الخميس 27 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 30 يناير 2003 القرار المفاجئ الذي اتخذته الحكومة المصرية أول أمس بتحرير سعر الصرف، أحدث ردود أفعال متباينة في الشارع المصري وبين خبراء الاقتصاد، وفيما يترقب رجل الشارع المصري الاستحقاقات التي ستترتب على هذا القرار الذي أدى الى خفض الجنيه أمام العملات الاجنبية المختلفة، فان الساعات القليلة الماضية والتي تلت اصدار القرار لم تشهد ارتفاعا في اسعار السلع، وان كان البعض يرى ان الايام القليلة المقبلة ستشهد طفرة في هذا، حيث ان كل المرات السابقة التي تلت عملية خفض الجنيه أسفرت عن ارتفاع اسعار السلع الرئيسية والخدمية. وبدأت أمس البنوك وشركات الصرافة المصرية العمل بالنظام الجديد الذي يخضع لآليات العرض والطلب دون أي تدخل من جانب البنك المركزي، وبموجب هذا النظام يتم الغاء السعر المركزي للدولار، والذي بدأ العمل به منذ عام 2000 وكذلك الهامش المحدد بنسبة 3% وسجل سعر الدولار أمس 540 قرشا. وفيما ترى قيادات مصرفية لـ «البيان» ان القرار سيعيد الهدوء لسوق الصرف الذي شهد العديد من التقلبات في الفترة الماضية، أبدى بعض خبراء الاقتصاد تخوفهم من التدهور الذي قد يتعرض له الجنيه. وقال الدكتور إسماعيل حسن المحافظ السابق للبنك المركزي ورئيس بنك مصر إيران للتنمية ان ترك سوق الصرف للعرض والطلب أفضل كثيرا من التعامل مع كل بنك على حده بأسعار متباينة ودون اعلان وقال ان تحرير السعر سوف يعكس الاسعار الفعلية في السوق وهو ما يستوجب التعامل من جميع الاهداف سواء أكانت البنوك أو شركات الصرافة بقدر عال من المسئولية. وحذر إسماعيل حسن من سباق البنوك فيما بينها لتحديد سعر الصرف حتى يمكن تجنب كل الاخطاء التي تضر بالسوق وتمكن من تنفيذ هذا القرار بشفافية عالية وفقا لجانب العرض والطلب. كما أكدت بسنت فهمي عضو مجلس ادارة بنك مصر الدولي على ان تحرير سعر الصرف يعد قرارا ايجابيا بالنسبة لمصر لانه سوف يشجع على الاستثمار المباشر وغير المباشر كما انه سوف ينشط حركة التعاملات داخل البورصة وقالت انه لا يوجد أي بنك في العالم تسمح سياسته بتوفير أي قدر من العملة لكل من يطلبها مما يتطلب سياسة التحرير الكامل مضيفة ان البنك المركزي يستطيع التحكم في الحفاظ على سعر العملة المحلية عن طريق الدخول كبائع أو كمشتري وذلك وفقا لمصلحة الاقتصاد. وأضافت بسنت فهمي ان تحرير سعر الصرف سوف يشجع على زيادة الصادرات واستقطاب المستثمرين كما انه سوف يحد من تدفق الواردات باستثناء بعض السلع الرئيسية التي يتم استيرادها مثل القمح الذي سترتفع أسعاره مع ارتفاع سعر الدولار ايضا أكدت على تأثر اسعار الخامات المستوردة وكذلك السلع الوسيطة التي تحتاج الى توفير العملة بما قد يؤثر على حركة الاستثمار المحلي وقدرة المصانع المصرية على التطوير والانتاج. وعن توقيت اتخاذ هذا القرار أشارت بسنت فهمي الى ان هذا التوقيت حرج للغاية لان منطقة الشرق الاوسط في حالة حرب أو تمهيد لحرب العراق وفي ظروف الحرب يجب الحفاظ على قيمة العملة وذلك مرتبط بالاستقرار في المنطقة لان السياحة والاستثمار الاجنبي مرتبطان بذلك وتتوقع ألا يظهر الاثر الايجابي لتحرير سعر الصرف الا بعد ان تشهد المنطقة مزيدا من الاستقرار السياسي. كما أكد أحمد قورة عضو مجلس اتحاد البنوك ونائب