الاحد غرة ذو الحجة 1423 هـ الموافق 2 فبراير 2003 كلما خفض الاحتياطي الفيدرالي «البنك المركزي الاميركي» سعر الفائدة على الدولار الاميركي اصدر مصرف الامارات المركزي، قرارا بتخفيض الفائدة بنفس النسبة على الودائع بالدرهم، وان كان الاحتياطي الفيدرالي يهدف من تخفيض سعر الفائد والذي تكرر لعدد من المرات خلال الفترة القصيرة الماضية الى تحريك النشاط الاقتصادي والاستثماري في السوق الاميركية، بعد ان اصبح الاقتصاد الاميركي يعاني من ركود اقتصادي حقيقي ادى الى تفاقم مشاكل وهزات اقتصادية سواء في هيكله الانتاجي او سمعة شركاته المتردية اثر تفشي الفساد وتزايد معدلات البطالة التي اصبحت تشكل تهديدا مباشرا للاوضاع السياسية. فإذا كانت هذه دوافع التخفيض في الولايات المتحدة، فما هي دوافع التخفيض في الامارات؟ واذا كان الاقتصاد الاميركي من الضخامة الذي يستوعب هذه الهزات والخروج منها او تجاوزها فهل يستطيع اقتصاد الامارات الخروج من ازمته؟ واذا كان تخفيض الفائدة في الولايات المتحدة لها آثارها الايجابية على الاقتصاد الاميركي فهل هذا التخفيض له من الايجابيات على الاقتصاد الاماراتي، وهل يمكن لتخفيض الفائدة على الودائع بالدرهم ان يخدم الاقتصاد الوطني وينعشه ويساهم في تحسين الاوضاع الاقتصادية بالدولة؟! وهل يمكن للسوق المحلية ان تستوعب السيولة الفائضة والناجمة من انخفاض سعر الفائدة في ظل الظروف المحيطة بها والمتغيرات التي يشهدها الاقتصاد الوطني والساحة الاقتصادية الخليجية؟! في ظل المطالبة المستمرة من قبل مؤسسات الدولة الاقتصادية والاعلامية بضرورة تقليص النفقات الاستهلاكية وتنمية المدخرات الخاصة وبالتالي توظيفها في استثمارات تحقق اهداف التنمية الاقتصادية في الدولة وتعزز دور القطاع الخاص ولاسيما الوطني منها، وفي الوقت الذي تتعالى الاصوات بمطالبة القطاع الخاص للقيام بدوره في خدمة الاقتصاد وقيادة قاطرة التنمية الاقتصادية التي يبدو انها تعاني من الاعطال المتكررة وفي ضوء توجهات الدولة نحو خصخصة مؤسسات القطاع العام لتمكين القطاع الخاص بشكل اكبر من الاقتصاد وزيادة فاعليته، في ظل كل هذا نجد ان الودائع النقدية في تزايد مستمر تؤكدها المؤشرات النقدية حيث تشير النشرة الاحصائية الصادرة من المصرف المركزي الى ان عرض النقد قد زاد بمقدار 4,2 مليار درهم في نهاية الربع الثاني من عام 2002 ليصل الى 1,45 مليار درهم ويعزى ذلك الى زيادة الودائع النقدية التي سجلت خلال نفس الفترة ارتفاعا بلغ 04,2 مليار درهم ولتصل الى 9,33 مليار درهم، فيما بلغ اجمالي الودائع بالعملة المحلية «الدرهم» نحو 3,114 مليون درهم وذلك في الجهاز المصرفي بالامارات في يونيو الماضي. ان المؤشرات النقدية ولاسيما حجم الودائع النقدية بالجهاز المصرفي وكذلك حجم السيولة بالسوق الاماراتية تؤكد على ان هناك رأس مال وطنيا يعاني من محاصرة حقيقية بسبب الاوضاع الاقتصادية المحلية والاقليمية والدولية وتزيد درجة المحاصرة هذه بفعل المتغيرات الاقتصادية والمستجدات الداخلية والخارجية ومن هنا لايجد رأس المال الوطني فرصته في التفاعل مع الاقتصاد الوطني والمساهمة في تنمية وتحقيق اهدافه، وتتجسد اشكال تلك المحاصرة في التالي: اولا: محاصرة رأس المال الوطني محليا. 1ـ ان ضعف ومحدودية التشريعات والقوانين المحفزة والمشجعة لرأس المال الوطني سواء في مرحلة الادخار او مرحلة الاستثمار قد عطلت وحاصرت الاموال المواطنة عن القيام بدورها خاصة بعد ان استغل رأس المال الاجنبي الثغرات القانونية ليسجل اختراقاته للسوق المحلية والاقتصاد الوطني ويفرض هيمنته ووجوده وربما كان سببا مباشرا في خروج رأس المال الوطني من السوق المحلية. 2 ـ ان غياب استراتيجية التنمية ومحدودية السياسات الاقتصادية وتباينها فيما بين المحلية والاتحادية، ثم المحلية والمحلية، ثم غياب الضوابط المتعلقة بحركة رأس المال الاجنبي قد مكن كل هذا رأس المال الاجنبي من محاصرة رأس المال الوطني وتحجيم دوره في مناطق محدودة!! او قطاعات محدودة فيما يفرض رأس المال الاجنبي وجوده ويستفيد من كل الفرص المتاحة. 