الاحد 8 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 9 فبراير 2003 لقد تناولنا في الحلقة الماضية التحديات التي واجهت رأس المال الوطني خلال السنوات الماضية سواء تلك التي تفاعلت في السوق المحلية أو تلك التي تفاعلت في الأسواق الاقليمية والدولية والتي ساهمت في تحجيم دور رأس المال الوطني وحالت دون مساهمته في الاقتصاد الوطني ومجتمع الامارات عامة. وفي ضوء نظرتنا المستقبلية لوضعية البيئة الاستثمارية والاقتصادية المحلية والاقليمية والدولية تبرز تساؤلات حول امكانية وقدرة رأس المال الوطني على منافسة رأس المال الأجنبي في السوق المحلية والدولية لا سيما في ظل احتدام المنافسة بين مختلف دول العالم على استقطاب وجذب رؤوس الأموال الأجنبية. من واقع تشخيصنا للبيئة الاستثمارية والاقتصادية في الامارات، وفي ظل استشفافنا لمعطيات المرحلة المقبلة من المتغيرات الاقتصادية والعالمية فإن رأس المال الوطني سوف يجد نفسه أكثر حصارا من ذي قبل وسوف يحاصره رأس المال الأجنبي في عقر داره، وسوف يجد المستثمرون الاماراتيون انهم لا يمتلكون خيار الاستثمار في وطنهم في ظل احتدام المنافسة الأجنبية وبالتالي سوف يصبحون أكثر استسلاما وانصياعا لشروط واملاءات رأس المال الأجنبي، وسوف يجد رأس المال الوطني في ظل هذه الوضعية أكثر هجرة وتدفقا من السوق المحلية إلى أسواق عالمية حيث يستقر في هيئة ودائع في مصارف أجنبية عالمية وربما يكون محاصرا أكثر من ذي قبل حينما يضطر أصحاب رؤوس الأموال تلك انهم يدفعون فوائد على ودائعهم لدى مصارف أجنبية ربما حافظت على سلامة تلك الأموال من التجميد والمصادرة ولكنها لن تحافظ عليها من التآكل بفعل معدلات التضخم في الاقتصادات العالمية، حينها سوف يجد المستثمرون وأصحاب رؤوس الأموال الوطنية انهم يدفعون فوائد على ودائعهم ولا يملكون قدرة على المحافظة عليها من التآكل وهكذا هو الحال حينما تدفع الدول النامية ضريبة اللهاث وراء العالمية!! هنا سوف نحاول أن نحدد طبيعة وأشكال المحاصرة المستقبلية لرأس المال الوطني في السوق المحلية والأسواق العالمية في ظل معطيات ومتغيرات داخلية منها وخارجية خلال الفترة المقبلة. أولا: المعطيات المستقبلية للسوق المحلية: هناك مجموعة من المعطيات التي سوف تستجد في السوق المحلية وتؤثر مباشرة على رؤوس الأموال الوطنية وسوف تؤدي إلى هجرة المزيد من رؤوس الأموال الوطنية أو الاستسلام للمعطيات المستجدة!! ـ إن الأوضاع الاقتصادية المستقبلية في ظل الواقع الحالي سوف تتفاقم في الامارات فالعجز في الموازنة يسير في اتجاه تصاعدي بعد أن أصبح مزمنا، والانفاق الحكومي سوف يتراجع رغم الأعباء المتزايدة على الحكومة ـ الحكومات المحلية، والانفاق الخاص سوف يتراجع تباعا لذلك، كما ان درجة حساسية الاقتصاد الوطني سوف تتزايد مع تزايد الاعتماد على النفط وتذبذب الأسعار العالمية للنفط في السوق الدولية. ـ سوف تتزايد حدة المنافسة الأجنبية لرأس المال الوطني في سوق الامارات وذلك مع تزايد الهيمنة الأجنبية (عمالة ورأس المال) في السوق المحلية لا سيما مع صدور قانون استثمار رأس المال الأجنبي في الامارات والذي تم نشره كمشروع في الصحف المحلية والذي سوف يصدر في العام الحالي 2003 حيث ستمنح الامارات المزيد من الاعفاءات والتسهيلات لرأس المال الأجنبي ومنها اعفاءات ضريبية لخمس سنوات واعفاءات جمركية على المواد الأولية ولوازم الانتاج، ثم الحرية الكاملة في حركته وتوسعه، وهذا يعني تحجيم رأس المال الوطني ومحاصرته في منطقة ضيقة من السوق الاماراتية، وربما يؤدي الأمر إلى انسحابه كليا من السوق!! ـ سوف تشهد السوق الاماراتية احتدام التنافس غير المدروس وغير الواعي بين أسواق الامارات المحلية وسوف تحتدم المنافسة على جذب واستقطاب رؤوس أموال أجنبية دون دراسة فعلية لتأثيرات توسع رأس المال الأجنبي على رأس المال الوطني والاقتصاد الوطني. وحينها لن يجد رأس المال الوطني أدنى حماية له فالتشريعات والقوانين تخدم الاستثمار الأجنبي، وفيما سوف يترك رأس المال الأجنبي اقتناص الغنائم وتحقيق المكاسب والعبث في السوق