الاحد غرة ذو الحجة 1423 هـ الموافق 2 فبراير 2003 بعد كل ما سبق فانه يمكن القول ان عقد التأمين عقد يلتزم المؤمن بمقتضاه أن يؤدي إلى المؤمن له أو المستفيد، مبلغا محددا أو ايرادا مرتبا أو أي عوض مالي آخر، عند وقوع خطر معين، خلال مدة معينة مقابل قسط التأمين الذي يؤديه المؤمن له للمؤمن. و لا يختلف عقد التأمين عن سائر أنواع العقود الأخرى من حيث الاركان، فهو يتقوم - كما يتقوم كل عقد - بأركانه الثلاثة، وهي: التراضي والمحل والسبب. كذلك يمكن استخلاص ما يلي: - عناصر التأمين أربعة هي: الخطر المؤمن منه، وقسط التأمين، ومبلغ التأمين، والمصلحة في التأمين، ويعد الخطر المؤمن منه العنصر الجوهري في عقد التأمين. - ينقسم التأمين بلحاظ حيثيات مختلفة إلى تقسيمات متعددة، فهو من حيث العموم والخصوص ينقسم إلى تأمين اجتماعي وتأمين خاص، وهو من حيث الاخطار المؤمن منها ينقسم إلى تأمين بري، وتأمين بحري، وتأمين جوي، وهو من حيث موضوعه ينقسم إلى تأمين على الاشخاص وتأمين من الاضرار. وهو من حيث الغرض من انشائه ينقسم إلى تأمين تجاري، وتأمين غير تجاري، وهو من حيث الجهة التي تقوم بدور المؤمن ينقسم إلى تأمين ذاتي، وتأمين تبادلي، وتأمين تعاوني، وتأمين تبادلي تعاوني، وتأمين اجتماعي، هيئات تأمين بالاكتتاب، وصناديق تأمين خاص، وشركات مساهمة، وهناك تقسيمات غيرها لا يسع المجال لذكرها هنا. بيد أن أهم انواع عقد التأمين واكثرها انتشارا هي: عقد التأمين التبادلي والتعاوني، وعقد التأمين التجاري. - لقد تباينت آراء الفقهاء والباحثين المسلمين في مشروعية عقد التأمين التبادلي والتعاوني، وعقد التأمين التجاري من عدمها، فقد مال غالبيتهم إلى مشروعية عقد التأمين التبادلي والتعاوني وإن كنت لا تعدم أن تجد بينهم من يخالف في ذلك، أما عقد التأمين التجاري فقد انقسمت آراء الفقهاء والباحثين المسلمين فيها إلى أقسام ثلاثة هي: القائلون بعدم مشروعية جميع أنواع عقوده، والمميزون بين قسم منه وقسم، والقائلون بمشروعية جميع أنواع عقوده. ولقد نصت قرارات قسم من المؤتمرات الفقهية الاسلامية بعد تأجيل طويل على عدم مشروعية عقد التأمين التجاري بجميع انواعه، سواء ما كان منها على النفس أم البضائع التجارية أم غير ذلك من الاموال. - استدل القائلون بعدم مشروعية عقد التأمين التجاري على ما ذهبوا اليه من عدم المشروعية، بدعوى اشتمال هذا العقد على الغرر الفاحش، ولكونه ضربا من ضروب المقامرة، ولاشتماله على الربا بنوعيه ربا الفضل وربا النساء، ولكونه من الرهان المحرم، ولما فيه من اخذ مال الغير بلا مقابل، ولما فيه من الالزام بما لا يلزم شرعا، ولما فيه من تحد للقدر الالهي، ولاشتماله على الغبن، ولاشتماله على بعض الشروط الفاسدة، ولما في قسم منه من مخالفة لقواعد الميراث والوصية، ولان الاصول العلمية لا تصحح اجراء مثل هذا العقد وهذه العقود. - وقد ناقش البحث الامور المتقدمة بالتفصيل، وانتهى إلى عدم صلاحيتها جميعا لاثبات المدعى. - ذهب القائلون بمشروعية عقد التأمين التجاري إلى امكانية تكييفه فقهيا من خلال تنزيله منزلة بعض العقود الشرعية: كالهبة المعوضة، والصلح مع اشتراط تدارك الخسارة، والضمان، وقد استعرض البحث عن هذه التكييفات الفقهية فوجد بعضها مقبولا من الناحية النظرية، بيد انه من الصعوبة بمكان القول بوقوع عقد التأمين التجاري خارجا على بعض هذه الانحاء. - كما ذهب قسم ثان من القائلين بمشروعية عقد التأمين التجاري إلى القياس لاثبات مشروعيته، فقالوا بقياس عقوده أو بعضها على عقد الموالاة، أو نظام العاقلة، أو الوعد الملزم، أو نظام التقاعد، أو عقد المضاربة، وقد ناقش البحث هذه الاقيسة فوجدها غير تامة. - ذهب قسم ثالث من القائلين بمشروعية عقد التأمين التجاري إلى أدلة اخرى حاولوا من خلالها اثبات المشروعية لعقوده، فاستدلوا بدليل الضرورات تبيح المحظورات، وبالعرف، وبالمصلحة المرسلة وقد ناقش البحث هذه الادلة فوجدها غير ناهضة لاثبات المشروعية. - استعرض البحث الموقف الشرعي من العقود غير المسماة، وخلص إلى أن الشريعة الاسلامية المقدسة اقرت حرية التعاقد بين المتعاقدين وفق الارادة الحرة لهما عملا بقوله تعالى: (ياأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود)، وغيره من العمومات والاطلاقات الاخرى، مع مراعاة الشروط العامة المعتبرة في صحة العقد شرعاً. - اضافة إلى ان بناء العقلاء وسيرتهم قائمة على نفوذ العقود فيما بينهم. - وأن الأصل في العقود اللزوم وإلا ما استثني. - وتأسيسا على ذلك وتطبيقا له، فإن عقد التأمين بأنواعه كلها سواء منها التبادلية والتعاونية أم التجارية، بما في ذلك عقد التأمين على الحياة، عقد مستقل مشروع تشمله الادلة العامة المصححة للعقود ما دام جامعا للشرائط العامة المعتبرة في العقود، وخاليا من كل ما يتنافى مع صحة العقد شرعا. - وهو عقد لازم إلا ان ينص المتعاقدان على غير ذلك، والحمد لله رب العالمين. بقلم: عبدالهادي الحكيم