3 ـ ان غياب المسوحات الدقيقة للفرص الاستثمارية رغم توفرها في الدولة وعدم قيام المؤسسات المعنية بتعريف القطاع الخاص الوطني بتلك الفرص، قد ساعد على تدفق رأس المال الوطني الى الاسواق العالمية ومن خلال مصارفنا المحلية وابقاء الجزء الاخر في هيئة ودائع في هذه المصارف دون استفادة الاقتصاد الوطني، وبالتالي اصبح رأس المال الوطني محاصرا بين المصارف التجارية «الودائع» والاستثمار في اسهم الشركات العالمية حيث درجة المخاطرة والمصادرة والتجميد والتآكل بفعل التضخم. 4 ـ ان انخفاض اسعار الفائدة على الودائع المحلية بالدرهم الاماراتي الى معدلات قياسية وخلال فترة قصيرة «واحد في المئة وخلال عام واحد» انما يشكل حصارا حقيقيا للمودعين ولمالكي رؤوس الاموال الذين يجدون انهم خاضعون لضغوط نفسية شديدة بسبب انخفاض سعر الفائدة في هذا المعدل وبالتالي انخفاض العائد المنتظر من ودائعهم لدى الجهاز المصرفي. 5 ـ ان منافسة الحكومة الاتحادية والحكومات المحلية للقطاع الخاص عامة والقطاع المصرفي خاصة من حيث قيامها بتمويل مشاريعها قد ساهم في تقليص دور القطاع المصرفي في تمويل مشاريع الحكومة ـ الحكومات وانعكس بالتالي على حجم الودائع المحلية المتزايد والعائد المتحقق وحجم السيولة المحلية وتدفقها الى الاسواق العالمية، ومن هنا فإن رأس المال الوطني يجد نفسه محاصرا من قبل الحكومة ـ الحكومات بالامارات. 6 ـ ان ضعف ومحدودية القاعدة الانتاجية للاقتصاد الوطني، وغياب رؤية التنمية بالدولة قد جعلت قدرة الاقتصاد الوطني على امتصاص فائض السيولة المحلية والاستفادة من الودائع المحلية ضعيفة وبالتالي ترتب على هذا حصار لرأس المال الوطني الذي خرج من السوق المحلية ليخدم اقتصادات دول غربية وشرقية. 7 ـ ان ضيق السوق المحلية وعدم قدرتها على استيعاب حجم السيولة المتوفر لدى القطاع المصرفي قد ساهم في انخفاض الفائدة وبالتالي انخفاض العائد على رأس المال الوطني. 8 ـ تقليدية النشاط الاقتصادي في الدولة وعدم فتح قنوات استثمارية جديدة، وغياب ادوات السياسة الاستثمارية والنقدية قد ساهم في تقلص مساهمة ودور رأس المال الوطني في الاقتصاد الوطني واصبح محاصرا في قطاعات تقليدية كالخدمات والتجارة والعقارات. ثانيا: محاصرة رأس المال الوطني خارجيا 1 ـ تشكل ظاهرة الركود الاقتصادي الذي يخيم على العالم خلال السنوات الاخيرة، ثم تراجع معدلات النمو الاقتصادي ولاسيما في الدول الخاضعة لرؤس الاموال الاجنبية ومنها رأس المال الوطني الاماراتي اسبابا حقيقية في تراجع اسعار الفائدة العالمية مما انعكس ذلك وبشدة على عوائد روؤس الاموال والاستثمارات الاماراتية في الاسواق العالمية. 2 ـ ان تزايد معدلات المخاطرة على رأس المال في الاسواق المالية العالمية خاصة بعد الانهيارات الكبيرة التي حدثت في الاسواق العالمية في السنوات الماضية، ثم الصدمات التي يعاني منها الاقتصاد العالمي ولاسيما تلك التي حدثت في بورصات الدول الصناعية قد شكلت تحديا حقيقيا للاستثمارات ورؤوس الاموال الاماراتية التي اصبحت تعاني من محاصرة محلية وخارجية خاصة بعد الخسائر التي تكبدها رأس المال والاستثمارات العربية في السنوات الاخيرة. 3 ـ ان تزايد معدلات التضخم في الاقتصادات العالمية وتفاقم المشاكل والهزات الاقتصادية وتفشي الفساد المالي والاداري في تلك الاقتصادات قد ادى الى تآكل رؤوس الاموال الوطنية والعربية المودعة لدى المصارف العالمية او الاقتصادات العالمية خاصة بعد تراجع الطلب عليها. 4 ـ ان تزايد النزعة لدى الدول الصناعية الحاضنة لرؤوس الاموال الاجنبية ومنها العربية والخليجية والاماراتية في المصادرة والتجميد بحجة زعم الدول الصناعية بان دولا ومؤسسات مصدرة لرأس المال تشكل او تقوم بتمويل عمليات ارهابية بالدول الصناعية وذلك كما حدث للسعودية والعراق وليبيا وايران، انما يعد هذا خطرا على رؤوس الاموال العربية ومنها الامارات الامر الذي يشكل تهديدا مباشرا لثروات ورؤس اموال الدول والقطاع الخاص. بقلم: نجيب عبدالله الشامسي