الجمعة 28 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 31 يناير 2003 قوبل قرار مصر المفاجيء تعويم عملتها امس الاول بالترحيب باعتباره خطوة ايجابية على المدى الطويل لكن الجنيه المصري مقبل على اوقات صعبة خلال الاسابيع القليلة المقبلة خاصة مع غيوم الحرب التي تلوح في الافق. وكان المستثمرون والمؤسسات الدولية يطالبون منذ فترة طويلة بهذه الخطوة كوسيلة لتخفيف الضغوط على الطلب على الدولار في ظل نظام صرف أجنبي كان يربط الجنيه بالدولار بسعر أعلى من المستوى الواقعي. ومن قبل كان الدولار مقيدا بنطاق تأرجح صعودا وهبوطا حول سعر حدده البنك المركزي عند مستوى 51،4 جنيهات يعتقد انه اعلى من السعر الفعلي لكن بعد تعويم العملة المحلية امس الاربعاء انخفض الجنيه على الفور بنسبة 15% تقريبا ليعكس مستوى السعر السائد في السوق السوداء. ورغم ان هذا القرار يزيل عقبة قائمة منذ فترة طويلة امام الاستثمار الاجنبي في مصر ومن شأنه دعم الجنيه في نهاية الامر الا ان العملة المصرية ستواجه اوقاتا صعبة في المستقبل القريب. ويقول المحللون ان نقص المعروض بالسعر الرسمي تسبب في تراكم الطلب المحلي على الدولار ومن المنتظر في الفترة المقبلة ان تشهد السوق التي اصبحت حرة في تحديد سعر الصرف محاولة لتلبية هذ الطلب المتراكم. وقال ديفيد لوبين المحلل البارز المختص بالاسواق الناشئة في بنك اتش.اس.بي.سي «هناك بالتأكيد طلب متراكم على الدولار في مصر.. يقدره البعض بنحو ملياري دولار .. من شأنه دفع السعر للارتفاع فور ان يصبح الحصول على الدولار مسألة تتعلق فقط بالسعر وليس بأهواء البنك المركزي». وأضاف «هذا يعني ان سعر الصرف سيواجه هبوطا حادا بافتراض ان البنك المركزي سيتركه يصل الى مستواه الفعلي». وتابع لوبين انه من المستحيل توقع مدى الهبوط لكنه اضاف ان وصول سعر الدولار الى ما بين 5.80 وستة جنيهات لن يكون مفاجئا في حال كان التعويم حرا فعلا. والى جانب المصاعب المتعلقة بالمعروض من الدولار هناك تهديدات الحرب المحتملة على العراق التي قد تشيع عدم الاستقرار في المنطقة وتشجع هروب رؤوس الاموال الى ملاذات امنة من العملات الصعبة وتضر بقطاع السياحة وهو من المصادر الرئيسية للعائدات بالعملة الصعبة في مصر. وقالت راضية خان محللة اسواق افريقيا في ستاندرد تشارترد «اكثر ما يقلق مصر هو نشوب حرب اقليمية اذ انها تعتمد بدرجة كبيرة على عائدات السياحة ... وحتى حرب قصيرة ستؤثر سلبا على العائدات». وقال لوبين ان قرار تعويم الجنيه مع اقتراب الحرب المحتملة على العراق التي يبدو انها قد تقع خلال اسابيع فقط قد يكون مغامرة محسوبة. وأضاف «قد تكون السلطات قررت انه من الافضل استخدام سعر الصرف كلية لتحقيق الاستقرار في السوق في حال حدوث اضطرابات في المنطقة بدلا من صرف اموال طائلة للدفاع عن نظام الربط المحكوم للجنيه مقابل الدولار». وفي حين لا يمكن تجاهل احتمال حدوث هبوط حاد في سعر الجنيه فان المحللين يقولون ان هناك العديد من العوامل من شأنها الحد من ذلك تعمل لصالح مصر. فيقول الكس جرارد محلل الاسواق الناشئة في بنك يو.بي.اس «لست مقتنعا بما يقال عن هبوط حاد... فالسوق السوداء بدت اكثر استقرارا في الاسابيع القليلة الماضية نتيجة تحسن في عائدات السياحة وقناة السويس وهما مصدران رئيسيان للعملة الصعبة». وقال جرارد ان هذه الخطوة تبدو انتهازا للفرصة من جانب مصر اكثر مما تبدو تخليا اجباريا عن النظام القديم بسبب زيادة الطلب على الدولار. واكدت راضية خان النقطة نفسها قائلة «السوق الموازية شهدت تحسنا بالفعل في الفترة الاخيرة مما يشير الى وجود حجم معقول من السيولة وان النقص في المعروض في سوق الصرف ليس حادا كما كان البعض يعتقد». وفي الفترة الاخيرة شهدت السوق ارتفاعا موسميا في الطلب على الريال السعودي بسبب موسم الحج كان من شأنه فرض بعض الضغوط على الجنيه. ومن العوامل الايجابية كذلك قوة الاحتياطيات بالعملة الاجنبية التي استقرت على مدى العام الماضي عند نحو 14 مليار دولار. وهذا على الاقل يتيح للسلطات المجال للدفاع عن العملة في مواجهة ضغوط البيع الحادة. وقال جرارد «حتى في ظل التعويم ليس هناك ما يمنع البنك المركزي من التدخل في السوق سواء بالبيع او الشراء وأتوقع ان يكونوا نشطين في ذلك». وتوقع ان يستقر سعر الدولار عند مستوى نحو 5.35 جنيهات. ويترقب المحللون كذلك لمعرفة ما اذا كان البنك المركزي يضع اي قيود على التداول مثل فرض نظام اكثر صرامة فيما يتعلق بتوثيق المعاملات. واستخدم هذا الاسلوب في جنوب افريقيا للحد من المضاربات على الراند في اواخر عام 2001 من خلال اصرار البنك المركزي على ان تثبت البنوك ان صفقاتها مدعومة باستثمار مشروع او تدفقات تجارية. لكن يظل اكثر العوامل ايجابية فيما يتعلق بهذه الخطوة هو احتمال ان تمهد الطريق لزيادة الاستثمارات الاجنبية في البلاد. ورحبت وكالتا التصنيف الائتماني الدوليتان فيتش وستاندرد اند بورز بالقرار. وقالت فيتش ان ادارة سياسة الصرف الاجنبي كانت في السابق من العقبات التي تواجه تصنيف الدين السيادي المصري. وقال جرارد ان التعويم قد لا يكون كافيا في حد ذاته لتعديل التصنيف الائتماني لكنه يظل ينظر اليه من جانب وكالات التصنيف باعتباره عاملا ايجابيا. من ناحية اخرى فان هذه الخطوة تلبي شرطا مسبقا للمؤسسات المالية الدولية التي تعهدت بتقديم اموال تحتاجها مصر لدعم ميزان مدفوعاتها. وقالت خان «كانت هناك ضغوط كبيرة من جانب المؤسسات المالية الدولية على مصر لتحرير سعر الصرف وباتخاذ هذه الخطوة قد تتاح مبالغ ضخمة« لمصر. وتابعت «هذا سبب اخر لتوقع احتواء الضغوط على الجنيه». رويترز