الاحد 23 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 26 يناير 2003 لقد أكدنا في الحلقة الماضية على أهمية الخطوة التي شرعت لها وزارة الاقتصاد والتجارة بوضع مشروع قانون استثمار رأس المال الاجنبي في الامارات والذي جاء في (19) مادة، واشرنا الى ان هذا القانون قد جاء ليسد فراغاً تشريعياً استغلته فئة من المستثمرين الاجانب وكذلك الاماراتيين لتحقيق مكاسب سريعة وقياسية على حساب الاقتصاد والمجتمع الاماراتي، واذا كنا قد وضعنا قراءتنا المتواضعة على هذا المشروع في تلك الحلقة، فاننا هنا نواصل هذه القراءة التي ربما تفيد المشرع القانوني بالوزارة في وضع الصيغة النهائية المناسبة. خامساً: لقد وفرت مواد القانون الواردة بالباب الثاني ولاسيما المواد (10)، (11)، (12) كافة الضمانات التي يحتاج لها الاستثمار الاجنبي سواء من حيث تمتعه بكافة المزايا الناشئة عن تطبيق الاتفاقيات التي تعقدها الدولة أو التي عقدتها فعلياً والمتعلقة بمنع الازدواج الضريبي، أو الاتفاقيات الثنائية المتعلقة بالاستثمار (المادة 10)، كما أكدت المادة (11) على عدم جواز مصادرة المشروع الاستثماري أو نزع ملكيته إلا بمقتضى قانون اتحادي ومقابل تعويض عادل، ثم جاءت المادة التالية (12) من مشروع القانون لتؤكد على أحقية المستثمر الاجنبي بالقيام بجميع التحويلات الخاصة باستثماراته للخارج سواء الارباح أو حصيلة بيع كل أو جزء من المشروع الاستثماري أو رأس المال كاملاً عند انتهاء مدة المشروع أو عند تصفيته، واذا كانت هذه المواد قد وفرت كل هذه الضمانات فان التساؤل هنا حول ماهية الفوائد والمزايا المتوخاة من الاستثمار الاجنبي على الرغم من ان المادتين (14) و(15) من المشروع ذاته قد نصتا على الواجبات والجزاءات التي يفترض من المستثمر الاجنبي الالتزام بها ولكن دون تحديدهما لحجم الفائدة التي سوف يجنيها الاقتصاد الوطني نظير كل تلك التسهيلات والضمانات، وهنا فإنه من المفترض ان ينص القانون على مواد تؤكد أحقية استفادة الاقتصاد الوطني من الاستثمار الاجنبي كتمديد فترة الاستثمار بحيث لا تقل عن عشرين عاماً في المدى المتوسط، ثم المدى الطويل، كما لابد ان ينص القانون على قنوات الاستثمار بحيث يتم التركيز على الاستثمار في القطاعات السلعية كقطاع الصناعة، وقطاع الزراعة، ثم قطاع السياحة وذلك لضمان استمرار الاستثمار الاجنبي أولاً ثم لاستفادة الاقتصاد الوطني منه فعلياً ثم لعدم منحه فرصة التلاعب بالسوق المحلية عندما تصبح استثماراته قصيرة المدى وتتركز على قطاعات يسهل كسرها وتدميرها من قبل الاستثمار الاجنبي، كما حدث لدول آسيا في العام 1997م، ثم أهمية ان يشارك الاستثمار الاجنبي في تدريب وتأهيل العمالة المواطنة مع أهمية وضع لوائح وأسس لضمان الحقوق المادية والمعنوية للعمالة المواطنة. كما لابد وان يؤكد القانون في هذا الصدد على أهمية الاعتماد على ادخال التقنية الحديثة وتكثيف رأس المال كي لا يتاح له اغراق السوق المحلية بالعمالة الوافدة الرخيصة وذلك كما حدث طوال العقود الثلاثة الماضية حينما كان الاستثمار الاجنبي سبباً مباشراً في تفاقم مشكلة التركيبة السكانية بالدولة. سادساً: اذا كانت الدول وبما فيها الدول الصناعية سعت ومازالت تسعى لاستقطاب رؤوس أموال أجنبية لأسواقها فانها تسعى من ذلك لتحقيق أهداف محددة قد رسمتها بموجب قوانين وتشريعات وضوابط، ومنها ان يستثمر رأس المال الاجنبي سيولته وقدراته في الموارد الطبيعية المتوفرة فيها أولاً، ثم خلق فرص عمل لمواطنيها ثانياً، ثم فرضت تلك الدول