المحلية فإن رأس المال الوطني سوف يبقى محاصرا بين مصارف تجارية اماراتية (ودائع)، أو الخروج من المنافسة وبالتالي السوق إلى أسواق واقتصادات اقليمية وأجنبية!! ـ تؤكد مؤشرات السوق المحلية ومعطياتها على ان الجهات المعنية بالاقتصاد الوطني ولا سيما وزارة الاقتصاد والتجارة، ثم وزارة التخطيط يبدو انها لا تفكر في انقاذ الاقتصاد واخراجه من أزمته من خلال وضع استراتيجية للتنمية الأمر الذي يشكل أحد العوامل الطاردة لرأس المال الوطني الذي لا يجد جدوى من بقائه في اقتصاد يفتقر إلى التخطيط ويهاجر إلى أسواق عالمية رغم كل التهديدات المباشرة وغير المباشرة له في تلك الأسواق، ومما يعزز هذا الاتجاه أيضا غياب السياسات الاقتصادية، بل ان تباين الأهداف والتوجهات بين امارات الدولة سوف يخلق بيئة طاردة لرأس المال الوطني ومحاصرته!! ـ إن انفتاح اقتصاد الامارات على الاقتصاد العالمي والاندماج فيه ولا سيما من خلال بوابة التجارة الالكترونية يعني ذلك وجودا أكبر لرأس المال الأجنبي وهجرة أكبر لرأس المال الوطني الذي لن يستطيع الصمود أمام رأس المال الأجنبي، وفي ظل عدم قدرة رأس المال أو الاستثمار الوطني على الاستثمار الخارجي لانه لا يملك آليات الاستثمار في السوق العالمية ولانه لا يمتلك الوعي الكافي بفرص وقنوات الاستثمار في السوق العالمية فانه من الطبيعي أن يحاصر عالميا في قطاعات معينة وسوف يتكبد خسائر كبيرة نتيجة لذلك!! ـ ثانيا: المعطيات المستقبلية للسوق العالمية: إن المتغيرات والمستجدات الاقتصادية في العالم وبروز ظاهرة عولمة الاقتصاد من شأنها أن تعيد صياغة جديدة للاقتصاد العالمي خلال المرحلة المقبلة يصبح فيها رأس المال الأجنبي والمملوك للدول العظمى الصناعية خاصة هو المهيمن على المسرح الاقتصادي والتجاري واللاعب الأساسي فيه فيما رؤوس الأموال الوطنية ومنها رأس المال الاماراتي سوف تجد مزاحمة قوية وأكيدة وسوف تحاصر في قطاعات تكميلية وهامشية وفي مساحة ضيقة من المسرح الاقتصادي كي لا يحقق نموا حقيقيا بل انه سوف يكون أكثر عرضة للتآكل والخسائر بفعل محاصرة رأس المال الدولي له ومن تلك المعطيات: ـ ان انضمام الامارات إلى منظمة التجارة العالمية واقتراب تنفيذها لبنود الاتفاقية اعتبارا من الأول من مارس 2005 يعني تدفق المزيد من رأس المال والاستثمار الاجنبي للهيمنة والسيطرة على الفرص الاستثمارية ذات العائد العالي في الاقتصاد الاماراتي وأمام هذه الهيمنة سوف يجد رأس المال الوطني ان دوره أصبح ضعيفا فيبدأ هجرته إلى الأسواق العالمية. ـ إن التنافس الدولي عامة والاقليمي الخليجي خاصة على استقطاب استثمارات أجنبية يمنحها المزيد من التسهيلات والمزايا والقبول بشروط الاستثمارات الأجنبية ومنها السيطرة على أجزاء مهمة من قطاعات كانت قبل سنوات تمثل سيادة الدولة الاقتصادية يعني هذا كله سيطرة أجنبية لرأس المال الأجنبي فيما يسجل رأس المال الوطني تراجعه أو خروجه من قطاعات استراتيجية مهمة بعد أن شهدت السوق الاماراتية منافسة غير متكافئة في قطاعات خدمية وتجارية. ـ سوف تشهد السنوات المقبلة تطورا كبيرا في درجة الشفافية في الاسواق العالمية حيث يعتبر ذلك أحد أهم شروط الاستثمار العالمي وهذا يترتب عليه أن تتحول المصارف العالمية الحاضنة لرؤوس الأموال العربية ومنها السويسرية من مصارف مغلقة على معلومات أثرياء العرب إلى مصارف زجاجية ذات شفافية عالية حينها لن تكون هناك أرقام سرية وثروات ورؤوس أموال غير معروفة، فماذا سيفعل أثرياء العرب بأرصدتهم المتضخمة في تلك المصارف. ـ إن الأوضاع الاقتصادية العالمية ومنها تفاقم المشاكل والأزمات الاقتصادية كتراجع معدلات النمو، وتفاقم معدلات البطالة، والهزات الاقتصادية والتي تصيب الأسواق العالمية سوف تشكل حصارا حقيقيا لرأس المال الوطني خاصة بعد ان تكبد رأس المال العربي خسائر كبيرة في الأسواق المالية خلال السنوات القليلة الماضية مما يترتب عليه محاصرة دولية أيضا لرأس المال الاماراتي في تلك الأسواق وسوف يتزايد الحصار مع التطورات السلبية التي سيشهدها الاقتصاد العالمي!! بقلم: نجيب عبدالله الشامسي