ـ بناء على التجارب العديدة التي مرت بها منظمة الأوبك في السنوات الأخيرة، هل الطلب على النفط يعتمد بصورة أساسية على صحة الاقتصاد العالمي ؟ ـ إلى حد بعيد هذا صحيح، فكلما كان الاقتصاد منتعشاً فإن الطلب على النفط يزداد في حدود مليون إلى 2مليون برميل يومياً، وهذا المستوى من الزيادة السنوية في الطلب الدولي يريح دول الأوبك والدول المنتجة من خارج الأوبك لأن الأسواق تستوعب معظم النفط الجديد، وتبقي الأسعار على مستويات معقولة والعادة أن تتقاسم الأوبك والدول المنتجة من خارج الأوبك هذه الأسواق الجديدة مناصفة رغم أنه لا يوجد أي تنسيق في هذا المجال . أما في حالة الركود الاقتصادي فإن الطلب على النفط ينخفض، ويتم التركيز من قبل الشركات الدولية والمستهلكين النهائيين للمنتجات النفطية على نفط الدول من خارج الأوبك، وتترك دول الأوبك تقدر لنفسها كم من الطاقة الإنتاجية المتوفرة لديها عليها إغلاقها ولأي فترة من الزمن وذلك من أجل الحفاظ على السعر المنشود . ـ ماذا عن جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق واحتياطاتها الضخمة من النفط وطاقتها الإنتاجية الكبيرة وكذلك نفط بحر قزوين، خصوصاً إذا علمنا أنه بعد عشر سنوات من انهيار الاتحاد السوفيتي تم نفض الغبار عن ملفات المشاريع التي أخذت تدخل مرحلة التنفيذ مثل خط باكو ـ جيهان ؟ ـ من نافل القول أن جمهوريات روسيا الاتحادية تملك احتياطاً ضخماً من النفط الخام وطاقة إنتاجية كبيرة، لكن تختلف الأرقام حول كمية الإنتاج في الوقت الحاضر، ومعدلات الإنتاج مستقبلاً، وتشير الأرقام أن إنتاج النفط الروسي يمكن أن يزداد من 5،6 ملايين برميل يومياً إلى 8 ملايين برميل عام 2010، وتشير دراسة أخرى أن الإنتاج سيرتفع إلى 9 ملايين عام 2005 وإلى أكثر من 10 ملايين برميل عام 2010. والفرق بين دراسة وأخرى هو حول مدى تلاؤم قوانين الاستثمار الروسية مع متطلبات الشركات العالمية ومدى استعداد الشركات الروسية في العمل سواسية مع الشركات الأجنبية ناهيك عن إمكانية توفير الاستثمارات الضخمة في الوقت المناسب وبالذات في حال انخفاض الأسعار، وكما هو معروف فإن الزيادة الكبيرة في الإنتاج يجب أن يصاحبها تطوير حقول ضخمة جديدة للتعويض عن النقص الذي سيحصل في الحقول القديمة، ناهيك عن بناء وتشييد أنابيب على امتداد آلاف الكيلومترات في ظروف مناخية قاسية وموانيء تصدير جديدة، وتشير جميع الدلائل المتوفرة حتى الآن أن القيام بجميع هذه الأعمال ليس بالأمر السهل وبالذات في روسيا . أما بالنسبة للنفط في بحر قزوين فالتوقعات أن يرتفع مستوى الإنتاج إلى 3 ملايين برميل عام 2010 وحوالي 4 ملايين برميل يومياً عام 2020 وذلك بناء على ما تم اكتشافه فعلاً حتى الآن، ومع الافتراض أن الأمور السياسية ستكون مستقرة ومستتبة نسبياً في الدول العديدة التي يجب أن تخترقها أنابيب التصدير، وهذا افتراض من الصعب التأكد من صحته نظراً للمشاكل السياسية والصعوبات الاقتصادية العديدة التي تعترض الاستقرار في دول بحر قزوين والمناطق المحيطة بها . ـ ما تفسيرك للتحالفات الجديدة ما بين واشنطن وموسكو تحديداً بعد 11 سبتمبر انطلاقاً من مسلمات حول عدم أمان الإمدادات النفطية من الأقطار العربية وضرورة استحداث مناطق نفطية جديدة لكي يتقلص الاعتماد على النفط العربي ؟ ـ إن موضوع عدم أمان الإمدادات النفطية العربية ما هو إلا من نسج خيال بعض المسئولين والمعلقين في الدول الغربية، لقد وضعت الدول العربية المنتجة كافة الاحتمالات لتأمين الصادرات النفطية دون توقف أو انقطاع، والدليل على ذلك تجارب العقود الثلاثة الماضية، فلم تكن هناك خلال هذه الفترة محاولات جماعية لتخفيض الإمدادات النفطية لسبب سياسي «الصراع العربي ـ الإسرائيلي » أو اقتصادي « زيادة أسعار النفط إلى مستويات غير معقولة من خلال تخفيض الإنتاج ». بالإضافة إلى ذلك هناك التكاليف الاستثمارية الباهظة التي تتحملها الدول المنتجة الكبرى في إغلاق نسبة معينة من إنتاجها بصفة مستمرة كاحتياطي استراتيجي في حال حصول مشاكل صناعية أو سياسية تمنع الإنتاج والتصدير من مناطق أخرى . والملاحظ أن تجربة الدول العربية في تأمين الإمدادات النفطية رغم كل القلاقل السياسية والصراعات التي تعصف بالمنطقة تدل على التزام هذه الدول وإصرارها على التصدير المستمر دون إيقاف للنفط، وخير دليل على ذلك تعويض النفط العراقي والكويتي أثناء حرب الخليج الثانية، وعدم إيقاف الصادرات النفطية والغازية في الجزائر طوال فترة التسعينيات الصعبة، أو استمرار الصادرات السودانية رغم الحرب الأهلية هناك، وسجل الدول العربية في التصدير يختلف كلياً عن سجل بعض المناطق النفطية الجديدة مثل كولومبيا، حيث تم نسف أنابيب النفط هناك حوالي 52 مرة في النصف الأول من عام 2001 مما عرقل عملية الصادرات النفطية بشكل مستمر. طبعاً فإن الوضع الجديد بعد 11 سبتمبر سينعكس لا محالة على الصناعة النفطية، وأسواق النفط عموماً، فمن المحتمل جداً انخفاض الاستثمارات في قطاع النفط في الشرق الأوسط وازديادها في مناطق أخرى، أو حدوث عمليات ضد المنشآت والإمدادات البترولية في حال توسع رقعة الحرب أو امتداد فترتها الزمنية، أو ارتفاع مستمر في الاسعار في حال فتح جبهات عديدة، الواحدة بعد الأخرى، فهذه الأمور لا يمكن تفاديها في ظل الأوضاع السياسية الراهنة. ـإلى أي حد يجب أن يسمح فيه للقطاع الخاص المحلي منه أو الدولي بمنافسة الشركات الوطنية فيما يتعلق بالنفط ؟ ـ في الحقيقة لا توجد صيغة واحدة لأوضاع الشركات النفطية الوطنية وطريقة إدارتها للموارد النفطية للبلاد، فهناك بعض الدول « المملكة العربية السعودية، الكويت، والمكسيك » منحت شركاتها الوطنية حقوقاً حصرية في مجالات الاستكشاف والتنقيب والإنتاج، وهناك دول أخرى بدأت مؤخراً تفتح أبوابها تدريجياً للشركات الدولية مثل العراق وإيران، وهناك دول كانت قد سمحت للاستثمار الأجنبي منذ بداية العمل النفطي فيها ولكنها سنت القوانين في الفترة الأخيرة لتشجيع الشركات على الاستثمار بشكل أوسع في بلادها مثل مصر وقطر وسلطنة عمان ودولة الإمارات العربية المتحدة وسوريا واليمن والسودان . ومن الطبيعي أن لكل دولة وضعها النفطي والاقتصادي والسياسي الخاص بها، فبعض الدول لا تملك التقنية وأخرى بحاجة إلى رؤوس الأموال وتلك تود إقامة علاقة سياسية أوطد مع مجموعة من الدول من خلال الاتفاقات النفطية، ومن الملفت للنظر أنه رغم تخرج عشرات الألوف من الكوادر العربية الفنية والمهنية في قطاع البترول إلا أنه لم تنشأ حتى الآن شركات عربية بترولية خاصة، فعدد هذه الشركات يعد على أصابع اليدين، وهي صغيرة الحجم وتعمل عادة خارج نطاق الدول التي تأسست بها . ـ كيف ترى الآفاق الإقليمية للتعاون في المجال النفطي ؟ ـ بقي هذا التعاون في الربع الأخير من القرن الماضي في حدود ضيقة حيث تجلى ذلك من خلال مشاريع الأوابك أو من خلال التعاون للدفاع عن الأسعار عبر منظمة الأوبك، ومجرد إلقاء نظرة سريعة للحوادث التاريخية خلال العقود الماضية نجد أن منظومة الأنابيب النفطية التي تم تشييدها ما بين هذه الدولة أو تلك قد توقفت بين فترة وأخرى مما نفر المسئولين من صرف الاموال عليها . إلا أن الصورة بدأت تتغير في الفترة الأخيرة مع حاجة الدول إلى الغاز الطبيعي لتوليد الكهرباء، وهذا يبعث على التفاؤل في قيام صناعة إقليمية جديدة في المنطقة العربية والتي ستساعد في توسيع الرقعة الصناعية في العديد من الدول. حوار : يوسف احمد