ضريبة/ضرائب مختلفة على العوائد المتحققة من رأس المال الاجنبي، وكذلك رسوماً جمركية على وارداته، بينما نجد ان مشروع القانون في الامارات قد نص على اعفاء رأس المال الاجنبي المستثمر في الدولة من الضرائب لمدة تصل الى عشر سنوات، وذلك اضافة الى اعفاء كامل من الرسوم الجمركية على واردات مشروعات رأس المال الاجنبي الصناعية من الآلات والمعدات اللازمة للانتاج، فيما نصت المادة (9) من المشروع على التزام الحكومة الاتحادية أو الحكومات المحلية بتخصيص أراض لازمة للمشروعات الاستثمارية الاجنبية سواء بطريق الانتفاع أو بطريق الايجار الطويل الاجل، وربما يجدر التساؤل هنا حول ماهية المقابل الذي سوف تجنيه الحكومة/الحكومات وذلك في اشارة الى تجربة الامارات مع الاستثمارات الاجنبية من خلال المناطق الحرة التي وصل عددها الى تسع مناطق واثر ذلك على الاقتصاد الوطني وعلى مواطني الامارات مستثمرين وعاديين، وكيف تجاوب الاستثمار الاجنبي مع متطلبات السوق المحلية، ومعطيات الاقتصاد الوطني، وكيف ساهمت هذه المناطق في مسيرة الاقتصاد وزيادة الناتج المحلي الاجمالي، وذلك نظير كل التسهيلات والمزايا والوفورات المجانية وشبه المجانية التي قدمتها الحكومة الاتحادية والحكومات المحلية ولعل في الاضرار التي ترتبت على اقتناص مصانع المنسوجات الاجنبية بالمناطق الحرة لحصة الامارات في تصدير المنسوجات الى السوق الأميركية على الاقتصاد الوطني دليل على ذلك، فما هي الشروط والضوابط والآليات التي حددها القانون، وما هي قنوات الاستثمار الاجنبي وآجاله، وما هي الضمانات الكفيلة بالتزامه بتشغيل وتدريب وتأهيل العمالة المواطنة التي أصبحت تعاني من بطالة حقيقية لها تداعياتها الوخيمة؟ سابعاً: اذا كان البند (1) من المادة السابعة من المشروع قد نص على مراعاة اللجنة عند دراستها لطلبات الاستثمار لمدى انسجام النشاط المطلوب مباشرته مع خطة التنمية الاقتصادية، فأين هي خطة التنمية الاقتصادية التي اشار اليها القانون؟ واذا كانت الامارات لم تضع خطة تنمية اقتصادية منذ قيامها باستثناء خطة يتيمة وضعتها وزارة التخطيط (1981 ـ 1985) ولم تجد النور وظلت حبيسة ادراج المسئولين فما هو الداعي لاستقطاب رأس المال الاجنبي، هل كي يمول مشاريع التنمية غير الموجودة اصلاً؟ أم ليمارس دوره المعروف حيث انتهازية الفرص، وتحقيق ارباح قياسية مستغلاً البيئة القانونية غير المكتملة والثغرات القانونية الواضحة؟ فأين هي خطة التنمية التي يشير اليها القانون؟ وهل يمكن وضع خطة أو استراتيجية للتنمية في ظل التجزئة الاقتصادية بالدولة وتضارب السياسات بين امارات الدولة، وازدواجية المشاريع، وتعارض الانظمة المحلية مع المحلية الاخرى، وتغليب النظام المحلي على القانون الاتحادي؟ أليس هذه الوضعية التي تتسم بها أوضاعنا الاقتصادية قد مكنت رأس المال الاجنبي من فرض هيمنته على اسواقنا، وحقق ومازال يحقق مكاسبه الكبيرة على حساب الاقتصاد الوطني والمجتمع الاماراتي؟ ألم يستفد رأس المال الاجنبي طوال العقود الثلاثة الماضية من مجانية الخدمات التي تكفلت بها الدولة والحكومات المحلية وانفقت عليها الكثير؟ ما هي ايجابيات رأس المال الاجنبي خلال تلك الفترة، ألم تكن له انعكاسات وتأثيرات سلبية؟ ألم يكن سبباً في المعضلة السكانية؟ ثامناً: يشير مشروع القانون وفي البند (3) من المادة الرابعة عشرة الى ضرورة التزام المستثمر الاجنبي بالاستعانة بالعمالة المواطنة والعمل على تدريبها واكسابها المهارات اللازمة؟ ونتساءل هنا عن حقيقة التزام الاستثمار الاجنبي طوال السنوات الاحدى والثلاثين بتشغيل وتدريب المواطنين وقبل مطالبة المستثمر الاجنبي بهذا الشرط يجدر بنا ان نتساءل فيما اذا كان المستثمر الاماراتي قد استوعب هذا المبدأ وعمل على ترجمته في ميدان العمل، ما هي حقيقة استيعاب مؤسسات ووحدات القطاع الخاص الوطنية لشريحة العاطلين من الخريجين الاماراتيين طوال السنوات الماضية؟ ماذا قدم الاستثمار الوطني للدولة نظير كل التسهيلات والمزايا التي حصل عليها؟ ولماذا نطالب المستثمر الاجنبي بالانضباط فيما الاستثمار الوطني ساهم ومازال يساهم في تخريب الاقتصاد الوطني والمجتمع الاماراتي؟ تاسعاً: يشير البند (5) من المادة السابعة الى أهمية قيام لجنة استثمار رأس المال الاجنبي المشكلة بموجب هذا القانون بمراعاة «أثر مباشرة نشاط الاستثمار الاجنبي على الشركات الوطنية التي تزاول نشاطاً مماثلاً أو مكملاً»، والواقع يشير الى ان الشركات الاجنبية العاملة في الامارات قد فرضت هيمنتها فعلياً على الساحة الاقتصادية والتجارية ويكفي الاشارة هنا الى عدد المصارف الاجنبية العاملة في الامارات الذي يفوق عدد المصارف الوطنية، ثم شركات التأمين الاجنبية التي يزيد عددها على عدد شركات التأمين الاماراتية، هذا اضافة الى وجود شركات وطنية في ظاهرها اجنبية في حقيقتها سواء في رأس مالها أو في عمالتها أو ادارتها أو حتى في ارتباطها بالاقتصادات الاجنبية، فما هي معايير الهوية الاماراتية في الشركات العاملة في الامارات؟ وما هي قدرة الشركات الوطنية لمنافسة الشركات الاجنبية التي تزاول نشاطاً مماثلاً لنشاط الشركات الوطنية؟ ان هذه الوضعية قد دفعت الشركات الاجنبية للهيمنة على السوق المحلية وخروج الشركات الوطنية من السوق. واذا كان هذا هو وضع شركاتنا الوطنية حالياً فكيف يصبح حالها في ظل تطبيق الامارات لاتفاقية منظمة التجارة العالمية (W.T.O) اعتباراً من مارس 2005؟ وكيف يصبح هذا الوضع في ظل متطلبات العولمة الاقتصادية ووجود شركات ذات الجنسيات المتعددة. ان معطيات المرحلة المقبلة تتطلب مراجعة أمينة وموضوعية وجادة للقوانين والتشريعات الاقتصادية في الامارات لمواكبة التطورات الحالية والمستقبلية ويجب ان تكون هذه المراجعة مستندة على رؤية اقتصادية صحيحة وواضحة المعالم ومتسقة مع الاصلاحات الاقتصادية والتجارية التي يحتاج لها الاقتصاد الوطني الذي يجب ان نعترف بأنه يعاني من اختلالات واضحة وصريحة، ثم ان هذا المشروع لهذا القانون يجب ان يراعي الاعتبارات التالية: ـ انضمام الامارات لمنظمة التجارة العالمية وشروط هذه الاتفاقية التي سوف تدخل حيز التنفيذ اعتباراً من مارس 2005 ومايترتب على هذا الانضمام من تبعيات والتزامات مختلفة. ـ الاتفاقيات الاقتصادية الثنائية التي ابرمتها الدولة مع عدد كبير من الدول عربية منها واجنبية سواء تلك المتعلقة بالازدواج الضريبي أو الاستثمار، وما تمليه هذه الاتفاقيات من أوضاع ربما تكون متعارضة مع بنود ومواد مشروع هذا القانون. ـ الاتفاقيات التجارية التي ابرمتها حكومات محلية مع دول عربية واجنبية التي ربما تشكل اختراقاً للقوانين الاتحادية المنظمة للنشاط الاقتصادي والتجاري ومنها هذا القانون. ـ الواقع الاقتصادي والتجاري والمناخ الاستثماري في الدولة المتسم بالتجزئة الاقتصادية وتضارب القوانين والتشريعات وازدواجية القرارات والمشاريع. ـ تداعيات العولمة الاقتصادية وفروضها وشروط الشركات ذات الجنسيات المتعددة والامكانيات الضخمة والقدرات الكبيرة، فهل ينفع هذا القانون في ظل هذه المعطيات؟ بقلم: نجيب عبدالله الشامسي