رئيس البنك الوطني المصري ان قرار تحرير سعر الصرف قد تأخر لسنوات حيث ان السوق كان في حاجة لهذه الخطوة لضبط ايقاعه وخاصة بعد احداث الاقصر والازمة الاقتصادية في دول جنوب شرق آسيا واضاف قورة ان البنوك وجميع الوحدات المصرفية تعرضت لخسائر كبيرة نتيجة تدبير نقد اجنبي لعملائها بسعر محدد وهو 465 قرشا للدولار مما ساعد في كشف مراكزها المالية بالعملات الاجنبية وتوقع تراجع سعر الدولار بعد فترة مع توافر موارد دولارية لدى المؤسسات والافراد. وعلى خلاف ما توقع البعض تراجع سعر الدولار نتيجة تحرير سعر العملة فقد قفز سعر الدولار أمام الجنيه في البنوك العامة والتجارية منذ أول أمس وعقب تصريحات د. عبيد رئيس الوزراء الى 530 قرشا ومتوقع ان تزداد الاسعار في شركات الصرافة عن هذا الحد اذ لم تتخذ الاجراءات الانضباطية من قبل البنوك والبنك المركزي وهذا ما أكد عليه الدكتور مصطفى السعيد وزير الاقتصاد الاسبق والذي وصف الوضع الحالي بقوله ان القرار لم يتخذ لاصلاح خلل اساسي في سوق الصرف ولكنه مجرد اجراءات تتعلق بهيكل سوق الصرف ومصادر النقد الاجنبي مشيرا الى ان البنك المركزي كان يحدد سعرا للدولار لم تستطع البنوك توفيره لطالب النقد مما دفع تجار العملة للسيطرة على السوق وقال ان التحرير يستبدل تجار العملة والسوق السوداء بالبنوك وذلك لن يحل الازمة وهو التوازن بين العرض والطلب فالأهم هو توفير المصادر من النقد الاجنبي للبنوك وضبط السوق لن يحدث إلا بالتزام البنوك بوسائل الانضباط وعدم دخولها في المنافسة والمضاربة غير المسئولة الى جانب الاهتمام بالمصلحة القومية أكثر من الخاصة ويرى السعيد ان ذلك لن يتم إلا برقابة قوية من البنك المركزي وبتوجيهاته للبنوك بالتعامل بأسعار توفق بين العرض والطلب وعدم اللجوء الى وسائل غير مشروعة للحصول على اسعار افضل. وحذر وزير الاقتصاد السابق من تحول البنوك الى تجار للعملة ويرى ضرورة تدخل البنك المركزي باستخدامه الاحتياطي لتوفير مزيد من النقد الاجنبي مؤكدا ان دور الاحتياطي هو حل مثل تلك الازمات كما حذر السعيد من الآثار السلبية لتخفيض الجنيه والذي فقد نحو 60% من قيمته منذ عام 98 وحتى الآن والتي سوف تؤثر في ارتفاع التكلفة وارتفاع الاسعار مما سيحمل المواطن المصري العبء نتيجة انخفاض مستوى المعيشة. وعن تنافس شركات الصرافة مع البنوك أشار الوزير السابق الى مدى استفادة شركات الصرافة من قرار تحرير سعر الصرف مؤكدا ان البنوك سوف تلجأ لهذه الشركات لشراء العملة من السوق مما سيزيد من نشاطها أو ستتمتع بقدر أكبر من الحرية في التعاملات ولن تخضع لمحاسبة البنك المركزي باغلاق الشركات المخالفة أو اعتقال أصحابها ووضعهم في السجون كما حدث من قبل. ومن جهتها تحفظت الدكتورة محيا زيتون أستاذ الاقتصاد بكلية البنات على الاجراءات الاخيرة مؤكدة ان الاقتصاد المصري لا يتحمل هذا التحرير وان مشكلة مصر ليست في تخفيض سعر الصرف مشيرة الى ان قيمة الجنيه المصري واقعيا اعلى من قيمته الحالية ولكن التحرير لن يحل المشاكل ولن يضيف لقوة الاقتصاد المصري ولكن القوة الحقيقية في الانتاج وليس في الحلول المالية والاساليب النقدية. وأكدت الدكتورة محيا على دور صندوق النقد في الضغط على الحكومة المصرية لتحقيق هذا المطلب تحت دعوى حل مشكلة الاقتصاد في مصر. القاهرة ـ ماجدة خضر: