السبت 29 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 1 فبراير 2003 في الامسية الثانية من مهرجان الجاز العالمي الذي استضافته مدينة دبي للاعلام ضمن فعاليات مهرجان دبي للتسوق 2003 تابعها كثر من 3 آلاف من شخص،تصاعد اللحن العتيق القادم من دهاليز وازقة نيو اورلينز الى اقصى مدارات السمو الروحي، مع الفقرة الاسطورية التي قدمها عازف الساكس «ارشي سيب» الذي يمثل احدى الثمار الموسيقية النادرة لسلالة موسيقى الجاز، التي لم تتداركها حتمية الزمن. ورافق «ارشي» في صعوده الى سماء الحرية من المسرح الذي طور في باحة مدينة دبي للاعلام، عازف البيانو الايطالي ماسينو فاراو، و«وين دوكيري» على آلة الكونترباص الوترية الايقاعية، وعازف الطبول بوبي دورهام، الذي استطاع عبر اعجازه الايقاعي شد اذهان الحضور ونقلها الى حيز وجودي متنصل من تراكمات الزمن، رغم استناد اطرافه الاربعة التي حاكت الطبول والصنجات الى مفهوم التوقيت الايقاعي. ومثلت حالة الانصات الجماعي لجمهور الحفل الذي ينتمي الى ثقافات مختلفة، اجماعا وتقديرا من هذا الجمهور العالمي على مكانة موسيقى الجاز، النمط الموسيقي الاكثر عمقا منذ ان انسابت الموجات الصوتية على سطح كوكبنا الارضي، والموغل في بنائه المركب بين الروح والفكر. ومع المقطوعة الاولى انهمرت الالحان من بوق المخضرم الذي بدى ببدلته وقبعته التي تنتمي الى عقد الخمسينات من القرن المنصرم، ملتزما بكفاح الحرية والمساواة الذي كدح لاجله ابناء عرقه في تلك الحقبة عبر نداءات الموسيقى التي تسللت بأناقة روحية الى كل قلوب سكان الارض. ومن حالة الانهمار اللحني بدأت مدارات خاصة تتجلى عبر اركان الفرقة الاخرى لتلقي هذه المساحات الموسيقية، التي قد تبدو في بنائها مستقلة واحادية، عند نقاط معينة، تكون الغلبة بها للمشروع الموسيقي الجماعي الذي ينطلق بالاساس من الفردية المطلقة التي لا تغيّب لهاث مساحات الذات المنهكة وسعيها نحو النشيد الجماعي الآمن. وفي خلفية المسرح، شكلت الدلالة الرمزية لشعار المهرجان المتمثل ببوق نحاسي تنبت من مفاتيحه ثلاث نخلات، معادلة خاصة للتركيب الموسيقي الذي اشبعت به دبي واضفى دفئا وحميمية على الموسيقى التي تكثف البريق الداكن الكامن في دواخلنا. ومع تدفق الموسيقى التي شابتها ملامح الحزن وبهجة الاندفاع والاصرار على البقاء، والتغني بالحرية، كان الشرق باديا في اكثر من جملة موسيقية، ليؤكد المقولة المدوية والتي اجمع عليها مفكرون وفلاسفة من مشارب حضارية متباينة «الشرق ابو البدايات والنهايات». وفي المدينة الشرقية المنفتحة على مفاهيم الحب والتعايش واصل ابناء السلالة الموسيقية العريقة اعادة صياغة ليل دبي، وبرع عازف البيانو في اشتقاق جمل آلته الكلاسيكية الموسيقية، التي شبت من خلال انامله الرشيقة عن الطوق، وكانت القاعدة للحس الموسيقي الرخيم والرقراق في الوقت ذاته. ومع الضربات الرزينة على آلة الكونترباص تكثفت الجمل الايقاعية، جامعة الاطياف الموسيقية الصادرة عن اركان الفرقة الاخرى، ومع الاستكانة الصوتية لباقي الآلات جاد عازف الكونترباص بزخرفة منفردة على آلته التي بدت على مجسمها الخشبي تضاريس الكهولة. وفي اقصى الزاوية اليمنى للمسرح انتصبت الطبول، ليحول عرّابها عصاتاه الى سياط قرعت السطوح الدائرية ببطش فكري، قوامه الحنكة الذهنية المتقدة لديه، ليواجهه الجمهور اثر كل رحلة انفرادية خارج قوام الفرقة الموسيقية بسيل من التصفيق والهتاف.